استراحة البيان ـ نوافذ الخيلان ـ يكتبها اليوم: جمال الغيطاني

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 بعد سنوات انتهى بنا المقام في شقة صغيرة بالدرب من غرفتين، الأولى ذات نافذة، والثانية تؤدي الى شرفة، بعد رؤيتي خروج «علية» ملفوفة في ملاءات قديمة فوق نقالة، رجال الشرطة حملوها الى المشرحة. ما تردد في اليوم الأول أن الكهرباء صعقتها عندما سقط سلك عار على قوائم السرير الحديدي الذي كانت تتمدد فوقه، لكن ما سرى بين النساء والرجال إن زوج أمها قتلها. «علية» أول من لعبت معها خارج البيت، في العطفة، كنت في الثالثة عشرة. كانت علية تكبرني بعام او اثنين، وربما أكثر، انتابني فضول لرؤية المنزل الذي اقامت فيه، كنت أعرف أن الشقة مغلقة، لم يقدم أحد على سكناها بعد معرفة الناس بموتها مصعوقة، مقتولة، لابد أن عفريتها يظهر ليلا وقد يلحق الأذى بمن يتعرض له، اخترت وقتا على حدود النهار والليل، مشيت متمهلا. دخلت العطفة، وعندما اقتربت من نهايتها، حيث يقوم جدار يمنع المرور الى شارع قصر الشوق، جدار يحد فناء يستخدم كموقف لعربات اليد، وعربات الكارو، ودوابها التي تجرها من حمير وبغال، وعندما حاذيت البيت، تطلعت الى النافذتين المغلقتين، هذان المنزلان المتجاوران لا شرفات لهما، نوافذ خشبية (شيش)، يليها أخرى زجاجية، وفوق المصراعين مستطيل بعرضهما يسمى (شراعة)، وهذا له مصراعان صغيران ومصراعان بمفردهما. باب البيت مستطيل، له هيئة آدمية، كأنه رجل يستند الى الجدار، متجهم لسبب غامض، تبدل ايقاع خطواتي، المسافة قصيرة، الباب الذي تجاوزته طفلا بصحبتها بدا أصغر، أضيق، لون الشيش الأخضر أكلح، عند نهاية الجدار يجب ان استدير، اثناء عودتي تمهلت امام النافذة الاولى، ايقنت ان بصرا يرقبني من خلف فرجات الشيش، انني في دائرة نظر قوي، ثقيل التطلع، بدأت قشعريرة تسري من قمة عنقي الى ظهري، ثم يجتاح جسدي كله، هنا كان أمامي أحد أمرين، أما أن أقف واستسلم للجذبة السارية من وراء النافذة، لا أدري إلام أصير؟ ربما تنخسف بي الأرض، أو أهيم لأتبعها حيث توجد، أو يتبدل حضوري، وإما أن أقاوم، أن أركز الطاقة، وأخلع ذاتي ناطقا اسم الله بصوت مرتفع. فارقت العطفة جريا، لاهث الانفاس، غير عابئ بمن ينظر الى، لم أعد اليها قط حتى الآن، غير أن أمرا علق بي، يقين بدأ عندي ان ثمة بصرا يرقبني من موضع ما، مكان يستعصي، بل يستحيل تحديده، من فوق، من تحت، من يمين أو شمال، أحيانا أنسى، فجأة أتذكر فيتبدل خطوي ويتغير ايقاعي، لم يفارقني ذلك في شتى مراحلي. لازمني أينما حللت في المدن القصية، الدانية، لحظة مرورى بجثمان والد حسن أفندي ملفوفا، تمديده في الصندوق، لحظة رؤيتي أم نبيل، لحظة مروري بالعطفة امام نافذة الغرفة التي قيل ان علية ماتت بها. لحظة من بواعث توجسي اذا استعدتها، ومثار لكوابيسي اذا ولجت أحلامي، لكنها ليست بمفردها، ثمة لحظات اخرى تنتظم كعلامات أو بؤر للفزعات، وكلها تتصل بنوافذ مررت بها أو تطلعت عبرها. في الدرب عفاريت وجان وغيلان، هذه المخلوقات التي لم أرها تمثل عندي أوضح من رجال ونساء عرفتهم واستحضرتهم بقوة المخيلة من أوصاف سمعتها أو أوجدتها من حيث اللا موجود. «الخيلان» أقرب الى الوحوش، أجساد مكسوة بشعر كثيف، ومشافر حمراء، أنياب بارزة، الإناث منهن أخطر، اختطاف الأطفال، يمصمصن العظام بعد التهام الأجساد الصغيرة. فعرفهن بيننا بالمفرد (أمنا الغولة). مكانان أثق أن بكل منهما غولة مقيمة، قصر المسافرخانة، الثاني بيت من أربعة طوابق مجاور لأرض خربة. الاول يقع داخل الدرب، يضفى عليه خصوصية، تخلو الحواري والدروب الأخرى من قصور مماثلة، انه المبنى الأضخم، يمتد بطول الفرع الأيسر للدرب، يمكن رؤية سطحه من غرفتنا عبر نافذتي الأولى، خاصة ملقف الهواء المفتوح باتجاه بحري بشكله المتميز، تكوينه المثلث، جدران مرتفعة صماء، لا يبدو أي تفاصيل. لا يوحي لا يوميء فقط قرب نهاية الجدار مشربية عريضة، بارزة لا يمكن رؤية الواقف خلفها. فيما بعد، بعد مرور سنوات عرفت أن «المسافر خانة» قصر قديم، بناه شهبندر تجار القاهرة محمود محرم، ومثل كل المباني الكبرى. تؤول الى من لم يبذل في تأسيسها جهدا خلال أزمنة تالية، بل ينسى المالك الأول احيانا ويعرف البيت بآخر المقيمين به، في الدرب الأصفر بيت من العصر العثماني أيضا، بناه الطبلاوي، كان شيخا في الازهر، لكنه عرف بمن اختتم السكنى به، السحيمي، بعده تحول الى مزار اثري، المسافرخانة اسم لم يطلقه على المبنى صاحبه، عرف بذلك منذ عصر محمد علي الذي استولى عليه واستخدمه مقرا لضيوف الدولة الكبار، من هنا الاسم، أي.. مكان المسافرين، في احدى حجراته ولد الخديوي اسماعيل في ظروف لم أهتم بتدقيقها، عاينت تلك الغرفة التي أقام بها فنان تشكيلي معروف، اذ تم ترميم البناء عام تسعة وستين، وخصص لاقامة فنانين من ذوي الحيثية، وقد عرفته منذ ذلك الحين، ألفته وأمضيت فيه أوقاتا طوالا، تدثرت بظلاله وطيب أركانه وعلق عندي منه كثير، بعد دماره في حريق غامض (ثبته في تدوين ربما ضمنته دفتراً آخر). في المسافرخانة، وسائر عمارة فترته، كانت النوافذ تدير ظهرها للشوارع، تطل على الداخل، حديقة البيت وفنائه المتصلة بالسماء، فكأنها الروح من الجسد، لولوج البيت بابين على زاوية قائمة، الاول يواجه الخارج والثاني يليه الى الداخل بحيث لا يمكن رؤية أهل البيت، النوافذ لم تكن سافرة، انما محجوبة بشبكات من الخشب المخروط في تشكيلات تندثر الآن، ترشح الضوء وتفتت مساراته، تسمح للمقيم أن يرى العابر بدون ان يشعر، في القرن التاسع عشر استدارت النوافذ، تم ذلك على مراحل متقاربة، عندما شيدت المباني التي تقيم في كل منها أكثر من أسرة. بيت الحاج حامد، شقيق أحمد، والد سعاد، وتفصيل أمرها بحت به في دفتر التدوين الثالث. المعنون (رشحات الحمراء) نوافذه وسط بين المشربية بواجهتها العريضة، والخشب الخرط الذي يحجب الواقف خلفها، وبروزها قليلا، لكنها تطل على الدرب في المباني متعددة الطوابق التي بدأ ظهورها مستهل القرن العشرين اختفى الفناء الداخلي، تحول البيت من الاطلالة على مكنون فراغة الى مواجهة الخارج، واكتمل ذلك بظهور الشرفات، مع تقارب المسافات اصبحت الحيوات متاحة للناظرين. مشربية المسافرخانة الوحيدة، المطلة على الدرب، لا تفصح عما يكمن خلفها، أحد مصادر خشيتي. تحذيرات أمي وأبي عند السماح لي باللعب في الحارة، ألا أقترب من المسافرخانة، أن أحذر أي دعوة لدخولها. تسكنها الغولة الشرسة. لا تكتفي بذبح الصغار وأكلهم انما تمصمص عظامهم، بمجرد تجاوز فرن الحاج ناصيف، عند وصولي الى مفرق الدرب، خرابة، أي اطلال بيت سمعت فيما بعد أن الممثل المشهور عبدالوارث الدسوقي ولد وأقام به. لحظة خطوى هنا يبدأ حذري. اختلس النظر الى المسافرخانة، عند المرور بالأماكن المخيفة تختلف ردود الافعال من اغماض عينين الى اختلاس نظر مع اسراع خطا. أو التحديق الجرئ، غير انني كنت الى الحال الثاني أقرب في الدرب، خاصة انني أعبر الطريق مكشوفا لكل متوار متدار خفي، لكنني أتمثل الثالث عند تطلعي عبر نافذة مع يقيني انني محتجب، عسر رؤيتي. إذا كان مصدر فزعي تحذيرات الوالدين وما يرويه الناس عن القصر المهجور، فإنني لا أستطيع تحديد سبب لخوفي عند التطلع الى ذلك البيت المواجه لمدرسة عبدالرحمن كتخدا الابتدائية، أول مكان أتلقى فيه العلم، واتعرف بين جدرانه على أشكال الحروف، يطل المبنى بنوافذه المستطيلة على شارع قصر الشوق، في مواجهة خرابة، يليها مباشرة مبنى من أربعة طوابق، يعلوه برج خشبي للحمام، من أين جاء يقيني أن الطابق الأخير تسكنه غولة شرسة. لم يحذرني أحد، ولم أستمع الى تفاصيل تشي بذلك أو توحي به، فمن أين جاء هذا التأكيد؟ حتى الآن لا أدري، لكنني اذا ما خرجت من المدرسة فإنني اختلس النظر الى النافذة العلوية، أسرع الخطا، اذا وقفت امام دكان عبدالعاطي بائع الكشري، رائحة التقلية، غامقة اللون، آخر ما يضعه فوق الأرز والمكرونة، والعدس والمرق. البيت قائم الى الآن، بعد نصف قرن مازلت أتطلع اليه، لا أدري من يقيم ومن استقر زمنا ثم رحل، النافذة مغلقة دائما، هل رأيت امرأة منكوشة الشعر تتطلع الى الطريق؟ ربما، لا أقدر على التحديد، أو استعادتها كما أرى أم نبيل بوجهها المستدير، المنبت عن جسدها، المؤطر بالنافذة. من النوافذ التي كنت أمر تحتها مسرعا نافذة الشيخ على الجرجاوي، كان نحيلا، قوامه منحنى، يرتدي عباءة بنية اللون صيفا أو شتاء، يخطو وكأنه على وشك السقوط، تحت أبطه حقيبة جلدية عتيقة، لابد انها تضم أوراق القضايا التي تعامل معها، مرتين أو ثلاث توقف للحديث مع أبي، ما يربطهما انهما ينتميان الى مديرية واحدة، الى جرجا، يتحدث اللهجة الصعيدية مثل أبي. أعزب يعيش وحيدا في شقة من اربع غرف وصالتين لا يزور ولا يزار. فجأة اشتعل حريق اثناء استحمامه، انفجر موقد الكيروسين، النار التهمته تماما، يحكي أهالي الحارة عن صفائح وجدوها معبأة بعملة واحدة فقط، نصف فرنك، هكذا كانت تسمى، قطعة من الفضة الخالصة، مسدسة الشكل، أدركتها وتعاملت بها، كان على أحد وجهيها صورة الملك فاروق عند توليه، وعلى الآخر كتابة، المملكة المصرية، قرشان صاغ، هذه العملة اختفت بعد ثورة يوليو، عندما اصبح قيمة ما تحتويه من معدن الفضة يتجاوز القرشين صاغ، ثم رأيتها في محلات خان الخليلي، تباع كعملة تذكارية. بعد أن تضاعفت قيمة المعدن. لماذا لم يجمع الشيخ علي إلا هذه العملة؟ هذا ما لن أعرف جوابه أبدا، وصف القوم الترتيب والنظام الذي عثروا به على العملات المرصوصة في الصفائح التي كانت مخصصة لتعبئة السمن البلدي، أكثر من أربعين صفيحة، جاء البوليس، تحررت محاضر، وتم جرد، ولأنه مقطوع من شجرة، ولا أقارب معروفين له، جاء موظفان من مصلحة الأموال العامة لتحريز ما تبقى، في هذه المصلحة قسم يتولى اتخاذ اجراءات بمقتضاها ترث الحكومة من ليس لهم ورثة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات