اسرائيل والمياه العربية .. تعددت المشاريع والأطماع واحدة ـ بقلم: رياض أبو ملحم

الخميس 11 شعبان 1423 هـ الموافق 17 أكتوبر 2002 التهديدات الاسرائيلية الجديدة الموجهة إلى لبنان بسبب محاولته استغلال قسم من مياه نبع الوزاني المحاذي لحدوده مع فلسطين المحتلة، تعيد فتح ملف «الاستغلال المشترك» للمياه اللبنانية، بعد أن اجبرت اسرائيل على انهاء احتلالها للجنوب اللبناني، وبالتالي انهاء سيطرتها المباشرة على المنابع والمجاري الرئيسية لهذه المياه. ومن المفيد، بل والضروري ايضاً، القاء نظرة جديدة على هذا الملف القديم، برغم تغير الكثير من الوقائع والمعطيات السياسية والجغرافية. وكما كان الدور الأميركي بارزاً في الوقائع القديمة، لملف «الاستغلال المشترك» للمياه في المنطقة، فإنه يبدو حاضراً بقوة الآن. ذلك ان الولايات المتحدة، وقد اصبحت الدولة العظمى الوحيدة في العالم تعطي لنفسها حق التدخل في اي موقع تريده، وفي اي مشكلة او نزاع بين دولتين او اكثر. وبالعودة إلى وقائع هذا الملف القديم ـ المتجدد، نرى انه بعد قيام الدولة العبرية في عام 1948 شهدت المنطقة العربية دفقاً من المشاريع الاميركية هدفت في معظمها إلى تحقيق تعاون سلمي بين دول المنطقة واسرائيل من خلال الغاء الحدود السياسية واقتسام ثروات المنطقة، وفي مقدمتها الثروة المائية. ومع ان هذه المشاريع طويت في حينه بسبب الرفض العربي لها، لكن ظهر فيما بعد ما يماثلها، او يتجاوزها، من خلال تطورات سياسية لاحقة. فكيف يتجلى الدور الاميركي في تلك المرحلة، من خلال المشاريع المائية المقدمة، الواحد تلو الآخر، تحت عنوان «الاستغلال المشترك» لمياه المنطقة؟ اميركا ودور الوسيط ـ اولاً، مشروع السير مردوخ ماكدونالد: وضع هذا المشروع في شهر ديسمبر 1950، بناء على طلب الحكومة الاردنية، وهو يرمي إلى استغلال مياه نهر الاردن ورافده اليرموك ليقوم النهران. بالاضافة إلى ما يمكن جمعه من بعض الاودية والينابيع والآبار بري المساحات الصالحة للزراعة، والتي تبلغ 659 الف دونم: منها 555 الف دونم في الاراضي الاردنية، و104 آلاف دونم في «الاراضي الاسرائيلية». ولخط المشروع شقت ترعة طولها نحو 96 كلم من اليرموك جنوباً في الاراضي الاردنية. واقترح صاحب المشروع خيارين لتخزين مياه نهر اليرموك: 1 ـ تحويل مياه اليرموك إلى بحيرة طبريا حيث يجري تخزينها. 2 ـ انشاء خزان على نهر الأردن جنوبي اتصال نهر اليرموك به في اتجاه وادي صالح، لكنه اعتبر الخيار الاول هو الافضل والاقل كلفة. ـ ثانياً، المشروع السوري ـ الاردني، او مشروع «بنجر»: سمي هذا المشروع باسم واضعه المهندس الاميركي بنجر، الذي كلف من قبل سوريا والاردن وضع المشروع لاستغلال مياه نهر اليرموك لاغراض الري وتوليد الطاقة الكهربائية على اساس الاتفاقية المعقودة بين الاردن وسوريا في 4/3/1953. وتتلخص الخطوط الرئيسية للمشروع بما يلي: 1 ـ انشاء سد تخزين على نهر اليرموك عند «المقارن» يسمى «سد المقارن». 2 ـ انشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية عند سد المقارن المقترح. 3 شق ترعة من امام سد المقارن تتجه غرباً إلى «العداسية» حيث يتم انشاء محطة توليد طاقة اخرى، وحيث تنساب منها المياه إلى قناة الري لمنطقة الغور الشرقي في الأردن. 4 ـ ري الاراضي الاردنية في الغور الغربي بالرفع من نهر الاردن بواسطة مضخات. ـ ثالثاً، مشروع جونستون (1953): يعتبر هذا المشروع اشهر مشاريع تلك المرحلة واهمها. وقد قامت بوضع المشروع شركة «شاس ماين» الاميركية تحت اشراف «سلطة وادي الثينسي» بناء على طلب وكالة غوث اللاجئين (UNRWA). وقد حمل هذا المشروع إلى الدول العربية مبعوث الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور (اريك جونستون)، وذلك عند زيارته للمنطقة في شهر اكتوبر 1953. وصرح لدى وصوله بان «الرئيس الاميركي يقر هذا المشروع ويؤيده هو وحكومته». واشارت «سلطة وادي التينسي» في تقديمها لهذا المشروع انه «اعد من دون اي اعتبار للحدود السياسية بين الدول المعنية، وانما روعي في وضعه بحث انجح الوسائل لاستثمار موارد المياه لمصلحة المنطقة بكاملها لاغراض الري وتوليد الطاقة». ومن بنود هذا المشروع: 1 ـ انشاء سد على نهر الحاصباني (داخل الاراضي اللبنانية) لتخزين فائض الايراد الشتوي. 2 ـ تمويل مياه نهر بانياس والدان والحاصباني في ترعة يصل طولها إلى 120 كلم، إلى منطقة تلال الجليل. 3 ـ تحويل مياه نهر اليرموك إلى ترعة الغور الشرقية وإلى بحيرة طبريا. 4 ـ انشاء ترعة رئيسية في شرق نهر الاردن، وترعة رئيسية اخرى في غرب نهر الاردن. 5 ـ تجفيف مستنقعات سهل الحولة لزراعتها والاستفادة من المياه التي تضع فيها بالتبخر والتسرب، وذلك بتوجيهها إلى بحيرة طبريا لتخزينها. (وقد نفذت اسرائيل هذا الاقتراح فيما بعد). 6 ـ انشاء قناة تستمد مياهها من امام سد الحاصباني وتقام عليها محطة لتوليد الطاقة الكهربائية بالقرب من تل حي في اسرائيل. 7 ـ توليد الطاقة الكهربائية من نهر اليرموك بانشاء سد «المقارن»، حيث تقام محطة توليد الكهرباء من عداسية. رؤية عربية وقد قامت «اللجنة الفنية العربية» التي شكلتها جامعة الدول العربية (5/4/1954)، بدراسة هذا المشروع، مثلما درست المشروعين السابقين. وبعد ان زارت مناطق نهر الاردن وروافده في كل من الاردن وسوريا ولبنان وعاينت المعالم على الطبيعة، واطلعت على بعض الدراسات المحلية، وضعت مجموعة من الملاحظات، ابرزها: ـ لن يستفيد لبنان من هذا المشروع بأي شيء مع ان نهر الحاصباني يقع في اراضيه. فقد رأى المشروع انشاء سد على هذا النهر في الاراضي اللبنانية، بينما جعل المياه تتخزن امامه لمصلحة اسرائيل»، في الوقت الذي يوجد للبنان، في حوض النهر نفسه، مساحة تصل إلى نحو 35 الف دونم صالحة للزراعة ولا ينقصها الا اعداد مياه الري لها من نهر الحاصباني». كما شمل المشروع انشاء محطة لتوليد الطاقة في الاراضي الاسرائيلية بينما السد وقناة هذه المحطة في الاراضي اللبنانية. ـ معظم المياه التي قدرها المشروع للاردن ستخزن في بحيرة طبريا وهذا سيجعل الاردن تحت رحمة اسرائيل فيما يتعلق بخزن المياه التي يحتاج اليها، كذلك مع تحويلها إلى ترعتي الخور الشرقية والغربية. ـ وضع المشروع على اساس «اهمال الحدود السياسية بين الدول في حوض الاردن وروافده، وذلك مع ما هو معلوم من اهمية هذه الحدود». ـ حسب المشروع فإن كميات المياه والمساحات التي تروي منها غير موزعة في شكل عادل، مع ان معظم ينابيعه وروافده (لاسيما اليرموك) تنبع من الاراضي العربية. ـ حرص المشروع على جمع مياه نهر بانياس والدان والحاصباني ونقلها في ترعة طويلة (120 كلم) إلى منطقة تلال الجليل، مع ما في ذلك من حرمان الاراضي الصالحة للزراعة في احواض هذه الانهار من مياهها. ومع ما هو معروف من كثرة الينابيع والمياه الجوفية في منطقة تلال الجليل، فإن شق ترعة كهذه غير مبرر ويعتبر عملاً غير اقتصادي، الا اذا كان الغرض من انشاء هذه الترعة ايصال المياه إلى منخفض «الباطوف» وتخزينها فيه ليتسنى لاسرائيل ري منطقة النقب. وهذا الامر اشارت اليه بعض الدراسات التي وضعتها اسرائيل، علماً ان منخفض «الباطوف»، كذلك منطقة النقب، يقعان خارج حوض نهر الاردن، في الوقت الذي يحرم فيه هذا المشروع اراضي حوض النهر نفسه من مياه هذا النهر. ـ يلحظ المشروع تخزين مياه اليرموك اللازمة للاردن في بحيرة طبريا، وينتج عن هذا الامر زيادة ملوحة المياه التي يستعملها الاردن (ترده من البحيرة بدلاً من جرها مباشرة من نهر اليرموك)، فضلاً عن وضعه تحت رحمة اسرائيل التي تسيطر على البحيرة، وقد تجلت خطورة هذه المسألة فيما بعد. ـ ان تخزين مياه اليرموك في بحيرة طبريا سيزيد من كمية المياه الضائعة بسبب التبخر، كما انه سيرفع منسوب مياه البحيرة بمقدار مترين، ما يؤثر سلباً على معالم الاماكن المسيحية المقدسة المنتشرة على شواطيء البحيرة. ونهر الاردن سيحصل له عكس ما سيحصل للبحيرة، اذ سينخفض منسوبه وتزداد نسبة الملوحة في مياهه، هذه الملوحة التي كان نهر اليرموك يخفف من نسبتها بشكل ملحوظ، وذلك نظراً لغزارته، ولأنه يصب في نهر الاردن بعد خروج هذا النهر من بحيرة طبريا بعشرة كيلو مترات. ان الطبيعة وهبت نهر اليرموك انحداراً كبيراً مما يمكن من استخدامه في توليد طاقة كهربائية لا تقل عن 38 الف كيلو واط ساعة، بينما تضمن مشروع جونستون توليد طاقة لا تزيد على 23 الف كيلو واط. ان واضعي تكاليف المشروع يكيلون في تقديراتهم بمكيالين. فهم عند تقدير تكاليف تخزين مياه نهر اليرموك في حوضه عند المقارن يضعون ارقاماً عالية بهدف عدم الاخذ بهذا المشروع. في الوقت الذي يقللون من تكاليف انشاء ترعة تمويل مياه انهار بانياس والدان والحاصباني إلى منطقة تلال الجليل (طولها 1200 كلم) حتى يكون في قلة التكاليف مدعاة للاخذ بهذا المشروع. ـ ان المشروع يضمن استفادة كبيرة ونفعاً مبكراً لاسرائيل قبل غيرها. فالمرحلة التي قدر لها مدة ثلاث سنوات، تضمن لاسرائيل الاستفادة من كامل مياه نهري بانياس والدان ومياه صرف «الحولة»، بينما لا تحقق هذه المرحلة للاردن اي فائدة الا بعد تنفيذ ما يليها من اعمال المرحلة الثانية فالثالثة. بل ان منطقة توليد الطاقة التي لحظها المشروع عند «تل حي» لمصلحة اسرائيل جعلت ضمن اعمال المرحلة الثانية، بينما اجلت اعمال توليد الطاقة من سد المقارن لمصلحة الاردن وسوريا إلى المرحلة الرابعة. وهكذا صرف النظر عن المشروع، لينفتح الباب من جديد على مشاريع اخرى. مشروع كوثون (1954) سمى هذا المشروع باسم واضعه المهندس الاميركي جون كوثون وقد اطلقته اسرائيل كمشروع معاكس لمشروع جونستون الذي، رغم انه الحق الغبن بالدول العربية المعنية، لم يرض اطماعها. وقد ضخم مشروع كوثون تقديراته لايرادات المياه فرفعها إلى 2345 مليون متر مكعب، بدلاً من 1450 مليون متر مكعب المقدرة في مشروع جونستون. وطلبت اسرائيل بناء على هذا التقدير، ان يخصص لها منها ما لا يقل عن 1290 مليون متر مكعب. ويتجاوز هذا المشروع حوض نهر الاردن مدخلاً نهر الليطاني في حساب التقاسم حيث يلحظ لاسرائيل نصيب في مياهه لا يقل عن 400 مليون متر مكعب، مبقياً للبنان كمية لا تزيد على 300 مليون متر مكعب. وقدر المشروع المساحات التي ستروى على النحو التالي: 30 الف دونم في سوريا، 350 الف دونم في لبنان، 430 الف دونم في الاردن، مليون و790 الف دونم في اسرائيل، اي اكثر من مجموع المساحات في الدول العربية الثلاث. من جهة اخرى ركز مشروع كوثون على تحويل مياه نهر الاردن إلى النقب ـ الذي تحاشته المشاريع المقدمة سابقاً ـ وباتت اسرائيل تتحدث عنه كأمر مفروغ منه معتبرة قبوله شرطاً اساسياً لاي تعاون يطلب منها. وكان من الطبيعي ان ترفض الدول العربية قطعياً هذا المشروع. المشروع العربي لاستغلال نهر الاردن وروافده هذا المشروع وضعته اللجنة الفنية العربية التابعة لجامعة الدول العربية (مارس 1954). وتتحدد الخطوط العريضة للمشروع العربي بالآتي: 1 ـ تخزين مياه اليرموك في مجراه لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهربائية لمصلحة الاردن وسوريا وفقاً للاتفاقية المبرمة بينهما في 4 يونيو 1953. ورأت اللجنة ضرورة انشاء سدين: الاول عند المقارن او وادي خالد. والثاني، بالقرب من عداسية «لضمان سحب التصريف المتوسط بين موقع الخزان الاول (عند المقارن او وادي خالد) والخزان الثاني عند عداسية. 2 ـ استغلال مياه نهر الاردن وروافده شمال بحيرة طبريا لأغراض الري والكهرباء. ورأت اللجنة: ـ فيما يتعلق بلبنان: انشاء سد على الحاصباني في داخل الاراضي اللبنانية وشق قناة امام السد لري الاراضي اللبنانية الصالحة للزراعة وتبلغ مساحتها 35 الف دونم تحتاج إلى 35 مليون متر مكعب. وانشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية الناتجة من سقوط المياه من قناة الري المذكورة في مجرى نهر الحاصباني عند قرية الغجر اللبنانية الحدودية. فيما يتعلق بسوريا انشاء قناة تستمد مياهها من نهر بانياس (خلف بلدة بانياس) لري الاراضي السورية الصالحة للزراعة في محيط النهر، وهي تحتاج إلى 20 مليون متر مكعب سنوياً، بالاضافة إلى 22 مليون متر مكعب لري الاراضي السورية في منطقة البطيحة، حتى يصبح مجموع ما تستغله سوريا 42 مليون متر مكعب سنوياً. فيما يتعلق باسرائيل: تجمع الكميات الباقية في نهري بانياس والحاصباني، بالاضافة إلى نهر الدان، في قناة تسير شمال منطقة الحولة وتصب في نهر الاردن بعد ان تكون اسرائيل حصلت على 96 مليون متر مكعب لري اراضيها (في الحولة 66 مليون متر مكعب، وفي منطقة ايليت هاشاهار 30 مليون متر مكعب). 3 ـ استغلال مياه نهر الاردن وروافده لأغراض الري جنوب بحيرة طبريا. ورأت اللجنة الفنية العربية انه بعد اخذ الكميات المذكورة سابقاً من المياه لري الاراضي الزراعية في كل من لبنان وسوريا واسرائيل، يتم تخزين باقي تصريف نهر الاردن وروافده الشمالية (بانياس، الحاصباني والدان) في بحيرة طبريا لتأمين ري الاراضي الزراعية في الغور الشرقي (الاردن) والغور الغربي (الاردن واسرائيل) وفي مثلث اليرموك (اسرائيل). 4 ـ استغلال مياه الوديان والآبار. 5 ـ ترى اللجنة ان تخطيط الحدود السياسية بين الدول العربية واسرائيل، لا يتفق بالمرة مع ما جرت عليه العادة في الحدود السياسية بين الدول، من جعل النهر حداً طبيعياً بينها. فالوضع الطبيعي هو ان «يجعل محور نهر الاردن ومحور بحيرة طبريا حداً فاصلاً بين الدول العربية شرقاً واسرائيل غرباً، حتى تشرف كل دولة على مأخذ ترعها من النهر او البحيرة ووسائل تحكمه في هذه المآخذ». في حين ان اسرائيل تسيطر على كامل بحيرة طبريا وعلى ضفتي نهر الاردن في قسم كبير من مجراه. وطبعاً.. رفضت اسرائيل المشروع، وتعذر تنفيذه. مع ان اسرائيل حسمت الكثير من الجوانب المرتبطة بالملف المائى مع الدول العربية، لمصلحتها، وفي صورة انفرادية تعكس استخفافها بالقوانين الدولية، الا ان شهية اطماعها ظلت مفتوحة على مزيد من التوسع والهيمنة، ان لم يكن عبر الاستيلاء المباشر. فالدولة العبرية لا تزال تعتبر ان حدودها المائية يجب ان تتطابق مع الحدود السياسية. ربما انها لم تعلن حدودها بعد، خلافاً لكل ما هو متعارف عليه في العالم، فستظل الحدود السياسية والحدود المائية قابلة للتغيير ومفتوحة على مزيد من التوسع، بالاستناد إلى مفهوم عامل القوة الذي يسود عالم اليوم، عالم الاحادية القطبية. ـ كاتب لبناني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات