تراثيات

السبت 6 شعبان 1423 هـ الموافق 12 أكتوبر 2002 قال الجاحظ: كان أبو عثمان يجلس ابنه معه يوم الرأس (العرس)، وكان له يوم معروف يأكل فيه رأساً لا محالة. وكان يجلس ابنه معه، ويقول: إياك يا بني ونهم الصبيان، وأخلاق النوائح، ونهش الأعراب. وكل مما يليك، واعلم انه إذا كان في الطعام لقمة كريمة، أو مضغة شهية، أو شيء مستطرف، فإنما ذلك للشيخ المعظم، أو للصبي المدلل، ولست بواحد منهما. وقد قالوا: مدمن اللحم كمدمن الخمر. أي بني، عود نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخضم خضم البراذين (دابة للأحمال الثقيلة)، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال، فإن الله جعلك إنساناً، فلا تجعل نفسك بهيمة. واحذر صرعة الكظة (الامتلاء). واعلم ان الشبع داعية البشم (التخمة) والبشم داعية السقم، وأن السقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، لأنه قاتل نفسه، وقاتل نفسه ألام من قاتل غيره. أي بني، والله ما أدى حق الركوع والسجود ذو كظة، ولا خشع لله ذو بطنة، والصوم مصحة، والوجبات عيش الصالحين. أي بني، لأمر ما طالت أعمار أهل الهند، وصحت أبدان العرب، ولله در الحارث بن كلدة، إذ زعم أن الدواء هو الأزم (الاحجام عن الاكل والشراب)، فالداء كله من فضول الطعام، فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح الدين والدنيا، والقرب من عيش الملائكة؟ أي بني، لم صار الضب أطول عمراً، الا لأنه يتبلغ بالنسيم؟ ولم قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ان الصوم وجاء؟» إلا لأنه جعل حجازاً دون الشهوات؟ فافهم تأديب الله عز وجل، وتأديب رسوله عليه الصلاة والسلام. أي بني، قد بلغت تسعين عاماً ما نفض لي سن، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت ذنين أنف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول، ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد. فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا ابعد الله غيرك. أبو صخر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات