نحو تفكير سياسي جديد في الساحة الفلسطينية ـ بقلم: ماجد كيالي

الاربعاء 17 شعبان 1423 هـ الموافق 23 أكتوبر 2002 رغم حيوية قضيتهم وأبعادها ومداخلاتها القومية والدولية ورغم كثرة فصائلهم وقياداتهم ومنشوراتهم، فإن الفلسطينيين لم يشتغلوا بالقدر المناسب على تطوير فكرهم السياسي، وذلك بسبب تخلّف الثقافة السياسية في المجتمعات العربية وغياب تقاليد الحوار وتقبّل الرأي الآخر، وبسبب ضعف المنابر والإطارات التي تمكّن من تبادل الآراء وتفاعل الأفكار. والساحة الفلسطينية، مثل الساحة العربية، تتعامل بالخطابات التحريضية والعاطفية، على طريقة الوصفات الطبية والمواعظ الأخلاقية والفتاوى الأيديولوجية، أكثر بكثير من تعاملها مع موازين القوى والتفاعلات والمتغيرات السياسية، الدولية والإقليمية، ما يفسّر ضعف الحراك السياسي، في هذه الساحة، وجمود أطرها وأفكارها ووسائل عملها عند النقطة التي انطلقت منها في الستينيات، برغم كل ما مرت به من منعطفات وتطورات وإنجازات وانكسارات! ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب منها: أولا، غياب مثل هذا الحقل المعرفي المهم، وثانيا، ضعف تقاليد الحوار والتفكير النقدي، ثالثا، سيادة التفكير الذي لا يشجّع على الاجتهاد والذي يميل إلى التصنيفات المسبقة والثنائيات المطلقة مثل: وطني أو خائن، مناضل أو مفرّط، رابعا، الحذر من مغبّة تقديم أفكار غير تقليدية بسبب عدم نضج المجتمع الفلسطيني لذلك، كونه لا يملك ترف مناقشة المستقبل في حاضر بائس محيط به، ولأن مثل هذه الأفكار ربما تبدو تفريطاً بالحق والوطن، خامسا، غياب التواصل والتفاعل والمشاركة بين الشعب والطبقة السياسية(سلطة ومعارضة)، ما يحول دون تنمية ثقافة سياسية مجتمعية. الحل.. الأبعد كان ثمة ضرورة لهذا المدخل للتعامل مع الدعوات الرامية لصرف النظر عن حل قضية الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين وفق صيغة الدولتين لشعبين، بعد أن قوضت إسرائيل بحزبيها العمل والليكود عملية التسوية، هذه الدعوات التي ترافقت مع دعوات إعادة الاعتبار لشعار الدولة الديمقراطية العلمانية، أو الدولة ثنائية القومية. في هذا الإطار قد يبدو أن الطرح المتعلق بالدولة الديمقراطية العلمانية هو الطرح الأكثر عدالة وثباتا وأكثرها تمثّلا لمختلف جوانب الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، إضافة إلى أنه الأكثر حضارية وإنسانية، خصوصا وأنه يتضمن تحرر اليهود من الفكرة الصهيونية، بطابعها العنصري والغيبي والعدواني، ولكنه يبدو الأكثر طوباوية على ما يؤكد المؤيدون لهذا الحل، خصوصا في هذه الظروف المأساوية والتي يحارب فيها كل من الطرفين الآخر بهدي من النوازع القومية والوجودية. أما الحل المتعلق بالدولة الثنائية القومية فيمكن اعتباره بمثابة المرحلة الوسيطة بين الدولة الفلسطينية والدولة الديمقراطية العلمانية، كونه يجمع إيجابيات هذين الحلين ويجاوب على طموحات الطرفين القومية، ولكن هذا الطرح يحتاج إلى المزيد من الاشتغال عليه بترويجه كثقافة سياسية بمختلف أبعاده واعتباره مرحلة على طريق الدولة الديمقراطية. ومع ذلك، وبرغم ثقل الوضع الراهن والخطط المتدحرجة (الإسرائيلية والاميركية) فإن فكرة دولتين لشعبين،و برغم الاجحافات الكامنة فيها، تظل الطرح الأقرب منالا، في هذه المرحلة، لاستجابتها لمتطلبات وتوازنات هذه المرحلة من الصراع مع إسرائيل، برغم الممانعة الإسرائيلية الظاهرة، لاسيما أن هذا الحل بات يكتسب شرعية دولية وعربية وحتى إسرائيلية. وبالطبع فإن هذا الحل ليس نهاية المطاف بالنسبة لمختلف جوانب الصراع العربي - الإسرائيلي، أما الحديث عن أن هذه الدولة ليست هي الدولة الحلم فهذه هي الحقيقة التي يجب إدراكها للانتقال من الدولة المتخيلة إلى الدولة الواقعية، الناتجة عن موازين القوى والأوضاع العربية والدولية الراهنة ومستوى التطور الثقافي والسياسي لدى الشعب الفلسطيني. ويمكن أن نستنتج هنا بأنه لا توجد أطروحة بين الاطروحات المتداولة (دولة ديمقراطية أو كونفدرالية أو دولة ثنائية أو دولتين لشعبين) لا تتضمن حلا مجحفا بحق الفلسطينيين، لاسيما وأنها كلها تنطلق من وجود إسرائيل ووجود جماعة قومية إسرائيلية، لذا تبدو المفاضلة بين هذه الأطروحات نسبية، كما أن المسألة لا تتعلق بقرار ينهي الصراع إذ أن حل المسائل التاريخية لا يكون على هذا النحو كما أن هذا الصراع يمكن أن يأخذ أشكالا متغيرة، ليست بالضرورة عنفيّة أو استئصالية. على ذلك فإنه من المبكر وضع هذه الأطروحات في تضاد مع بعضها، لاسيما أنه ثمة شبه إجماع بين الفلسطينيين مفاده أن مجمل هذه الأطروحات غير قابلة للتطبيق و«طوباويات» لأنه من دون انقلاب في وعي الإسرائيليين ومن دون تغير ملموس، لصالح العرب، في موازين القوى، ومن دون تغير وضع العرب أنفسهم فإن الباب سيبقى مسدودا أمام كل الحلول طوباوية كانت أو أقل طوباوية. وللإنصاف فإن مشكلة الساحة الفلسطينية لا تكمن في طبيعة الشعارات والتصورات السياسية السائدة (صحتها من عدم ذلك) ولا في النزعة الإرادوية التي تعبر عن الرغبات والأمنيات البعيدة عن معطيات الواقع، وإنما تكمن أساسا في إمكانياتها المحدودة وفي تعقيدات قضيتها فلسطينيا وعربيا ودوليا وفي طبيعة العدو الذي تواجهه. نهج مختلف من الواضح، الآن، أن حل الدولة الفلسطينية سيكون على حساب اللاجئين وأنه يبقي فلسطينيي 48 خارج المعادلة، أما التمسك بحق العودة للاجئين فهو، في المعطيات الراهنة، يعني إبقاء فلسطينيي الأراضي المحتلة، الذين يصنعون الانتفاضة ويقدمون التضحيات الباهظة، تحت أسر الاحتلال. والمشكلة أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه يزيد من بؤس الفلسطينيين، في كافة أماكن تواجدهم، ويقوض منجزاتهم الوطنية، ويشكل نصرا خالصا للإرادة الإسرائيلية. بناء على ماتقدم فإن تفحص تعقيدات الوضع الفلسطيني يفترض إيجاد معادلات سياسية جديدة، ومبتكرة، لشق مختلف الطرق نحو الهدف المتمثل بتقويض المشروع الصهيوني، بتعبيراته الأيديولوجية العنصرية وبمظاهره العدوانية، وصولا لايجاد حل للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية اللتين أوجدهما المشروع الصهيوني في المنطقة، ربما، بداية بتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته، مرورا بنشوء دولة ثنائية القومية وصولا لقيام دولة ديمقراطية علمانية، تتجاوب مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في المنطقة العربية. وهذا يتطلب وعي التحولات التي دخلت على المفهوم السائد لعملية التحرير، فطوال نصف قرن سادت فكرة متخيّلة عن عملية تحرير قوامها العودة إلى لحظة العام 1948 وهزيمة المشروع الصهيوني بالوسائل العسكرية، لذا فمن غير المعقول أن يبقى هذا المفهوم جامدا برغم كل المتغيرات والتحولات. والمقصود أن فكرة التحرير باتت تفترض تحرير العرب واليهود في آن معا من الصهيونية، وابتكار حل حضاري وانساني لكل مظاهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي، على أسس ديمقراطية وليبرالية، وربما قومية أيضا. ولعل الانتقال من استراتيجية الصراع المباشر مع إسرائيل على وجودها إلى استراتيجية استيعاب هذا الوجود لإدخال تحولات فيه، يشكل ربما إحدى رهانات عملية التسوية التي تحمل في داخلها، مثلها مثل أي ظاهرة، نقيضها. ولا شك في أن التفكير السياسي العربي، بناء على ما تقدم، معني أيضا، بتطوير نظريته في الصراع والتي كانت تقتصر، فقط، على الجانب العسكري، الذي استنزف القدرات والإمكانيات العربية أساسا، وأفاد إسرائيل، وذلك بالتأكيد على استراتيجيات البناء والتطوير السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي، وفي هذه الاستراتيجيات يكمن أساسا نجاح استراتيجية الاستيعاب والتذويب للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية وفسح المجال لليهود للتحرر من أسر الصهيونية وادعاءاتها. أخيرا، حان الوقت للفكر السياسي الفلسطيني (والعربي) أن يراجع مناهجه وأولوياته وأدواته، بالانتقال من حقل التفكير بالمطلقات إلى التفكير بصنع الوقائع والانطلاق من عملية التغيير باعتبارها ليست مجرد عملية انقلابية تتم دفعة واحدة أو بالضربة القاضية وإنما باعتبارها عملية تراكمية تدريجية مركبة في عالم تتحكم فيه النسبيات وموازين القوى. وفي الواقع فإن الساحة الفلسطينية التي تشتغل في واقع معقد ومركب تحتاج بدورها إلى عقليات من ذات الطراز تتعامل مع هذا الواقع وتضع الأجوبة المناسبة له، بعيدا عن التبسيط. وفي هذا المجال يبرز دور القياديين السياسيين والمثقفين في تربية شعبهم بالثقافة السياسية المناسبة والمنتجة، لقيادته إلى هدفه بأصوب وأقرب طريق ممكن، وبأقل تكلفة ممكنة، أما تنمية النزعات الشعبوية ومخاطبة الغرائز والعواطف فهي ليست عملا قياديا ولاتمت بصلة، أصلا، لا للسياسة لا للثقافة. ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات