استراحة البيان ـ كلنا نحتاج هذا الطبيب يا «ماريزا» ـ يكتبها اليوم: علي عبيد

الاحد 7 شعبان 1423 هـ الموافق 13 أكتوبر 2002 يحكى ان عالم الفلك والرياضيات الفارسي «عمر الخيام» صاحب «الرباعيات» الشهيرة التي قدمته للعالم شاعراً متأملاً في شئون الحياة، شاكياً قصر العمر حيناً، وظلم الدنيا أحياناً، متغنياً بالعشق والزهور والربيع، داعياً إلى التمتع بالحياة، يحكى انه في أواخر أيامه وبعد مقتل الوزير «نظام الملك» الذي كان مقرباً منه ـ على يد رجل من رجال «حسن الصبّاح» زعيم الفرقة التي عرفت بـ «الحشاشين» وكان هو الآخر صديقاً للخيّام، وجد العالم الشاعر نفسه هارباً من «أصفهان» بعد مقتل زوجته «جهان» ووضعه هو على رأس قائمة المطلوبة رؤوسهم. كان الخيّام خلال تلك الفترة ـ كما يقول أمين معلوف في كتاب «سمرقند» ـ يحيا حياة الهاربين والمنبوذين، فإذا ما زار بغداد حظر عليه الخليفة الكلام أمام الملأ واستقبال معجبيه الكثر المحتشدين على بابه، وإذا زار مكة أجمع ثالبوه على السخرية قائلين «انها حجة مجاملة» وإذا مرّ في طريق العودة بالبصرة جاءه ابن قاضي المدينة ليسأله بأكثر الطرق تأدباً ان يقصر مدة اقامته. وكان طالعه في ذلك الحين من أكثر الطوالع بلبلة، فما من أحد ينكر عبقريته وعلمه الغزير، وأينما ذهب احتشدت الجماهير حوله وسأله الناس في النجامة والجبر والطب، وحتى في المسائل الدينية، ولكن ما ان تنقضي بضعة أيام أو أسابيع على قدومه حتى يحتشد المتآمرون لترويج كل أنواع المثالب بحقه، ووصمه بالملحد والزنديق مذكّرين بصداقته لحسن الصبّاح، وهكذا يجد نفسه مضطراً لمغادرة المكان متعللاً بانصراف الصحة، ويمضي إلى حيث لا يعرف ماذا يحمل له القدر. وفي سبيل توفير أسباب العيش لنفسه ولرفيقه «ورطان» الذي نذر نفسه لحراسته اضطر الخيام إلى مقابلة الامراء والولاة والوزراء وتحضير كشوف الطالع الشهرية لهم، بيد انه على الرغم من كونه في أمس الحاجة إلى المال إلا انه كان يعرف كيف يحصل عليه من غير ان يحني رأسه. ويحكى ان وزيراً قال لعمر وقد دهش لسماعه يطلب خمسة آلاف دينار: ـ هل تعلم انني لا أتقاضى أنا نفسي هذا المقدار؟! فأجابه الخيام: ـ هذا طبيعي جداً! ـ ولم يا ترى؟ ـ لأن العلماء أمثالي لا يجود الزمان إلا بحفنة منهم في العصر الواحد، في حين انه بالامكان تعيين خمسمئة من الوزراء أمثالك في السنة الواحدة! ويؤكد المؤرخون ان الرجل ضحك كثيراً، ولبى جميع مطالب الخيام معترفاً ـ بكياسة ـ بعدالة مثل هذه المعادلة الحافلة بالكبرياء. ولقد كتب الخيّام في تلك الحقبة يقول: «ما من سلطان أسعد حالاً مني، ولا من سائل أشد بؤساً». ثمة رابط من نوع ما خفي الملامح جعلني أتذكر هذه الحكاية وأنا أقرأ السيرة الذاتية لمرشح الرئاسة البرازيلي «لويز ايناسيو لولا داسيلفا» المعروف باسم «لولا» الذي حصل قبل أيام على ستة وأربعين في المئة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات، ويستعد الآن لدخول الجولة الثانية لحسم التنافس على كرسي الرئاسة في السابع والعشرين من شهر اكتوبر الجاري. و «لولا» المترشح عن حزب العمال اليساري في مواجهة مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم ينحدر من أصول فقيرة، ومن أسرة كبيرة العدد عاشت في قرية من قرى الأرياف الشمالية لبلاد الأمازون، ولم يكن أكثر من عامل بسيط في مصنع تعدين بسان باولو. والرئيس المترشح أو المرتقب لدولة تعد تاسع اقتصاد في العالم ـ حيث زاد انتاجها القومي على 600 مليار دولار العام الماضي ـ لم يدخل مدرسة في حياته، وأقصى ما ناله من تعليم هو تعلم «الخراطة» لمدة عامين في مدرسة مهنية لم يفلح معها في تجنب قطع خنصر يده اليسرى بشفرة آلة خراطة عندما كان في التاسعة عشرة من عمره. وهو فوق ذلك يخطئ بالكثير بالكلمات البرتغالية حين يخطب ويكتب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يشعر «لولا» بالخجل أو النقص لجهله وعدم دخوله أي مدرسة نظامية للتعليم أو حصوله على شهادة عليا؟ الجواب: لا بالطبع، فهو يقول انه ليس ضرورياً لرئيس الجمهورية في أي بلد ان يكون حاملاً لشهادة مدرسية «ناهيك عن جامعية» من أي نوع، بل المهم هو الجهاز الذي يختاره ليحكم البلاد معه، فمن بين 42 رئيساً حكموا الولايات المتحدة حتى الآن ـ والكلام لـ «لولا» ـ هناك 11 رئيساً منهم لم يتمكنوا من اثبات تمتعهم بمستوى علمي يتيح لهم ان يصبحوا رؤساء، ومنهم اثنان تاريخيان: محرر العبيد «ابراهام لنكولن»، ومحقق الاستقلال للاميركيين وأول رئيس لهم «جورج واشنطن» إذ كتب الأول في قصة حياته القصيرة التي دونها عام 1860 انه لم يبق عاماً واحداً بشكل رسمي ومتواصل في المدرسة «حيث كنت ألعب أكثر مما أدرس» كما يعترف. أما خلفه «أندرو جونسون» فلم يدخل مدرسة قط في حياته عندما أصبح الرئيس السابع عشر للولايات المتحدة، كما يقول «لولا» ان الرئيس الاميركي السابع «أندرو جاكسون» المطبوعة صورته على ورقة العشرين دولاراً كان بالكاد يعرف القراءة والكتابة مع انه كان جنرالاً في الجيش، وقاد حملات عسكرية كثيرة، وقد استخدم خلال تلك الحروب ضابطاً ليكتب له الرسائل لزوجته، ولأنه كان عصبي المزاج فقد قتل جاكسون رجلين في مبارزتين رسميتين قبل فوزه عام 1828 بالرئاسة. ولا يخلو «لولا» هو الآخر من عصبية أدت ذات مرة إلى تعاركه مع مضيفة طائرة كان على متنها في طريقه إلى احدى المدن البعيدة عن سان باولو، عندما استبد به الفضول للتعرف على طعم «الكافيار» الذي كان يسمع به ولم يذقه في حياته فطلب بعضه، وعندما جاءته المضيفة بالقليل منه لتذوقه لم تفوّت الفرصة فقالت له: «أنت (لولا) الفقير المدافع عن العمال، تلبس وتأكل كواحد منهم في العلن دائماً، وتأكل الكافيار في السر الآن؟!» عندها لم يتمالك «لولا» نفسه ودخل معها في جدل كاد يتطور إلى ما هو أسوأ لولا مسارعة بعض الركاب لفضه وانهاء المشكلة. أطرف ما في الموضوع هو ما تقوله «ماريزا ليتيسيا» زوجة «لولا» التي ربما وجدت نفسها بين عشية وضحاها في موقع سيدة البرازيل الأولى، فقد استبقت ماريزا الحدث قبل وقوعه بشهرين عندما صرحت لاحدى المجلات البرازيلية قائلة: «أنا من عائلة فلاحين بالأجرة أباً عن جد.. وأنا في البيت أغسل الصحون والملابس لأولادي الأربعة، وأطبخ وأجلس مع الجيران بعد الظهر، ولا أدري كيف تقودني الاقدار بطريقة قد أصبح معها السيدة الأولى، فأنا لست مستعدة حقيقة لهذا المنصب، وأحتاج إلى طبيب نفساني». الحقيقة يا سيدتي اننا نحن الذين بحاجة إلى فريق من الاطباء النفسانيين كي نستطيع تقبل ما يحدث في هذا الكون واستيعابه حتى نمر عليه دون ان تمتلئ نفوسنا بالعقد وتنفجر صدورنا من القهر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات