استراحة البيان ـ أيها السيل .. كم تحتمل من زبد ؟ ـ يكتبها اليوم: علي عبيد

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 يعبّر صديقي ـ الذي فرغ لتوه من قراءة أحد الكتب ـ عن إعجابه بقدرة بعض الكتّاب على استنباط الفكرة، ويتساءل عن كيفية ولادتها، كما لا يُخفي دهشته من استسهال البعض لعملية الكتابة وحرصهم على التواجد في كل الصفحات وكل المطبوعات إلى الدرجة التي يجد القارئ معها نفسه عازفاً عن القراءة لهم لكثرة ما يعرضون أنفسهم عليه ورداءة ما يقدمون من منتج إليه. ولأن المسألة من السهولة بحيث إنه بإمكان كل إنسان أن يدلي بدلوه فيها لكون الكتابة منتجاً فكرياً، الإطلاع عليه مُتاح للجميع، ومسموح لمن يطلع عليه ـ إن لم يكن مطلوباً منه ـ إبداء رأيه فيه، ومن الصعوبة بحيث إنه يصبح إصدار حكم على هذا المنتج مسألة أمانة وضمير وتقدير للمنتج الذي يخاطب العقل والحسّ والوجدان. ومن أجل الوصول إلى جواب شاف يحسم هذه المسألة يتوجب علينا أن نبحث عن كيفية ولادة الفكرة نفسها والظرف الزماني والمكاني والنفسي الذي تولد فيه، والكيفية التي تتشكل بها لتصل إلى أيدينا على طبق من ورق مغموس في الحبر، أو أي وسيلة أخرى، لتصبح جزءاً من تكويننا الفكري والنفسي، وبعضاً من نسيجنا العاطفي المتشكّل من تجاربنا الشخصية، وتجارب أولئك المبدعين الذين استطاعوا أن يصوغوا ما عاشوه أو شاهدوه في أشكال أدبية اتخذت لها أماكنها على رفوف مكتباتنا، وشكلّت خلفياتنا الثقافية، وساهمت في تكوين شخصياتنا ورسم ملامحها. وكي أسهم في إزالة حيرة صديقي ورفع دهشته وجدتني أسوق له تجربتين في الكتابة يجمع بينهما أن صاحبتيهما من الجنس الناعم، ويفرّق بينهما أن لكل واحدة منهما رأياً مختلفاً في الموضوع. صاحبة التجربة الأولى هي الروائية التشيلية «إيزابيل الليندي» التي تتحدث عن ولادة بعض أعمالها وفكرة هذه الأعمال فتقول: «في أواسط عام 1987 لم يعد بإمكان حياتي الزوجية أن تستمر، فقد استقر الملل نهائياً بيننا (تقصد بينها وبين زوجها)... كان ميشيل (زوجها) مغموماً يمر بمرحلة سيئة وهو بلا عمل وحبيس البيت. ولكي أتجنب حضوره الدائم كنت أهرب إلى الشارع أحياناً، وأضيع في شبكة أوتوسترادات كاراكاس المتشابكة (حيث كانت تعيش في فنزويلا خلال تلك الفترة) وبينما كنت أناضل ضمن حركة المرور توصلت إلى حلول لكثير من مشاهد إيفالونا (روايتها الثالثة التي نشرتها عام 1987) وخطرت لي قصص أخرى. وفي إحدى اختناقات حركة السير التاريخية، حيث بقيت محتجزة في سيارتي مدة ساعتين تحت شمس من الرصاص المصهور كتبت قصة «كلمتان» دفعة واحدة على ظهر شيكاتي، والقصة من نوع المجاز حول القدرة الهذيانية للقص واللغة، وقد أفادتني فيما بعد لتكون مفتاحاً لمجموعة قصصية». وعن الكيفية التي تتشكّل بها أحداث رواية لا تزال في طور الكتابة تقول «الليندي» متحدثة عن روايتها الثالثة «إيفالونا»: «كانت إيفالونا تكتب تلقائياً ورغم أنفي تقريباً. لم تكن لديّ القدرة للتحكم بتلك القصة المشعثة، ولم أكن أعرف إلى أين تتجه ولا كيف سأنهيها. وكنت على وشك قتل جميع الشخصيات في تبادل لإطلاق النار للخروج من الورطة والتخلص منهم! والأدهى من ذلك أنني بقيت في منتصف الطريق دون البطل الرجل. فقد كان في خطتي أن يجمع الحب بين إيفا وهومبرتو نارانخو، وهما طفلان يتيمان فقيران، عاشا في الشارع وترعرعا في طريقين متوازيين، وفي منتصف الكتاب حدث اللقاء المنتظر، ولكنهما عندما تعانقا أخيراً، تبيّن أنه لا يهتم إلاّ بنشاطاته الثورية وأنه أخرق تماماً كعاشق، إن إيفا تستحق أكثر من ذلك». وهكذا وجدت الكاتبة نفسها في زقاق مسدود كما تقول. في تلك الأيام كان عليها أن تسافر إلى ألمانيا للقيام بجولة دعائية. وفي إحدى الليالي في مدينة شمالية، اقترب منها رجل لدى انتهاء الحديث مع الجمهور ودعاها إلى جلسة في مقهى لا يكاد أحد يرى وجه الآخر فيه بسبب ضعف الإنارة ودخان السجائر، وكانت لديه قصة من أجلها حسب قوله. وبينما كان المطر يهطل في الخارج راح ذلك الرجل المجهول يكشف لها عن ماضيه. لقد كان أبوه ضابطاً في الجيش النازي. رجل قاسٍ يعذّب زوجته وأبناءه، وقد منحته الحرب فرصة لإشباع أكثر غرائزه وحشية. حدثها ذلك الرجل عن أخته الصغيرة المتخلفة ذهنياً، وكيف أن أباه المتشرّب بالتفوّق العرقي رفض الاعتراف بها على الإطلاق وأجبرها على العيش كقطة وبصمت تحت إحدى الطاولات مغطاة بشرشف أبيض كي لا يراها. وقد سجّلت «الليندي» على منديل ورقي كل ذلك وأكثر منه بكثير مما أهداها إياه في تلك الليلة، وقبل أن يفترقا سألته إذا كان بإمكانها استخدام ذلك في رواية فأجابها بأنه قد رواه لها لكي تستخدمه. وعندما وصلت إلى كاراكاس أدخلت المنديل الورقي في الكمبيوتر فظهر «رولف كارليه» بكامل قامته أمام عينيها، المصوّر النمساوي الذي تحوّل إلى بطل رواية «إيفالونا» وحلّ محل «هومبرتو نارانخو» في قلب بطلة الرواية «إيفا». أما صاحبة التجربة الثانية فلعلّها تكون أشهر كاتبات نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة. إنها الكاتبة البريطانية جي.كي. رولينغ مؤلفة الرواية الأكثر شهرة «هاري بوتر» التي صدر منها حتى الآن أربعة أجزاء، وينتظر العالم بلهفة صدور الجزء الخامس الذي أعلن عنه، ومن المتوقع نزوله إلى الأسواق هذه الأيام، وقد بيعت منه ملايين النسخ مقدماً. لقد أصبحت روايات «هاري بوتر» الأربع ظاهرة عالمية غير مسبوقة منذ إصدار أولاها عام 1997، وأدت إلى وقوف القرّاء في طوابير طويلة أمام أبواب المكتبات في مختلف المدن عند إصدار الجزء الرابع منها صيف عام 2001، وقد سجّلت مبيعات الرواية أرقاماً قياسية منذ طرحها في الأسواق، وتجاوزت الأرقام مئات الآلاف خلال ساعات فقط، حيث قال مسئولو المكتبات إنها الأسرع والأكثر مبيعاً حتى الآن، إذ سجل السحب على الرواية أكثر من مئة نسخة في الساعة الواحدة في بريطانيا، وبلغ عدد النسخ التي بيعت من الأجزاء الأربعة 175 مليون نسخة. وهاري بوتر بطل السلسلة ليس أكثر من مراهق يتمتع بموهبة السحر ويواجه قوى الظلام التي يقودها فولديمورت المرعب. الشاهد في الموضوع أن مؤلفة الرواية وصفت هذا الاندفاع على شراء روايتها بأنه «جنون كامل» خاصة وأن هذا الجنون قد بلغ مداه مع طرح الجزء الرابع منها عندما عسكر المعجبون بالرواية أمام المكتبات في بريطانيا والولايات المتحدة في انتظار أن تفتح أبوابها وتبدأ البيع. وتقول رولينغ إنها مندهشة بسبب رد الفعل الذي أحدثته روايتها، والأغرب من ذلك قولها إنها كتبت هذه الرواية في الأصل لنفسها وأن ما تراه من اندفاع القرّاء لشرائها مثير للدهشة والتعجب. وهكذا لم تعد الدهشة حكراً على صديقنا العزيز الباحث عن سرّ صنعة الكتابة العصيّ، المندهش لاستسهال البعض لها وتسويد الصفحات بما هو غير مفيد، فقد غدت الدهشة متبادلة بين القارئ والكاتب.. وكل له أسباب دهشته. بقي أن نسأل: تُرى.. ما هو عدد الكتّاب الذين يعانون من أجل ولادة فكرة تستحق الكتابة عنها؟ وما هو عدد القرّاء الذين يعانون من كتّاب يغرقونهم كل يوم بأفكار وكتابات تنهمر عليهم كالسيل الذي يحتمل زبداً رابياً، لكنها تذهب جفاءً لأنها ليست أكثر من ذلك الزبد الذي يحتمله السيل، ولا يمكث في العقول إلاّ ما ينفع الناس؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات