مسئوليات العرب تجاه حوار وطني ـ بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا

الجمعة 12 شعبان 1423 هـ الموافق 18 أكتوبر 2002 في الوضع الراهن تزداد مسئولية العرب تجاه بعضهم البعض وتجاه الاوضاع الجديدة الناشئة، إذ لا يكفي اعلان المواقف السياسية في هذا الاتجاه أو ذاك. بل ان المطلوب هو قيادة حوار داخلي في كل دولة عربية حول المرحلة وآفاقها، وذلك قبل ان تجرفنا في عنفوانها وتياراتها. الحرب القادمة ومدخلها العراق سوف تأتي بالكثير من التغيرات. ففي كل عملية قيصرية كبيرة تبرز أوضاع جديدة لا يستطيع أحد التنبؤ بنتائجها. فمن كان يعرف عام 1914 ان بداية تلك الحرب كانت ستؤدي الى انهيار الدولة العثمانية والدولة النمساوية الهنغارية وستؤدي الى انتشار بريطانيا ونشوء النازية والفاشية وانها ستمهد بالتالي للحرب التي تليها، ومن كان يعرف ان الحرب العالمية الثانية ستمهد لسلام طويل في القارة الاوروبية ولاعادة استيعاب ألمانيا واليابان وبدء الحرب الباردة؟! الوضع الجديد سوف يتطلب في الوقت نفسه البدء العربي باصلاحات داخلية. ليس شرطاً ان تصل هذه الاصلاحات الى نهاية منشودة بسرعة قياسية، ولكن على الأقل يجب البدء بها وتحريكها حول جملة من القضايا المحلية في كل دولة عربية. فالاصلاح يبدأ بالحوار الداخلي حول قضايا الساعة وقضايا المرحلة. ولكن السؤال: كيف يبدأ حوار داخلي في ظل غياب ضمانات صحفية وقانونية في معظم البلاد العربية؟ وكيف يمكن البدء باصلاحات في ظل غياب أسس حرية التعبير والكتابة والقول؟ لهذا فإن فتح الباب أمام المجتهدين في الشأن السياسي والتعليمي، والديني المسئول، وفتح الباب أمام كل الآراء في كل دولة عربية على شئون الساعة وقضايا المرحلة، يشكل أحد مداخل التعاطي مع الافرازات القادمة. إن فتح باب الحوار العلني في العالم العربي يجب ألا يقع في خطأ الاستماع لوجهة نظر واحدة، أو الى رأي يكرر ذات النظريات القديمة السائدة في الساحة العربية، بل يجب فتح المجال للأفكار الجديدة كما يفتحها للأفكار القديمة بحيث يكون الجدل في البلاد العربية بين مدارس عديدة وتوجهات مختلفة مفتوحاً وصادقاً وغنياً. ولو تساءلنا ما هو تصور الحركة الاسلامية في العالم العربي حول الاوضاع القائمة، وما هي اجاباتها حول المسائل المطروحة أمامها وأمام المجتمع؟ ولو تساءلنا ما هو تصورها للتعامل مع ظاهرة الارهاب والعنف وما تصورها في التعامل مع الوضع بعد التغير في العراق؟ باللغة نفسها ما هي تصورات الاتجاهات الليبرالية في العالم العربي وكيف ستكتشف دورها في المجتمع الأوسع؟ باللغة نفسها تثار التساؤلات عن مواقف وتوجهات الاتجاهات القومية في العالم العربي وكيف تتعامل مع الأوضاع الناشئة وانعكاساتها الفكرية؟ فهل يمكن الاستنتاج بأن جميع هذه التوجهات مقبلة على اعادة نظر في جوانب مهمة من توجهاتها، وانه تقع عليها مسئولية اضافة تصورات جديدة وخلق وابداع مناهج جديدة في العمل السياسي والتعبير الفكري بما يساهم في انضاج أوضاع عربية أفضل؟ ثم نتساءل: ما هو موقع التنمية والعلم والتطوير الانساني والاداري والنفسي على الصعيدين القطري والعربي؟ فجميع البرامج والتوجهات والنظريات تسقط أمام امتحان التنمية الاقتصادية والروحية والعلمية والادارية. فمن يفشل في هذا المجال يفشل في كل بناء وكل توجه. وبما ان التيارات السياسية العربية هي تحت المجهر وعليها ضغط كبير من الوضع الأكبر والأوسع، فكيف تتعامل الدول العربية مع الوضع وكيف يؤثر هذا على علاقتها بالحركات السياسية في بلادها؟ وفي الوقت نفسه كيف تتعامل وستتعامل الدول العربية مع الضغوط القادمة من قوى المجتمع العربي التي تنتقد التدخل الخارجي؟ وكيف تتعامل ذات الدول العربية مع القوى الدولية التي تقود الحملة للتغيير في العراق؟ الدول العربية تعيش اليوم بين المطرقة والسندان وهي بين ضغوط الداخل وتحركات الخارج. العالم العربي يواجه نفسه ويواجه واقعه في اطار ما بناه على مدى العقود. لهذا فإن مواجهة النفس هي الأخرى غير ممكنة بلا اثارة حوار واسع النطاق وبلا تنمية توجهات على قدر كبير من الجدية والعمق تساهم في الاجابة على تساؤلات المرحلة وتساهم في انارة الطريق نحو آفاق تحمي مصالح الدول العربية وتساهم في تقدمها محلياً وعربياً. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة الكويت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات