إلى اللقاء ـ الدكتور بوتين قتل الأم والجنين ... ونفسه ! ـ بقلم: عماد الدين حسين

الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 مثلما يقول البعض ان الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان حداً فاصلاً بين زمنين، يعتقد آخرون ان عملية احتجاز مجموعة من مقاتلي الشيشان لأكثر من 700 رهينة غالبيتهم من الروس في أحد مسارح موسكو سيكون أيضاً حداً فاصلاً ويؤرخ له في عمليات احتجاز رهائن بهدف تحقيق أهداف سياسية، بل وربما سيكون حداً فاصلاً في قطع آخر ما تبقى من علاقات صداقة بين الروس من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى لفترات طويلة. ولأن الحدث ما زال ساخناً ودماء الضحايا لم تجف بعد، أو بعبارة أدق الغازات التي استنشقوها ما زالت تحير الجميع فإن محاولة استخلاص نتائج قاطعة بشأن ما حدث يعتبر أمراً غاية في الصعوبة، لكن الأمر لا يمنع من إبداء مجموعة من الملاحظات السريعة وهي على النحو التالي: ـ العراق هو المتضرر الأكبر من هذه العملية، لأنها جاءت في توقيت بالغ السوء بالنسبة له حيث كان يهدف لاستمرار الموقف الروسي المساند له في مجلس الأمن ضد استحداث قرار أميركي صارم بشأن عمليات التفتيش، وجاء الحادث ليس فقط ليصرف الأنظار عن الموقف الروسي القوي المعارض «تقريباً» لواشنطن ولكن ليؤكد وجهة النظر المخادعة التي تحاول اقناع موسكو بأن الخطر الحقيقي يكمن فيما يسمى «الارهاب الاسلامي»، ولم تكن صدفة ان يسارع الرئيس العراقي بنفسه لمناشدة الخاطفين انهاء العملية لأن ميدان المعركة ليس في مسارح وشوارع موسكو ولكن ضد المصالح الأميركية والصهيونية. ـ الملاحظة الثانية هي انه رغم عدم قدرة احد على المجادلة بأن المقاتلين الشيشان يخوضون حرب تحرير عادلة وعانوا الكثير من البطش والقمع والاضطهاد الروسي، فإن ما حدث في موسكو سيؤثر سلباً على عدالة قضيتهم في نظر الرأي العام الدولي، بمنطق انه لا يكفي فقط ان تكون على حق لكي تفعل ما تريد، لأن الحق وحده في عالمنا المعاصر الذي يشبه الغابة، لا يكفي بمفرده كي تصبح على صواب، ولنا في المثال الفلسطيني قدوة حسنة، حيث تمكن الكيان الصهيوني للاسف الشديد من اقناع جزء لا بأس به من الرأي العام العالمي بأن الانتفاضة وهي انبل ظاهرة في واقعنا العربي القاتم ما هي الا محض ارهاب! وحل هذه المعضلة يتم فقط من خلال التفريق بين ما هو تكتيكي واستراتيجي وممارسة حد ادنى من السياسة، فليس من الحصافة ان نجعل العالم كله عدونا في نفس الوقت. ـ الملاحظة الثالثة تتعلق بالرأي العام العالمي، فلم يعد بمقدور أحد ـ خاصة إذا كان ضعيفاً وشبه مهزوم ـ أن يتصرف كيفما يريد، بمعنى اذا كنا كعرب ومسلمين متحدين وأقوياء، نستطيع ان نحرر أرضنا المغتصبة في فلسطين وسوريا وشبعا، ونقنع الروس بترك الشيشان، لكن ولأن ارادتنا غائبة وسلاحنا معطل، فليس بمقدورنا تجاهل الرأي العام العالمي. ـ الملاحظة الرابعة وهي مرتبطة بما سبق ان الحادث الأخير جاء مكملاً لسلسلة من الأحداث والتطورات التي تقود ببطء لجعل روسيا ملعباً اسرائيلياً مغلقاً بعد ان كانت الصديق الدائم للعرب والمدافع الأبرز دولياً عن قضاياهم، هذه الأحداث بدأت بانقلاب غورباتشوف السلمي، ثم مجيء يلتسين والبطانة الصهيونية التي ساندته أولاً ثم ورطته في الشيشان لكي تتصادم المصالح الروسية والاسلامية والآن نرى ان اللوبي الصهيوني في موسكو بدأ يصبح الأقوى فيما يتعلق بالاعلام والنفط والتجارة، بل ان المهاجرين الروس في اسرائيل يتحولون ببطء لكي يصبحوا اكثر تطرفاً من الليكود نفسه. ـ الملاحظة الخامسة ورغم عدم ايماني بنظرية المؤامرة فإنه لا يمكن استبعاد وجود دور خارجي في ترتيب ما حدث، وإذا طبقنا نظرية فتش عن المستفيد في عملية مسرح موسكو، سوف نكتشف ان اسرائيل وأميركا أيضاً هما الكاسبتان أولاً، بل ان احد المحللين الروس يكاد يجزم ان اللعبة كلها يهودية، رغم ان المنفذين شيشان، لكن استرجاع دور الملياردير الروسي الاسرائيلي بوريس بيروزفسكي ودوره في اشعال حريق الشيشان، لا يجعلنا نستبعد أي شيء، ثم ان من مصلحة أميركا ان تجر روسيا الى ارضية حرب الارهاب وليس الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية الحقيقية. ـ الملاحظة السادسة هي ان كثيراً من المحللين استبعدوا في البداية امكانية قيام موسكو باقتحام المسرح وإنهاء العملية بالقوة، ونسوا جميعاً أو غالبيتهم ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو رجل أمن ومخابرات، ، وبالتالي فخبرته التفاوضية قليلة وعقليته لا تعرف الحلول الوسط، وبالتالي فما فعله بوتين كان متوقعاً. وأصبح بوتين عقب العملية بطلاً شعبياً بالنظر إلى ما أعلنه بوفاة 67 شخصاً من مجمل حوالي 700 شخص وقتل جميع الخاطفين الخمسين. ـ الملاحظة السابعة هي انه اذا ثبت صدق التوقعات بارتفاع عدد الضحايا خاصة بعد الاعلان ان 650 من المصابين ما زالوا في المستشفيات و200 منهم في حالة خطيرة، وان ضحية واحدة قتل بالرصاص والباقي بالغاز الغامض، فإن ذلك قد يكون المسمار الرئيسي في بدء انهيار شعبية بوتين داخل بلده، لأن التعتيم الروسي واحتجاز الرهائن مرة اخرى داخل المستشفى وعدم الاجابة عن تساؤلات اهاليهم والمجتمع الدولي قد يكشف عن كارثة حقيقية تمت بمنتهى الاستهتار بأرواح الضحايا الروس على الاقل. ـ الملاحظة الأخيرة، ليست في صلب الموضوع ولكنها تتعلق بالطريقة التي حرر بها الروس الرهائن، وذكرتني بالحكاية الشعبية الشائعة في مصر عندما قام شخص ينتحل صفة طبيب ولادة بمحاولة توليد امرأة، ولأنه غير مؤهل فقد قتل الجنين لكي تعيش الأم، لكن الأم ماتت متأثرة بجراحها، فتوفي الزوج حزناً على الأم والجنين، أما بقية الحكاية الطريفة فهي ان الطبيب المزيف جن جنونه وقام بقتل الممرضة والمساعدين وكل من قابله في المستشفى ثم قتل نفسه في النهاية. ما حدث في مسرح موسكو يشبه ذلك كثيراً، فالرئيس بوتين قتل الرهائن والخاطفين معاً ولا يعلم احد مدى تأثيرات الغاز السام على بقية من كانوا بجوار المسرح، وربما يصل تأثير هذا الغاز إلى بوتين نفسه!! adiraqi@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات