بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

السبت 13 شعبان 1423 هـ الموافق 19 أكتوبر 2002 قبل ثلاثة أيام افتتح الرئيس المصري حسني مبارك مكتبة الاسكندرية بعد مرور 2000 عام على تدميرها في عهد الامبراطورية الرومانية. ويعد افتتاح هذه المكتبة العتيدة إحدى الفعاليات العلمية البارزة على مستوى العالم، لما يحمل من دلالات حضارية يشهد بها الجميع. ومن اوضح دلائل الاهتمام المكثف بهذا الحدث البارز ما اوردته الصحف عن المشاركة الدولية الواسعة لفعاليات يوم الافتتاح الرسمي لمكتبة الاسكندرية. اذ بلغ عدد الشخصيات الدولية المشاركة في الحدث 800 شخصية دولية في مقدمتها ملك اسبانيا خوان كارلوس، والملكة صوفيا، والرئيس الفرنسي جاك شيراك، واليوناني قسطنطين شينكانوبولس، والروماني اليون اليسكو وعدد من رؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية، وممثلي دول العالم. ومن القراءة المتأنية لدلالات هذه المشاركة الدولية الواسعة يتبين لنا بوضوح شديد، ذلك الدور المحوري الذي يمكن ان تلعبه قلاع الثقافة في تقريب المسافة بين الشرق والغرب، وفي صرف المشاعر والافكار باتجاه ذلك المشهد الانساني المتقدم الذي ترمز اليه مكتبة الاسكندرية، في احتفاء بالغ بمشهد البناء الانساني في اروع صوره وأثمن عروضه. مما يدعو الى توجيه الانظار الى ما يمكن ان تقدمه المعرفة الانسانية من حلول واقعية لمشاكل يئن من وطأتها البشر. حيث تتلاشى في لحظة المعانقة مع التراث الانساني الضارب بجذوره في اعماق التاريخ الصراعات الطارئة التي أضعفت من صوت الحكمة، واصغت الى ذلك الصوت الهادر الذي يؤمن بأن الصراع بين البشر هو سنة ابدية، وان القوة المادية وحدها هي الخيار الامثل لتحقيق المطالب، وأن ما عداها وهم وسراب!! لقد عبر رؤساء الدول في اعلان صريح ومباشر بأن ما يجمع البشر اضعاف ما يفرقهم فيما لو تجردوا من تعصبهم الاعمى، واختاروا الانتماء الى الانسان ككائن يستحق الاحترام بغض النظر عن جنسيته ولونه ومعتقده وهو الامر الذي توجبه الشراكة الدائمة التي برع في تقديمها الانسان اثناء مسيرة التنمية الحضارية التي تلونت خطوطها، واختلفت تضاريسها عبر مراحل الرحلة الشيقة التي تصدى لانجازها عمالقة الكتاب والباحثين والعلماء في العصور المختلفة. واليوم تقف كتبهم باعتزاز وشموخ عز له مثيل وهي تحييّ زوارها وقاصديها الذين اتوها من بقاع الارض شاهدين بلسان حالهم على ان هذا التقدم العلمي المذهل، وهذه الانجازات المدنية الهائلة ما هي الا محصلة نهائية لجهود الرواد السابقين في شتى حقول المعرفة الانسانية. وما هذه التظاهرة العالمية الكبرى التي شهدتها مدينة الاسكندرية الا رسالة واضحة المعنى على ان انسان الالفية الثالثة لم يدمر بقايا الخلايا الحية التي بداخله، والتي تشده الى التفكير بأخيه الانسان، وعلى ان وشائج الصلة بين البشر تبدأ من لحظة مصافحة العيون للكلمات المكتوبة، التي اجتهد اصحابها في العناية بها، وبرعوا في حيازة طرف من اطراف المعارف الانسانية واعادة انتاجها لتقوم مكتبة الاسكندرية اليوم بتقديمها في اركانها الفسيحة وفوق رفوفها الهائلة العدد!! والسؤال العاجل: هل يمكن ان تفلح مثل هذه الواجهات والقلاع الحضارية في تجسير الهوة بين الشرق والغرب؟ وهل نملك الادوات الكافية لتنظيم خطوط الاتصال بيننا وبين الاخرين وفق اعتماد مثل هذا الطرح؟ والأهم من ذلك: هل ندرك حقا ان لدينا الكثير لنعمله في هذا السبيل؟ أم تظل حالة الذهول عن الذات، والجهل بالأولويات في التعامل مع الظروف الدولية هي احدى اكبر صفاتنا السلبية، التي نود لو نتخلص منها في الزمن القريب؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات