نوبل للآداب .. من تشويه الإسلام إلى تمجيد الهولوكوست ـ بقلم: د. محمد قيراط

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 كل عام وفي شهر اكتوبر بالذات يثير الاعلان عن جائزة نوبل للآداب استغراب ودهشة واستياء ردود أفعال قوية ضد النزاهة والعدالة في اختيار صاحب الحظ والشأن. فالجوائز العالمية التي من المفروض أن تكون بعيدة كل البعد عن السياسة والايديولوجية والكواليس واللوبيهات وأن تمنح هذه الجوائز كما اراد أصحابها وفق معايير واعتبارات علمية وموضوعية وادبية وفنية وابداعية لا غير، اصبحت مع الاسف الشديد تخضع لاعتبارات بعيدة عن العلم والاخلاق والمباديء الانسانية الراقية. جائزة نوبل في بداياتها الاولى كانت تمنح للادباء والكتاب اصحاب الاعمال الفنية والادبية والابداعات العالمية التي تخدم البعد الانساني الكوني والتي تشجع الانتاج الفني، وتلك الاعمال والروائع الابداعية التي تخدم الانسانية وتحارب الاستغلال والعبودية والاستعمار والتهميش والتضليل وتحارب الحقد والكراهية والتمييز العنصري وتعمل على تقريب الشعوب وثقافاتها وحضاراتها. وكان من المفروض ان تكون جائزة ألفرد نوبل للآداب جائزة تحكمها مقاييس علمية موضوعية بعيدة عن السياسة وعن الدين والعرق واللون والجنسية وإلى غير ذلك من المساومات والمزايدات التي تتنافى مع الاخلاق والآداب والقيم الانسانية النبيلة والشريفة. يثير الاعلان عن الفائز بجائزة نوبل للآداب تقريباً في كل سنة استياء الاوساط الادبية والفكرية والعلمية، بسبب الاختيار غير النزيه وغير العادل للفائز، وفي غالب الاحيان يكون الاختيار قائماً على مقاييس واسس بعيدة كل البعد عن الموضوعية والاستحقاق العلمي والادبي والفكري والابداعي، بل مقاييس تمتزج بالسياسة والانحياز الاعمى لثقافة الاقوى والاغنى، الثقافة الفاعلة والمسيطرة في العالم. جائزة نوبل للآداب اصبحت تحكمها معايير سياسية ظرفية. ففي السنة الماضية مثلاً، ونظراً للظروف التي مر ومازال يمر بها العالم ونظراً للحملة الجهنمية التي وجهت لضرب الاسلام والمسلمين والعرب وتشويه كل ما له علاقة بالحضارة الاسلامية والعربية، كأن كل هذه العوامل صبت في اتجاه الفائز بالجائزة وهو الكاتب البارع في تشويه الاسلام، والكاتب الذي كتب عن الاسلام كما تريده الاوساط الغربية المتطرفة والمتصهينة. نايبول يكتب عن الاسلام وهو لا يعرف شيئاً عن المساهمات العلمية للدين الاسلامي في الحضارات والثقافات الاخرى، ولا يعرف شيئاً عن الدور الحضاري للاسلام في المجتمع الغربي الذي كان غارقا في الجهل والاستعباد والظلم وقانون الغاب. الفائز السعيد العام الماضي كان سورا نايبول الكاتب البريطاني من اصل ترينيدادي. نايبول معروف في الاوساط الادبية حيث نال العديد من الجوائز عن اعماله الابداعية ويعتبر واحدا من اكبر روائية بريطانيا ويقارن بجوزيف كونراد احد اعمدة الادب البريطاني. فمن الناحية الادبية والفكرية لا يؤخذ على الأديب أي انتقاد قد يحرمه من الجائزة التي رشح إليها مرات عديدة، لكن ما يؤخذ على صاحب جائزة نوبل للآداب لعام 2001 هو استنكاره لأصله واحتقاره لشعبه وللدين الاسلامي. والغريب في الامر ان سورا نايبول يفهم الاسلام ويقرأه من عند الذين يجهلونه، ويكتب عن الاسلام من خلال الشارع وليس من خلال القراءة والبحث والدراسة الموضوعية والمنهجية والعلمية. فالكاتب يكشف عن جهل كبير في كتاباته عن الاسلام وخاصة الحضارة الاسلامية وما خلفه الاسلام من قيم ومباديء في الشعوب والبلاد التي انتشر فيها. فحسب نايبول ومن خلال كتاب «بين المؤمنين: رحلة اسلامية» وكتاب «ما بعد الإيمان» فإن الاسلام جرد دولا مثل اندونيسيا وايران وباكستان وماليزيا من تاريخها القديم ومن حضارتها ومن ثقافتها وانسانيتها وخصوصيتها، ويرى نايبول «ان الاسلام قد استعبد الثقافات الاخرى، بل حاول ازالتها من الوجود» ويضيف صاحب جائزة نوبل للآداب لسنة 2001 والذي يجهل تعاليم الاسلام لكن يفتري ويكتب عنه «انه كان للاسلام اثر كارثي على الشعوب التي ارتدت عن اديانها فإذ يرتد المرء عن دينه فإن عليه أن يدمر ماضيه، ويستأصل تاريخه». فالكاتب يكتب عن الاسلام والعرب بحقد وكراهية وجهل تام للدين الحنيف. وبقراءة بسيطة ومتأنية يلاحظ القاريء ان الكاتب لا يميز بين الاستعمار والاسلام في كتاباته ولا يميز بين اعتناق الاسلام عن قناعة وطواعية والاستغلال البشع للدول الاستعمارية المختلفة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بل بالنسبة للكاتب فإن الاستعمار الغربي أفيد وأحسن بكثير من الاسلام، فنايبول أشهر علنا ازدراءه للاسلام والمسلمين وقارن الاسلام بالاستعمار، وقد نتساءل هل هذه الكتابات جاءت في الوقت المناسب لتصب في اتجاه الخطاب الاعلامي الغربي عن الاسلام والمسلمين والعرب؟ وهذا السؤال يقودنا لسوابق في التاريخ القريب ولتجارب مازالت حية في ذاكرة الكثير من الادباء والمفكرين في مختلف انحاء العالم. المثال الاول يستوقفنا عند الكاتب سلمان رشدي وكتابه «الآيات الشيطانية» الذي افترى من خلال صفحاته على الاسلام والمسلمين عن جهل وحقد وكراهية ونلاحظ هنا استغلال الآلة الاعلامية الغربية للكاتب وللكتاب، فسلمان رشدي استقبل استقبال الكبار من قبل السلطات الفرنسية، التي خصصت اكثر من 300 مليون فرنك فرنسي لحمايته وضمان أمنه. واستقبل سلمان رشدي كالزعيم وكالمفكر الروحي من قبل مختلف وسائل الاعلام الغربية من محطات التلفزيون والصحف والمجالات ومحطات الاذاعة مدافعة عنه باسم حرية التعبير، وحرية الفكر، وحرية الرأي. كل هذا في الوقت الذي كان فيه كتاب «آيات شيطانية» افتراء واعتداء سافر على الاسلام والرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين، حيث ان سلمان رشدي نفسه لا يعرف شيئاً في فقه الدين ولا في الشريعة ولا في تاريخ الاسلام والحضارة الاسلامية. كل هذا حدث والاوساط الثقافية الغربية بصفة عامة والفرنسية بصفة خاصة تهلل وتزغرد لسلمان رشدي، لا لشيء الا لأنه افترى على الاسلام وشوه السيرة النبوية بدون ادلة وبراهين وبدون حجج قاطعة وحتى بدون معرفة بالموضوع. لكن الآلة الاعلامية الغربية استطاعت ان تستغل القضية وتوظفها لضرب الدين الحنيف ولضرب المسلمين. وكتاب رشدي كتاب عادي لم يكن من روائع الادب العالمي، لكنه كان يصب في تيار يخدم توجهاً وأفكاراً وايديولوجية معينة. المحطة الثانية تستوقفنا عند الكاتبة تسليمة نسرين حيث نلاحظ ان سيناريو سلمان رشدي تكرر مع هذه الكاتبة البنغالية التي كتبت راوية «العار» تنتقد فيها الدين الحنيف ومعاملة المسلمين للمرأة وموقع المرأة في المجتمع الاسلامي، وباعتراف الكاتبة نفسها امام كاميرات التلفزيون فإنها لا تفقه الكثير عن الاسلام وحول الدين الحنيف وانها ملحدة. تسليمة نسرين كاتبة مبتدئة غير معروفة على الساحة الثقافية محليا او دوليا، لكن هذه الكاتبة المغمورة استقبلت بحفاوة كبيرة من قبل السلطات السويدية ومنحت جائزة اعلامية واعطيت كل التسهيلات للاقامة في السويد. كما تلقت الكاتبة المغمورة معاملة الابطال والعظماء من قبل السلطات الفرنسية حيث استقبلتها وسائل الاعلام استقبالا حارا وكأنها اكتشفت علاج الايدز. ونلاحظ هنا ان الاعلام الغربي جعل من هذه الكاتبة المغمورة والتي تكاد تكون مجهولة حتى داخل حدود بلدها الصغير، كاتبة واديبة عالمية قدمت خدمات جليلة للانسانية والبشرية في ربوع المعمورة. والسبب في كل هذا هو استعمال خطاب ايديولوجي محنط ومشوه ومضلل لكنه يخدم ثقافة محاربة الاسلام والحقد والنيل من المسلمين. القاسم المشترك بين الاحداث والقضايا السابقة هو الدين الاسلامي والمسلمين، والاساءة إلى الحضارة الاسلامية. ومن خلال هذه الامثلة نجد الآلة الاعلامية الغربية وروافدها وتوابعها تتحرك لتشويه وتحريف واقع امم وشعوب وديانة اكثر من مليار نسمة في جميع بقاع العالم. جائزة نوبل للآداب لسنة 2002 كانت من نصيب الروائي المجري ايمري كيرتيش عن روايته «بلا مصير»، فالكاتب مغمور وقصته مغمورة كذلك صاحب الحظ يكتب دون امل كبير بأن يجد من ينشر كتاباته، المهم في الامر كله ان رواية «بلا مصير» تروي قصة طفل في المعتقل، اي تحيي وتعيد إلى الذاكرة المحرقة والهولوكوست، وهذا ما يتناغم مع الآلة الدعائية والاعلامية الصهيونية ومن يمجد ما تعرض له اليهود على أيدي النازية في الحرب العالمية الثانية. نوبل إذا في قفص الاتهام ومرة أخرى تثور الاسئلة حول مصداقية الجوائز الادبية والثقافية ومدى تدخل الاعتبارات السياسية في منحها او حجبها. كتابات كيرتيش لا تتجاوز اصابع اليد وكلها تروي معاناة الكاتب في معسكرات الاعتقال النازية. كيرتيش يعيد إلى الاذهان من سبقوه للفوز بالجائزة واثاروا استياء الاوساط الادبية والنقدية العالمية امثال الايطالي بريموليفي والاميركي ايلي ويزل والاسباني خورخي سمبرون وآخرهم البريطاني الترينيدادي الاصل نايبول في السنة الماضية. هل كانت نية ألفرد نوبل أن تمنح الجائزة للذين يزيفون التاريخ ويحتقرون المحرومين والمساكين ويحقدون على الآخرين ويتنصلون من جذورهم؟ اشك في ذلك، لكن جائزة نوبل للآداب هذه الايام اصبحت تحكمها معايير ممزوجة بالسياسة الظرفية والآنية التي يمر بها العالم وبالايديولوجية الفاعلة في النظام العالمي، فحتى الأدب والفن والابداع نالت منه السياسة ومتاعبها التي لا تؤمن بشيء اسمه الموضوعية والعلم والفن والقيم والمباديء والاخلاق والانصاف والعدالة والانسانية. كم هي المجازر والهولوكوستات التي تعيشها الانسانية هذه الايام؟ ماذا عن اطفال العراق واطفال فلسطين ومئات الملايين من اللاجئين والمشردين؟ أليس من حق الذين ابدعوا وكتبوا عن مثل هذه المآسى والجرائم الانسانية او يكرموا ويفوزوا بالجوائز العالمية وتستفيد البشرية من ابداعاتهم؟ ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات