بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 تتفق النظريات المختلفة على تعريف العنف بأنه كل تصرف يؤدي الى الحاق الاذى بالآخرين سواء كان اذى جسميا او اذى نفسيا. فالسخرية والاستهزاء من الفرد، وفرض الآراء بالقوة، واسماع الكلمات الجارحة جميعها اشكال مختلفة للعنف. وظاهرة العنف تعد احدى الظواهر التي استحوذت على اهتمام علماء النفس في القرن العشرين، واجتهدوا في تتبع اسبابها، واكتشاف العوامل المؤدية الى تفاقمها، بعد ان اصبح اللجوء الى استخدام العنف امراً عاديا يمارسه الافراد ضد بعضهم البعض، اذا ما رغبوا في توصيل رسالة قاسية الى احد الاطراف او اثناء ردود افعالهم التي تأتي مصحوبة بشحنة من المشاعر الغاضبة والملتهبة كنتيجة للعنف الموجه نحوهم. وحسب النظرية النفسية ـ الاجتماعية فان الانسان يكون عنيفا عندما يتواجد في مجتمع يعتبر العنف سلوكاً ممكناً مسموحاً ومتفقاً عليه. وقد اثبت العلم ان الطفل لا يولد عنيفا، وانما عنف الظروف المحيطة به، وقسوة ابويه، والخلل في البيئة الاجتماعية تقوده في النهاية الى ان يكون عنيفاً!! وبالرغم من ان البيئة الاسرية هي احد العوامل التي تؤثر على درجة ميل الطفل واستعداده لممارسة العنف اللفظي او السلوكي الا ان اصابع الاتهام في الغالب ـ تشار اليه، ويناله التوبيخ الذي يتخطى أبويه، ويتهم بالمشاكسة وتعمد اللجوء الى العنف بشتى اشكاله وكأنه قد وجد انواع الرعاية التي تحميه من اللجوء الى مثل هذا التعبير القاصر. فالعنف الاسري الذي يمارسه الاب والام ضد بعضهما يعتبر احد المحركات الفعلية التي تدفع بالطفل في اتجاه محاكاة سلوك الابوين. وبشكل آلي يتصرف الطفل الذي سوف يصبح مراهقا في المرحلة التالية بطريقة عنيفة ازاء اي موقف استفزازي يتعرض له من قبل ابويه او احد اخوته. وقد كان من الانصاف ان يراجع الابوان الاجندة الخاصة التي يطبقانها بتكرار ودون ملل اثناء ادارة الحوار اليومي داخل الاسرة، وان يمارسا تقييما دورياً للطريقة التي يتعاملان بها مع الاختلافات والمشاكل والازمات الطارئة. ولكن مع الاسف الشديد فان ذلك لا يحدث ـ في الغالب ـ في تلك الاسر التي جعلت لغة الطواريء واعلان حالة التأهب القصوى للخطوط الدفاعية ضد أي عدوان اسري محتمل هو النمط السائد في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الآراء والافكار المختلفة داخل الاسرة الواحدة. الامر الذي يجعلنا نستبعد وجود فرص حقيقية للتنشئة الصحيحة في مثل هذه الاجواء عالية التوتر وشديدة الاحتقان؟ فكيف يمكن ان ينشأ اطفال يتمتعون بدرجة من النضج الانفعالي، ومن القدرة على السيطرة على المشاعر، وضبط النفس، وآباؤهم وامهاتهم هم اول من يصدر العنف، ويديره ويعتمد عليه كلغة اولى في التعبير عن وجهة النظر او في الدفاع عنها!! واقرب مثال على حالة تصدير العنف من قبل الآباء الى الابناء يمكن الوقوف عليها من خلال الطريقة التي يواجه بها الاب تلك الدموع المنهمرة على وجه ابنه الصغير، الذي اتاه شاكيا من اعتداء احد زملائه في الفصل. وقبل ان يعرف مثل هذا الاب الناري الثائر الاعصاب الظروف التي تسببت في التصرف السلبي الذي صدر من زميله تجاهه، يبدأ في اصدار اوامره الصارمة بأن يرد عليه الصاع صاعين، ويلقن زميله في الغد درسا في الكرامة والانتصار للنفس لا يمكن ان ينساه مدى الحياة!! والواضح في هذا المثال ان مثل هذا النوع من الآباء يعاني من سقف بسيط ومتواضع لتصور الطرق الناجحة في التخلص من الصدمات النفسية، وفي استيعاب الطرف الآخر دون ان يصاحب هذه الطرق اي نوع من الاضرار المعنوية او المادية. الامر الذي ينعكس سلباً على قدرة الابن على ادارة المشاكل جراء المواظبة والتعود على الرد العنيف والغاضب للمواقف غير السارة التي يتعرض لها كما يفقد القدرة على اتخاذ القرار السليم طالما ظل اسير انفعالاته وتصوراته المحدودة للكيفية التي يدير بها المواقف الصعبة، اضافة الى ان مثل هذا النوع من الابناء يخفقون في تكوين علاقات عميقة وثرية نظراً لمحدودية ادوات التأثير وطرق الاتصال التي يتعاطونها مع دائرة الزملاء والاقران.. ان هذه الاخفاقات المتتالية في شبكة العلاقات الاجتماعية ما هي الا محصلة حتمية لفشل الآباء في اقصاء العنف من داخل الاسرة. وهو الامر الجدير بالدراسة ومتابعة البحث.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات