أميركا أولاً وليذهب الباقون إلى الجحيم ـ بقلم: عبدالعزيز آل محمود

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 اقرأوا معي هذه النكتة، رفع مسئول البلدية في احدى المدن الاميركية الهاتف للاتصال باكبر محامي في تلك المدينة ليطلب منه التبرع لخدمات المجتمع، ودار بينهما الحوار التالي: المسئول: سيدي المحامي (بصوت غاضب)، لدينا معلومات بان مكتبكم يحصل على ارباح سنوية قدرها نصف مليون دولار، وهذا مبلغ كبير، وعليه فاننا نطالبك بالتبرع لصالح خدمات المجتمع. المحامي: إن من اعطاك هذه المعلومة لم يخبرك بان والدتي كبيرة السن المريضة تنام في المستشفى وعليها فواتير عالية جدا لابد من تسديدها، ولم يخبرك ايضا بان زوج اختي قد توفي تاركا لها ثلاثة اطفال بحاجة الى مصروفات، واعتقد ايضا انه نسي ان يخبرك بان عمتي قد احترق منزلها وهي بحاجة الى مبلغ كبير لشراء منزل اخر. المسئول: سيدي (قالها بنوع من التعاطف) انني اسف، فلم اعلم انك تصرف على كل هؤلاء. المحامي: ومن قال لك انني اصرف على كل هؤلاء ؟ ولاني لا افعل ذلك، فاني لن اقوم بالتبرع لامر سخيف تطلبه مني. اليس هذا ما يحصل الان في عالمنا مع اكبر واغنى قوة على وجه الارض ؟ فهي تقوم بتدمير الدول وتشريد اهلها ثم لاتصرف أي جهد لاصلاح اخطائها. جايمي دوران وهو معد تلفزيوني عمل لمحطة BBC واخرج العديد من الافلام الوثائقية كتب مقالا في صحيفة لوموند الفرنسية بعنوان (مقابر جماعية في افغانستان) ، وبدأ مقاله بصورة حزينة تكاد تحكي مايريد، فهو يقول: «بقايا العظام باتت بيضاء، وكأنها مدفونة هنا منذ قرون، ومع ان هذه الرفات لم يمض عليها اكثر من اشهر، وهي كل ما تبقى من بضعة آلاف من الشباب الذين اتكلوا على الحماية التي توفرها معاهدة جنيف، لكنهم قضوا في ظروف مرعبة إما اختناقا او اعداما، وعند تكبير صورة الجثث يمكن بكل سهولة تمييز آثار انياب الكلاب الشريدة التي تهيم على وجهها ليلا في الصحراء، وتنتشر على قمة هذا الكثيب الاصطناعي الذي يبلغ طوله حوالي 50 مترا من عظام الافكاك والاضلع والسيقان والجماجم المحطمة...». إنه يتحدث عن حوالي خمسة آلاف شخص من طالبان والاخرين المتحالفين معهم الذين تم اسرهم من قبل تحالف الشمال بعلم القوات الاميركية في ذلك الحين، لقد تم حشر هؤلاء في صناديق معدنية وسجنوا فيها لعدة ايام قبل ان يموتوا اختناقا وعطشا او برصاص آسريهم، وتم اخفاء الادلة بناء على طلب القوات الاميركية في افغانستان كما يقول الكاتب. مازالت الالة العسكرية الاميركية تثير الرعب في افغانستان، وارقام ضحاياها في ارتفاع مستمر، والكثير من المذابح يهال عليها التراب وتدفن في مكانها بدون علم الصحافة ووسائل الاعلام، ولكن السؤال الذي لابد من الاجابة عليه هو: ما الذي عملته الولايات المتحدة الاميركية للشعب الافغاني بعد الحرب؟ لا شيء، فما يغيظ الكثير من المحللين الغربيين ان الرجال مازالوا بلحاهم وعمائمهم والنساء يجبن الاسواق ويتنقلن بلباسهن التقليدي، فلم يلبس الفلاح الافغاني ربطة العنق والجينز، ولم تخرج الافغانية حاسرة الرأس لتدخن سيجارتها في الاماكن العامة، لان الشعب الافغاني ببساطة ليس لديه مايسد رمقه حتى يفكر في تغيير زيه، فالسيدة التي كانت تجلس على زاوية الشارع الرئيسي في كابل تمد يدها للمارة في حكم طالبان مازالت تفعل ذلك في ظل الحكم الراهن، والطفل ذو القدم الواحدة الذي كان يسأل الناس امام مسجد العاصمة، مازال يتنقل بنفس الساق الخشبية ذاتها التي استخدمها ابان حكم طالبان، اذن ما الذي قامت به الحكومة الاميركية هناك غير زيادة اعداد القتلى والمشردين ؟ إن المكسيك اقرب الدول التي تجاور الولايات المتحدة الاميركية جنوبا، لديها من المشاكل الكثير، فهي تعاني من اقتصاد شبه منهار، والجريمة بها في اعلى معدلاتها، والفساد البيروقراطي ضارب اطنابه، ولم تفعل واشنطن شيئا سوى انها صرفت الكثير من الاموال لبناء خط دفاعي لمنع المهاجرين غير الشرعيين من الهجرة الى الشمال، فمن لم يقدم شيئا لجاره اللصيق به جنوبا، من الصعوبة ان يمد يد المساعدة لشعب يبعد عنه الاف الكيلومترات شرقا. حكى لي مسئول بوسني بعد حرب الاستقلال الاخيرة بأن الولايات المتحدة الاميركية كانت تعلن انها رصدت الكثير من الاموال لاعمار مادمرته الحرب، ولكن كل تلك الاموال كانت تصرف على الشركات الاميركية، حتى ان واشنطن كانت تقرر ماهي المواد الازمة للاعمار، والشركات التي يجب ان تشحنها، وسعر الشحن، ثم قال: هل تصدق ان وفدا اميركيا زار سراييفوا لبضعة ايام كلف الميزانية البوسنية خمسين الف دولار خصمت كلها من المساعدات الاميركية التي ادعت واشنطن انها قدمتها لنا، ولم نعرف حتى الان ما الذي قام به هذا الوفد لتبلغ تكلفته خمسين الف دولار خلال ثلاثة ايام. تخطئ المعارضة العراقية حين تعتقد ان الولايات المتحدة ستقدم لها السلطة على طبق من ذهب، فمن سيأتي بعد تغيير النظام لن يكون سوى موظفا صغيرا في شركة نفط تقوم على استخراج وتصدير النفط العراقي، فالهدف الاساسي من اصرار الرئيس الاميركي على اسقاط النظام في بغداد هو الاستيلاء على ابار النفط، ثم ليذهب الباقون الى الجحيم فلا نعني نحن البشر شيئا في حسابات المخطط الاميركي. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات