«خطة الطريق».. إلى الوقت الضائع ! ـ بقلم: محمد مشموشي

السبت 20 شعبان 1423 هـ الموافق 26 أكتوبر 2002 لا تحمل «خريطة الطريق» التي نقلها مساعد وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز في أثناء جولته الحالية في المنطقة الا معنى واحدا: محاولة «تهدئة الخواطر» العربية لكسب الوقت من ناحية وللتحضير للحرب المعلنة ضد العراق من ناحية ثانية. مع ذلك، بل برغمه، يمكن للمرء أن يفهم، وحتى أن يبرر «الاعتدال» الفلسطيني تجاه هذه المحاولة الأميركية التي انكشفت أهدافها من اللحظة التي بدأ تسريب المعلومات عنها. اذ أن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عرض الخطة أولا على رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الذي التقاه في سابع قمة بينهما خلال عامين، بما يفيد بأنها حظيت بموافقة هذا الأخير، وربما لم يكن ليحملها بيرنز الى المنطقة لولا تلك الموافقة. ثم انها خطت خطوة أخرى على طريق استبعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فتحدثت عن سلطة مقبلة من دونه، بل ان بيرنز رفض حتى الالتقاء به، ثم ان المسئولين في سلطته رضخوا للشرط الأميركي فالتقوا موفد بوش وتسلموا منه الخطة لعل وعسى!! وعلى الصعيد العربي، بدا أن اللعبة لم تنطل نهائيا لكن العواصم العربية التي استقبلت بيرنز وجدت في الخطاب الأميركي الذي يقول «ان الحرب على العراق لم تغط نهائيا على المسعى من أجل تسوية قضية المنطقة» أي قضية الصراع التاريخي فيها حول فلسطين ـ اعادة تأكيد لما قاله بوش عن الدولة الفلسطينية الموعودة. وبدا، في رأي هذه العواصم، أن تأكيد الوعد مع شن الحرب على العراق أفضل من شن الحرب التي تبدو واقعة حتما من دون ذلك الوعد. أما من وجهة نظر اسرائيل، ومن وجهة نظر شارون بالذات، فالفرصة عزيزة لدرجة عدم تصور احتمال تفويتها بأي شكل من الأشكال. فرصة دخول واشنطن مباشرة، ولأول مرة، في حرب ضد دولة عربية (عمليا ضد العرب والمسلمين جميعا تحت عنوان مكافحة الأرهاب) بما تعنيه من امتحان عملي لـ «التحالف الاستراتيجي» الأميركي ـ الاسرائيلي الذي بقي حتى الآن تحالفا من جانب واحد، أي من جانب الولايات المتحدة التي طبقته دائما بينما لم تطبقه اسرائيل الا سلبيا عبر «سكوتها» على الصواريخ التي استهدفتها في حرب الخليج الثانية العام 1991. لن تدع اسرائيل مثل هذه الفرصة تمر من دون استغلالها، والى اقصى حد، ان لم يكن في حربها على الشعب الفلسطيني واغتصاب أرضه نهائيا فقط، فمن اجل دورها المقبل كشريك في المصالح الأميركية في السيطرة على المنطقة واستغلال ثرواتها وفرض شروطها وسياساتها عليها. لكن ما يبقى هو موقف «اللجنة الرباعية» المكونة، الى جانب الولايات المتحدة، من كل من روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. فهذه اللجنة التي تأتي «خريطة الطريق» كما لو أنها من صناعتها، أو أقله من ترتيبها، قد تكون بدورها في موقع من يريد أن يدفع كلام بوش عن الدولة الفلسطينية خطوة أخرى الى الأمام في الوقت الذي تركز فيه ادارته جهودها كلها على العراق وعلى تمرير قرار في مجلس الأمن الدولي يخوله استخدام القوة لتغيير النظام فيه. «صفقة» من نوع جديد ؟! ربما تظن واشنطن بوش، في المأزق الراهن الذي تعانيه في مجلس الأمن ومع روسيا وبعض دول الأتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا وغيرهما، انها من خلال هذه الحركة على مستوى أزمة الصراع العربي ـ الاسرائيلي تستطيع ان تخفف من عنف معارضة هذه الدول لحربها على العراق. وماذا في «خريطة الطريق» الأميركية غير ذلك: كسب الوقت ليس الا ؟!. بنظرة سريعة الى ما حمله بيرنز في جولته، وما كشفته التسريبات الاسرائيلية وحدها للآن، تتبين النقاط الآتية: أولا ـ اقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة قبل نهاية العام 2003، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات حول الوضع النهائي لهذه الدولة وللحدود بينها وبين اسرائيل تؤدي الى قيام هذه الدولة في العام 2005. ثانيا ـ دعوة اسرائيل لوقف نشاطها العسكري وهدمها للبيوت في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الشهرين المقبلين، اضافة الى رفع الحصار المفروض على المناطق ووقف مصادرة أراضي الفلسطينيين، والمطالبة بتفكيك مواقع الاستيطان التي تم بناؤها في أثناء فترة رئاسة شارون للحكومة الاسرائيلية. ثالثا ـ على الفلسطينيين، من جهتهم، اصدار بيان واضح يعترف بحق اسرائيل في الوجود ويوقف كل أنواع العنف ضدها. كما عليهم أن ينفذوا اصلاحا سياسيا وأمنيا شاملا بما في ذلك تعيين رئيس وزراء قوي واعادة تشكيل قواتهم المسلحة باشراف دولي وبقيادة وزير داخلية قوي، فضلا عن البدء بصياغة دستور لدولتهم الجديدة. رابعا ـ لا بد من ازاحة ياسر عرفات بما يعنيه ذلك من اعتماد نتائج انتخابات برلمانية فقط. ومعظم السلطة ستناط اذن برئيس الوزراء وبالحكومة وبالبرلمان وبالمجالس البلدية المحلية. خامسا ـ المرحلة الثانية من الخطة، والتي ستبدأ في ديسمبر المقبل، تطلب من اسرائيل تجميد بناء المستوطنات كلها بما فيها تلك التي ينمو عدد سكانها بصورة طبيعية. وعندما يزداد التعاون الأمني، تنسحب القوات الاسرائيلية تدريجيا من المناطق التي يفترض أن تكون تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، على أن تعود في شهر مايو ـ من العام 2003 الى المواقع التي كانت عليها قبل انفجار الانتفاضة. طريق المجهول أي جديد في «خريطة الطريق» هذه، بل أية طريق جديدة هي هذه الطريق ؟!. لا جديد اطلاقا على صعيد ما هو على الورق، أما على الصعيد العملي فيكفي تذكر «الأوامر» التي اصدرها بوش لصديقه «رجل السلام» شارون بينما كانت قواته تجتاح المدن والقرى على امتداد الأراضي الفلسطينية، ثم تكرارها بعبارات «الآن» و «فورا» و «أعني فورا» من دون أية نتيجة سوى استكمال الاجتياح وتدمير البقية الباقية من البنية التحتية للسلطة ومكاتبها وصولا الى حشر رئيسها وأعوانه في غرفة واحدة في طابق واحد من مبنى الرئاسة. بل ربما يكفي، لمن نسي أو يريد أن ينسى، تذكر مشروع القرار الأخير أمام مجلس الأمن الدولي بالدعوة الى وقف تدمير مباني «المقاطعة» وما فعلته الولايات المتحدة بجهد لمنع صدوره ثم امتناعها عن التصويت عليه عندما فشلت في مسعاها. أكثر من ذلك، فما تريده «خريطة الطريق» من اسرائيل يأتي في صيغة الدعوة ـ أو ربما التمني ـ فيما تطالب الشعب الفلسطيني، وبالتالي العرب جميعا، بتقديم صك استسلام للشروط التي ما فتئ شارون يرددها في الوقت الذي كان يتجاهل فيه أية تلبية ولو بصورة غير مباشرة لها كما حدث تكرارا عندما توقفت عمليات المقاومة لأيام عدة وحتى لأسابيع بينما كان هو يدعو لسبعة أيام فقط من الهدوء. وعندما يصل الأمر الى المستوطنات التي يتفق الكل على عدم شرعيتها، وعلى انتهاكها لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، تقف «خريطة الطريق» الأميركية عند حد الدعوة لتفكيك المواقع التي بنيت في اثناء رئاسة شارون ولا تقول شيئا عما سبقها. كذلك فهي، في المرحلة الثانية من الخطة، تطالب اسرائيل بوقف بناء المزيد من المستوطنات بما فيها تلك التي يزداد عدد سكانها بصورة طبيعية، بينما لا تشير ولو تلميحا الى مصير المستوطنات المقامة في قلب المناطق الفلسطينية وحتى في قلب مدينة القدس. وفي موضوع الدولة الفلسطينية وحدودها المؤقتة، ثم في موضوع حدودها النهائية في وقت لاحق بعد المفاوضات المفترضة، ألا يعني تكريس المستوطنات القائمة كأمر واقع لا نقاش فيه أن حدود الدولة العتيدة ستكون حدود تلك المستوطنات التي بنيت لتفصل المدن والبلدات والقرى الفلسطينية بعضها عن البعض الآخر، ولتجعل من الدولة في النهاية مجرد كانتونات أو معازل يعيش كل منها، اذا قيض له أن يعيش، بمعزل عن الآخر، وبالتالي أن يكون عيشه وقفا فقط على ما يمكن أن تقدمه له اسرائيل من أسباب الحياة ؟!. وهكذا لا يبدو هناك مضمونا عمليا لـ «خريطة الطريق» الا مضمون افتراض طريق ما، ثم افتراض وضع خريطة لها، من دون أن يكون لأي منهما سوى هدف توفير فرصة لبوش ينفذ فيها مخططه لاحتلال العراق والسيطرة على ثرواته النفطية، وفرصة أخرى لشارون لاستكمال مخططه في انهاء أمل الشعب الفلسطيني في أن تكون له في يوم ما دولة مستقلة فعلا وتكون قابلة للحياة. وجولة بيرنز، بهذا المعنى، هي الوجه الآخر لجولة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في المنطقة قبل شهور. لم يتحدث تشيني يومها الا عن العراق ورفض ان ينبس حتى بكلمة واحدة عن القضية العربية، لكن بيرنز لا يتكلم الآن الا عن الصراع العربي ـ الاسرائيلي ويحاول في المقابل تحييد موضوع العراق بصورة كاملة. لكن الجولتين وجهان لعملة واحدة: احتلال العراق، ومن خلاله تغيير النظام الأقليمي العربي على امتداد المنطقة التي يطلق عليها اسم منطقة الشرق الأوسط. ـ كاتب لبناني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات