خط مباشر ـ على حافة النهاية ـ بقلم: أحمد عمرابي

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 «يبدو ان الوضع الذي كانت فيه المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة عبارة عن جزر في بحر فلسطين، قد تغير ليصبح الوضع الفلسطيني كجزر في بحر من المستوطنات». ما الذي يستخلص من هذا التحذير الخطير الواقعي الذي انتهى إليه تحقيق صحفي نشر في صحيفة «التايمز» اللندنية؟ الاستخلاص الأوحد الذي لا ثاني له هو انه بحلول عام 2005 ـ الموعد الذي حدده المشروع الأميركي لاكتمال قيام دولة فلسطينية مستقلة «قابلة للبقاء» ـ لن تكون هناك أرض لتقوم عليها دولة سوى جزر فلسطينية ـ ميكروسكوبية متناثرة هنا وهناك وسط بحر سكاني يهودي. لكن الأعجب هو ان قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية تعلم بهذه الحقيقة وتدرك مغزاها الشيطاني المحتم، دون أن تتحرك إلا في اتجاه التحرش بفصائل المقاومة وشجب العمليات الاستشهادية. والدليل على ان القيادة الفلسطينية تعي الحقيقة الخطيرة بمدلولها الشيطاني هو انها بعثت بمذكرة بهذا المعنى إلى الادارة الأميركية.. ورد فيها ان «الأمل في قيام دولة فلسطينية تتوافر لها أسباب البقاء قد بدأ يتلاشى في ظل التوسع الاسرائيلي الاستيطاني». لكن ثمة ريبة تحيط بهذه المذكرة، فالمذكرة لم تنشر على الشعب الفلسطيني رغم ان بعض الصحف الغربية نشرت ملخصاً لها. ثم ان المذكرة صيغت بلغة انهزامية بحيث تبدو كمناشدة في موقع ضعف لا كاحتجاج يعكس تذمراً وحزماً. عدا ذلك فإن المذكرة يجب ان تعتبر وثيقة مهمة من حيث عرضها التفصيلي لحقائق الوضع مشفوعاً بخرائط ذات قيمة، مما يجعل من مطالعتها بعين فلسطينية أو عربية كابوساً مرعباً. توصيف الوضع الاستيطاني يشكل البنية الأساسية للمذكرة. وفي هذا الصدد تسرد المذكرة الممارسات الاسرائيلية لتوسيع المستوطنات اليهودية خاصة داخل القدس الشرقية وما حولها، علماً بأن القدس الشرقية هي المكان المفترض لعاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية. ومع التوسع في بناء المستوطنات تتوسع اسرائيل ايضاً في انشاء طرق برية وشوارع داخل أراضي الضفة وربط هذه الطرق والشوارع ببعضها البعض، مع بناء جدار أمني اسمنتي تضم بموجبه قرى فلسطينية إلى الأرض الاسرائيلية. وديموغرافياً، كانت النتيجة ان عدد المستوطنين اليهود تضاعف منذ توقيع اتفاق أوسلو. وإذا كان هذا الوضع على حاله الراهنة سيئاً بما يكفي، فإن النشاط الاسرائيلي في مصادرة المزيد تلو المزيد من الأرض الفلسطينية من أجل توسيع المستوطنات بطرقها وشوارعها لم يتوقف، وليس هناك في الأفق ما يدل على انه سوف يتوقف، بل العكس هو الصحيح. ما هو المستقبل إذن؟ لو استمر الحال على هذا النحو فإنه بانقضاء مرحلة السنوات الثلاث المنصوص عليها في المشروع الأميركي لقيام دولة فلسطينية كاملة، سوف يكون قد توفر لاسرائيل في المساحة الزمنية المنشودة ما يمكنها من استكمال مخططها الاستيطاني بالكامل، وحينئذ كيف تقوم دولة فلسطينية؟ على أي أرض تنشأ؟ وماذا يتعين على الفلسطينيين أن يفعلوا الآن وقبل فوات الأوان؟ في هذا الصدد تقول مذكرة القيادة الفلسطينية ما يلي: «إذا استمر المجتمع الدولي في عجزه وتقاعسه عن كبح جماح البناء الاستيطاني الاسرائيلي الاستعماري وتوسعه وابراز حقائق وتغييرات على الأرض يتعذر الغاؤها وفرض الأمر الواقع من نظام التمييز العنصري.. كل هذا سوف يضطر صناع السياسة الفلسطينية إلى اعادة النظر في جدوى الاستمرار في الموافقة على حل للصراع لتقوم على أساسه دولتان». إن العبارة المفتاحية في هذا الطرح الاستخلاصي هي «اعادة النظر».. فعلى أي وجه يمكن للشعب الفلسطيني ولنا أن نفهم هذا «التهديد».. إذا جاز اعتباره تهديداً؟ إن الاجابة المنطقية عن هذا السؤال بسيطة ومباشرة، فإذا كان النهج التفاوضي التصالحي الناعم الذي اتبعته قيادة السلطة الفلسطينية واتخذت منه سياسة ثابتة هو الذي أوصل وضع قضية الشعب الفلسطيني إلى حتمية فقدان أرضه نهائياً كأرض محررة تقام عليها دولة كاملة السيادة، فإن ما يتعين على القيادة الفلسطينية فعله اليوم، وليس الغد، هو ببساطة الاقلاع عن هذا النهج نهائياً. أما النهج البديل فهو غير قابل للمجادلة لأنه ـ ببساطة ـ لم يعد أمام الفلسطينيين سوى خيار أوحد: مواصلة المقاومة المسلحة وتصعيدها نوعياً. وهنا يتعين على القيادة الفلسطينية مصارحة نفسها حتى من قبل مصارحة شعبها: هل هي على استعداد للانضمام إلى خيار الكفاح المسلح؟ وإذا كانت الإجابة بالسلب.. فهل هي على استعداد لاتخاذ قرار تاريخي شجاع بتسليم القيادة إلى غيرها؟ وأياً تكن الاجابة فإنها في كل الأحوال يجب أن تصدر سريعاً، فأرييل شارون، ومن ورائه جورج بوش، يسابقان الزمن صوب تهديد الأرض الفلسطينية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات