خواطر ـ حدث في التاريخ ـ بقلم: سامي الريامي

السبت 6 شعبان 1423 هـ الموافق 12 أكتوبر 2002 .. في علم السياسة هناك ارتباط وثيق لا يمكن فصله بين السياسة والتاريخ، لدرجة ان بعض العلماء يعرّفون التاريخ على انه سياسة قديمة نظراً للتقارب الشديد بينهما، وهذا صحيح فحملة نابليون بونابرت الشهيرة على مصر في القرن الثامن عشر كانت في ذلك الوقت سياسة، أما اليوم فقد اصبحت تاريخا وبذلك تحولت الى سياسة قديمة.. .. وهناك الكثير من الامثلة الدالة على صحة هذا التعريف، ولكن لو ألقينا نظرة سريعة على حال الواقع العربي في يومنا (الأسود) هذا، سنجد أننا اكثر امة تملك تاريخاً قديما وأقل أمة تملك مفاتيح السياسة الحديثة، بمعنى اننا لم نستفد أبدا من مخزون التاريخ والسياسة القديمة التي تمرس فيها اجدادنا عندما حكموا العالم.. .. ومن سخرية الأقدار اذا جاز التعبير ان يقف التاريخ الذي كنا نعتز ونتفاخر به ضدنا متناسيا اننا نموت في كلمات مثل «كنا» و«كان» و«كانوا» وأن يزيدنا هواناً على هواننا.. ففي يوم الثاني من اكتوبر الماضي المصادف يوم الاربعاء والموافق الخامس والعشرين من رجب نشرت الصحف بما فيها «البيان» على صدر صفحاتها الأولى «مانشيتا» عريضا يقول: «أميركا تعتمد رسميا القدس عاصمة اسرائيل».. وبذلك يكون جورج بوش قد وجه صفعة قوية للعالمين العربي والاسلامي بمصادقته غير المسبوقة على قانون أعده الكونغرس، يعتمد القدس عاصمة لاسرائيل.. ربما لا يوجد من القراء من لم يقرأ هذا المانشيت، واصيب بالصدمة والكمد مما جاء فيه، لكن قليلين جداً هم الذين انتبهوا لسخرية التاريخ والأقدار من العرب حيث نشر في نفس عدد الجريدة وفي ملحق «بيان 2» تحت زاوية صغيرة عنوانها «حدث في التاريخ» وهي مقتطفات لأبرز وأهم الأحداث السياسية والتاريخية المصادفة لنفس اليوم تماما مثل البرنامج الشهير حدث في مثل هذا اليوم.. .. أتدرون ما هو أهم حدث كان في ذلك اليوم؟ دعوني انقله لكم بالنص.. في 2 اكتوبر من عام 1187 ـ استعاد المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس، وكان ذلك في ليلة الاسراء والمعراج (27 رجب 583ه).. فأي سخرية وأي ذل ذلك الذي نعيش فيه؟!! وأي رسالة هذه التي قصد التاريخ ان ينبهنا إليها؟! .. في اليوم الذي تنشر فيه الصحف اشارات واضحة لمدى الصلف والتعالي الذي يميز سياسة ادارة بوش تجاه العرب والمسلمين بعد ان قام بتوقيع قانون كان قد صادق عليه الكونغرس بتخصيص اربعة مليارات دولار للنفقات الدبلوماسية الأميركية وتتضمن بنوداً تعتمد القدس عاصمة لاسرائيل وذلك للمرة الأولى في «تاريخ» الادارات الأميركية.. في مثل هذا اليوم كان ذات التاريخ يسجل نصرا كبيرا للعرب والمسلمين عندما استطاع البطل الخالد ذكره صلاح الدين الايوبي ان يستعيد للعرب كرامتهم ويستعيد للمسلمين معهم بيت المقدس.. فهل يدرك العرب الفرق بين الأمس واليوم؟!! ــ أحد الأصدقاء أرسل طرفة تزيد الجرح نزفاً لكنها تعبر عن واقع الحال دون شك.. تقول الطرفة انه بينما كان الرئيس الأميركي جورج بوش مندمجا في حديث طويل مع وزير خارجيته كولن باول قاطعهما احد افراد الادارة قائلا فيم هذا النقاش الطويل؟ اجاب بوش: نحن نخطط للحرب العالمية الثالثة، ونفكر عند انطلاقتها بقتل مليون عراقي وبائع متجول يهودي.. أصاب الذهول الرجل وقال مسرعاً، ولماذا البائع اليهودي؟!! عندها التفت بوش لباول وهو يقول: ألم أقل لك انه لن يسأل أحد عن المليون عراقي!!! هكذا حال وواقع العرب وليس غريباً أبدا ان تتحول طرفة اليوم الى واقع في الغد.. والله المستعان!! .. أعود وأتساءل هل تعتقدون ان الصدفة البحتة وحدها هي التي جمعت بين 2 اكتوبر 2002 و2 اكتوبر 1187؟ نعم هناك من سيقول ذلك لكن هؤلاء هم الضعفاء، اما من يمتلك الفطنة والعقل، فإنه سيدرك ان هناك رسالة واضحة يرسلها التاريخ لنا، فهو ليس سياسة قديمة فقط كما يقول البعض، بل هو المستقبل ومن يريد المستقبل عليه ان يفهم اشارات الماضي!! وفي ذلك قال الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه: «استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإن الامور اشباه».. اعتقد والله انه قد صدق..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات