استراحة البيان ـ فنٌ وشعرٌ وشكوى ـ يكتبها اليوم: سالم الزمر

الاربعاء 17 شعبان 1423 هـ الموافق 23 أكتوبر 2002 مــــن من هو الفنان الحقيقي؟ أو بمعنى آخر لماذا انحصرت كلمة الفنان عندنا في الممثل وحده؟ بل الأدهى من ذلك أنها تُطلق أكثر من ذلك على كل راقصةٍ تبيع ما لا حقّ لها في بيعه على تلك المسارح اللاهية، فهل تلك هي الحقيقة؟ الجواب أن ليس هي الحقيقة أبداً، فالفنان هو ذلك الرجل الذي يعيش عمره محترقاً في هموم سواه، تذوب روحه حتى يُخرجَ للناس كلماتٍ أو لوحاتٍ تراها الأرواحُ قبل الأعين، ومن الذي يعرف ذلك الفنان الحقيقي ويميّزُهُ، إنه لا شك ذلك المتذوّق الذي ترشفت روحه كؤوس الجمالِ من حوله، من الطبيعةِ وما حَوَت، ومن الأرواح الشاعرة كلما اكتوت فأنتجت تلك المعاني الجميلة من الفن الأصيل بِغَض النظر عن أشكالها وأنماطها. أبيات نبطيّة روح ارتشف من كل كاسٍ شفاتِه واجعل من عيون المِودّين غدرانْ ترى الغدير العذب ما في حلاتِه إلاّ العيون اللّي بها الود نعسانْ واهمس على داعي السّهَر في عباتِه أنا المُولّع فيك والليل وسنانْ وانظم نجوم الليل عِقدٍ وهاتِه للشادِن اللّي جيدِه الغَض عريانْ وانزع شعور الياس واقطع نباتِه وازرع زهو الياس في كل بستان حتى تْعَرْف أن الرجل في حياتِه ما هُوه بالهَين نَسَمّيه فنانْ كيف كيف يمكن لإنسان أن لا يفتح باب الشكوى على غير خالقِهِ فيحفظُ بذلك ماء وجههِ العزيز الذي لا يعرف جروحه ودواء جروحه غير خالقه، بل كيف لإنسان أن يصبر على مُر الشكوى بل على مرّ الصبر عن الشكوى لغير خالقه كيف له أن يعيش قويّاً شامخاً شاخصاً للسماء لا يضعُ جبهتهُ أو جبهةَ روحه إلاّ لباريها؟ كيف له أن يبقى حُرّاً بالرغم من قيودِه، حُرّاً بالرغم من فقرهِ، حُرّاً بالرغم من حاجته وضعفِهِ، بل حُرّاً رغم غناه، فلا يطغيه غناه فلا يصبحُ عبداً لنزواته، حُرّاً بالرغم من قوتِهِ فلا تجعله قوته جباراً عاتياً، كيف يكون حُرّاً مع حريته فلا تدفعه حريته إلى التعدي على حرية سواه، كيف للإنسان أن يكون حُرّاً في حالاته كلها فإن كان له ذلك كان هو العبد الحُرّ الذي عرف المعنى الحقيقي لعبوديتهِ لخالقه. أبيات نبطية عرفت أنا الشكوى إلى الله لا الناس حِر شِكا للناس عبد المذلّه من رام ما يحني لغير الله الراس يفعل ولو جاه الردى في مَحله حَسَاس يا جرح الكرامات حَسّاس جرح الكرامه للرجل بالف عِلّه كاس الكرامه والكرامه لها كاس لا عاد مكسورٍ شكا الصدر غِله ماذا في هذه الأيام التي بات فيها الشعر قليلاً على كثرته نادراً لأنك لا تجد منه الجيّد ذلك الذي لا تجود به إلاّ كل نفسٍ صادقةٍ، ولكن أين الصدق في هذه الأيام التي بات الزيفُ سمتها، فكل شيء بات مُزَوّقاً عليه علامات الاختلاق وتجميل القبيح الذي ليس أقبح منه إلاّ تزييفه حتى اغتَر به البسطاءُ والسذج وما أكثرهم في هذا الزمان، فهل بقي لنا من الشعر ما لا زيف فيه؟ نعم بقي الكثير ولكن أين هم الذين على استعداد لسماع الحقيقة مجرّدة بلا زيف. قال أبوالطيب: مما أضرّ بأهلِ العشق أنّهُمُ هَوَوا وما عرفوا الدنيا وما فَطِنوا تفنى قلوبُهُم شوقاً وأعينهم في إثْرِ كُل قبيحِ وجهُهُ حَسَنُ ما هو ما هو الحَد الفاصِلُ يا تُرى بين الشعر في أعلى مراتبه وبين الكلام المنظوم الموزون المقفى الذي هو أدنى مراتب الشعر والذي ليس له من الشعر إلا شكله؟ تلك هي القضية التي طالما كتب فيها أهل النقد للفن الشعري، والمهتمون به. فإن أبسط أنواع الحُكم على الكلام بأنه شعر أن تحكم عليه لأنه يرتدي حُلّة الشعر الخارجية ألا وهي الوزن والقافية، فإن ذلك أمر لا يحتاجُ إلى كثيرٍ من المعرفة بحقيقة الشعر ومعناه، بل هو حكم قد يصِلُ إليه طفل صغير اعتادت أُذُناه سماع أناشيد أمه، وهي تُهَدهِدُهُ أو ما اعتادَه من أناشيد المدرسة. أما الحكم على الكلام بأنه شعر حقيقي فذلك أمر لا يعلمُهُ إلاّ أهل الذوق الرفيع الذين طالما ذهبوا وراءَ قوافِل الشعر وطاردوا حسان القصائد وغاصوا في بحور الشعر على الأغلى والأغلى من لآلئِه، وذلك أمر شرحه يطول مختصَرُهُ أن نقول إن مما يدل على أن هذا الشعر المنظوم شعر حقيقي هو أن يدهشك هذا الكلام لا لفكرتِهِ السياسية أو الاجتماعية أو غير ذلك، بل لتصويره الذي لم تصادفهُ قبل ذلك، أو أن يُحْدِثَ فيك هزة شعورية لم تحسّ بها من قبل، أو أن تجد له حلاوةَ هي ألذّ عندك من ملذّات الحياة، فإن حدث لك ذلك فذاك هو الشعر الحقيقي. الشعر إحساسي الطاغي على عُمْرٍ قد مَر ما ذقتُ في أيامه لينا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات