خط مباشر ـ السودان والعقاب الأميركي (1 ـ 2) ـ بقلم: أحمد عمرابي

الثلاثاء 9 شعبان 1423 هـ الموافق 15 أكتوبر 2002 هل يوقع الرئيس الاميركي جورج بوش على مشروع القانون الذي اجازه مجلس النواب الاميركي والذي يطالب ادارة بوش بفرض عقوبات على السودان اذا لم تتوقف الحرب الدائرة في جنوب البلاد خلال فترة محددة؟ للتوصل الى الاجابة علينا ان نستحضر امرين: اولاً: ان هناك قوتي ضغط متناقضتين بشأن مسألة السودان داخل مؤسسة السلطة الاميركية: اللوبي المسيحي ـ اليهودي، واللوبي النفطي الذي يمثل كبرى شركات النفط الاميركية. ثانياً: الاستخلاصات التي توصل اليها «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» الاميركي بشأن السودان والتي تضمنها تقرير للمركز نشر العام الماضي. ان هذا التقرير هو الخلاصة النهائية التي توصل اليها فريق من 65 خبيراً اميركياً ممن تخصصوا في الشئون السودانية او الافريقية، ليكون التقرير هو الاساس الذي تبني عليه ادارة بوش سياسة جديدة نحو السودان من خلال مشكلة الجنوب والحرب الدائرة منذ 19 عاماً. هؤلاء الخبراء يمثلون منظمات ومؤسسات متنوعة المشارب.. منهم مديرو منظمات اغاثة مثل روي اندرسون من منظمة «ويرلد فيجن» العاملة في الجنوب السوداني.. ومنهم دبلوماسيون مثل بولي بايرز.. ومنهم اخصائيو امن مثل كاثي بيرن من «مجلس الامن القومي» الاميركي.. ومنهم ممثلو شركات اميركية كبرى تعمل في افريقيا مثل ستيف هيز من «مجلس الشركات الخاص بأفريقيا».. وغيرهم وغيرهم من منظمات تبشيرية مسيحية وشركات النفط. وبالفعل صار تقرير مركز الدراسات وتوصياته واستخلاصاته المرتكز الاساسي للسياسة التي استحدثتها ادارة بوش بشأن السودان والتي بناء عليها عين الرئيس بوش مستشاراً رئاسياً خاصاً للشأن السوداني هو جون دانفورث واتخذت الادارة بنفسها دور وساطة بين حكومة السودان وحركة التمرد الجنوبية.. «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بزعامة جون قرنق. الآن يصدر مجلس النواب الاميركي مشروع قانون بفرض عقوبات على الحكومة السودانية بعد ان انقطع المسار التفاوضي بين الحكومة والحركة وتصاعد العمل العسكري حتى على جبهة الحدود الشرقية للسودان. وعندما نتساءل عما اذا كان الرئيس بوش قد يوقع على مشروع القانون لكي يكون نافذاً وقد لا يوقع، لأن هذه الخطوة تضع الرئيس وجهاً لوجه امام التناقض الحاصل بين اللوبي المسيحي ـ اليهودي واللوبي النفطي. فما هي طبيعة هذا التناقض؟ بينما يدعو اللوبي المسيحي اليهودي الى تأجيج الحرب في جنوب السودان واستمرارها مع دعم اميركي لجيش قرنق، فإن اللوبي النفطي يتبنى اجندة لوقف الحرب واحلال السلام. وللوبي الديني هدفان استراتيجيان: استمرار استنزاف الشمال السوداني في المدى المتوسط.. وقيام دولة مستقلة مسيحية في الجنوب، فقادة هذا اللوبي الذي يضم منظمات كنسية متطرفة جنباً الى جنب مع منظمات صهيونية، ينظرون الى مشكلة جنوب السودان من منظور الصراع الأوسع بين الغرب والاسلام. والدولة المستقلة المستقبلية في جنوب السودان يراد لها ان تكون قلعة مسيحية هجومية لمناوأة الانتشار الحتمي للمد الاسلامي الى داخل القارة السوداء. اما لوبي الشركات النفطية الاميركية فيسعى، انطلاقاً من دوافع استثمارية ربحية صرفة، الى وقف الحرب الدائرة في جنوب السودان وتحقيق تسوية سلمية تمهد لاستقرار شامل يمكن لهذه الشركات الدخول استثمارياً في التنقيب عن النفط وانتاجه وتصديره في الشمال والجنوب معاً بحجم كبير بناء على احدث استقراءات تثبت ان الاحتياطيات النفطية الكامنة في مناطق شمالية وجنوبية اضخم مما كان متصوراً. ها هنا اذن داخل مؤسسة السلطة في الولايات المتحدة «لوبيان» قويان يريد كل منهما دفع ادارة بوش في اتجاه مناقض للآخر بشأن السياسة الاميركية التي يجب ان تتبع تجاه السودان: لوبي يدعو الى استمرار الحرب مع استمرار الدعم الاميركي لحركة التمرد من منطلقات صليبية.. ولوبي اخر يرى ان مصالحه الرأسمالية الربحية تقتضي وقف الحرب واحلال الاستقرار السلمي. ان هامش الخيار لدى الادارة الاميركية ازاء هذا التناقض الحاد ضيق للغاية. فاللوبيان الديني والنفطي يعدان من بين قوى الضغط العاملة داخل «الحزب الجمهوري» ـ حزب بوش. وبالتالي فإن من الصعب على الرئيس الاميركي ارضاء لوبي على حساب اغضاب الآخر. والقوة المتوافرة لكل من اللوبيين تبدو وكأنها متعادلة. فبينما نجد ان نفوذ اللوبي الديني غالب على مستوى الكونغرس، فإن نفود اللوبي النفطي يغلب على مستوى الادارة. فنائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس يخدمان مصالح الشركات النفطية، فالحياة المهنية لكل منهما مرتبطة بعملهما لدى شركات النفط الكبرى على اعلى المستويات الادارية والاستشارية. والآن فإن امام الرئيس بوش مشروع قانون يعكس اهداف اللوبي المسيحي اليهودي ويتناقض في الوقت نفسه مع مصالح القطاع النفطي الذي ـ بهذه المناسبة ـ ينتمي اليه الرئيس نفسه من خلال ملكية عائلته لشركة تكساس ـ من كبرى الشركات النفطية الاميركية العاملة على مستوى عالمي. فكيف يتصرف الرئيس؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات