خط مباشر ـ السودان ومشكلة بوش ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 الرئيس بوش اعطى الخرطوم اشارتين متضاربتين، فبعد ان وقع بإمضائه على وثيقة مشروع قانون «سلام السودان» الذي ينطوي على فرض عقوبات على السودان اذا ثبت بعد ستة شهور ان الحكومة السودانية لا تتفاوض «بحسن نية» مع حركة قرنق، فإن الرئيس الاميركي ادلى في حفل التوقيع على الفور بتصريحات انه لا يرى نفسه ملزما بتنفيذ ما اشتمل عليه القانون. والسؤال الذي يطرح هو: هل تركن الحكومة السودانية الى الاطمئنان في ضوء هذا التصريح؟ لنتساءل اولا عن الباعث الذي دفع بالرئيس بوش الى الادلاء بهذا التصريح الاستدراكي. من الوهلة الاولى يبدو ان الرئيس بوش يجد نفسه في موقف حرج بين قوتين متضاربتين: القوة الواقفة وراء مشروع القانون داخل الكونغرس.. وهي «التحالف المسيحي ـ اليهودي» الذي يتبنى اجندة تقوم على تأجيج الحرب في جنوب السودان مع دعم جيش التمرد.. وقوة اخرى تعارض مشروع القانون وهي تتمثل في مجموعة شركات النفط الاميركية التي باستنادها الى دعم عناصر نافذة داخل ادارة بوش بمن فيهم الرئيس نفسه تهدف الى وقف الحرب وتحقيق تسوية سلمية بين الجنوب والشمال بما يهييء استقرارا سياسيا يسمح للشركات النفطية الاميركية بالدخول استثماريا في صناعة النفط السودانية. يمكن اذن تفسير تضارب الاشارات الصادرة عن الرئيس الاميركي، ما بين اقرار مشروع قانون العقوبات واعلان انه غير ملزم، بأن الرئيس اراد من ناحية تحاشي استفزاز تحالف اليمين المسيحي مع اللوبي اليهودي بينما بدأ العد التنازلي للانتخابات التشريعية النصفية في الولايات المتحدة (خاصة وان اليمين المسيحي المتطرف يتبع الحزب الجمهوري ـ حزب بوش).. وبنفس القدر اراد من ناحية اخرى استرضاء اللوبي النفطي. فهل ينبغي ان يدعو هذا التناقض حكومة السودان الى الاطمئنان بأن قانون العقوبات لن يطبق؟ ان الحصول على اجابة دقيقة وحاسمة عن هذا السؤال يتطلب من الحكومة السودانية امرين: اولا، اجراء اتصالات دبلوماسية على اعلى المستويات مع الادارة الاميركية للبحث عن سر هذا التضارب وما اذا كان يعني فعلا ان الادارة لا تعتزم تطبيق القانون. ثانيا: رصد مسلك الادارة الاميركية وتحركاتها على الارض تجاه السودان خلال الشهور القلائل المقبلة للتيقن من نواياها الحقيقية. على ان هناك تطورا يجب ان تتوقف عنده الحكومة السودانية فوريا. فقد تزامن مع صدور قانون العقوبات فور التوقيع عليه اجراءات عقابية محددة تجاه السودان صدرت عن وزارة الخزانة الاميركية.. واشتملت على تجميد اموال عدد من المؤسسات والشركات الحكومية السودانية. فما هو تفسير ذلك؟ ما يجتذب الانتباه اولا ان هذه الاجراءات العقابية لم تصدر بموجب «قانون سلام السودان» الذي وقع عليه بوش، وانما اتخذت بموجب قرار رئاسي قديم كان قد اصدره الرئيس السابق بيل كلينتون بفرض عقوبات على السودان في عام 1997 بعد ادراجه على قائمة الدول الراعية للارهاب». هذا الامر الرئاسي لا يزال ساري المفعول لانه لم يلغ، لكن لماذا لجأت ادارة بوش اليه الآن تحديدا؟ ان لجوء ادارة بوش الى امر رئاسي قديم اتخذ في عهد رئيس سابق لتفرض اجراءات عقابية بتجميد اموال مؤسسات وشركات تابعة للحكومة السودانية، يبدو مناقضا لما صرح به الرئيس بوش من ان «قانون سلام السودان» الذي وقعه الرئيس للتو ليس ملزما للادارة الاميركية». هذا اذا اخذنا الاجراءات العقابية التي فرضت بالفعل الآن على وجهها الظاهري السطحي، فإذا تعمقنا في هذه الاجراءات فإننا سنكتشف انها خالية المضمون. فالمؤسسات والشركات المذكورة على القائمة هي اما مؤسسات وشركات لم تعد على قيد الحياة الاقتصادية او مؤسسات وشركات ليس لديها ارصدة لدى البنوك الاميركية او حتى ارصدة بعملة الدولار. مع هذا كله فإنه لا يجدر بالحكومة السودانية ان تركن الى الاطمئنان حتى لو ثبت لديها عمليا ما يجب ان يبعث على الاطمئنان الى نوايا ادارة بوش. ان ما ينبغي على الحكومة السودانية ان تستذكره على الدوام هو انها تتعامل مع ادارة اميركية ذات رؤوس متعددة.. مما يتطلب الحيطة دائما.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات