استراحة البيان ـ أمة تخاصم الخيال ـ يكتبها اليوم: مجدي شندي

الخميس 4 شعبان 1423 هـ الموافق 10 أكتوبر 2002 منتصف عام 1992 نشرت لي مؤسسة دار المعارف كتاباً عنوانه «المياه.. الصراع القادم» وفوجئت بدايات عام 2000 بمسئول في الجامعة العربية يتصل بي ليسألني عن نسخة من الكتاب لأن الجامعة كانت تعد وقتها لمؤتمر يتناول ازمة المياه ويبحث كيفية ايجاد حلول لازماتها التي تفجرت في مناطق عربية عدة من بينها الدول الواقعة ضمن احواض الانهار. ازمة المياه ليست الازمة الوحيدة التي تنفجر في وجوهنا محدثة لنا نوعاً من المفاجأة لكن كل ازماتنا الحياتية تفاجئنا بنفس القدر في السياسة كما في الاقتصاد، وفي المخترعات العلمية كما في البطالة. اصبحنا لا نتنبه الى اننا قد اصبحنا على حافة كارثة الا حينما نصبح موضوعات مستهلكة في مراكز الدراسات الغربية، لا نعرف ما اذا كان العالم العربي مشغولاً بالماضي، او غارقاً في اشباع حاجاته الاستهلاكية في الحاضر، ومع ذلك فإن الانشغال بالماضي والحاضر لا ينبغي ان يجعلنا في حالة عمى كلي عن المستقبل الى هذا الحد. ورغم الثروات والكفاءات البشرية التي تحفل بها منطقتنا نفاجأ دائماً بما يحدث وتضيع جهودنا في لملمة ما تبعثر.. تعودنا ان تكون تصرفاتنا كلها بمثابة رد فعل. اما الفعل فيأتي من غيرنا، من الاجنبي او من سيرورات القدر. ـــ كم جامعة في وطننا العربي الكبير تهتم بالدراسات المستقبلية رغم وجود مئات الجامعات، وكم مؤسسة بحثية او اهلية تنشغل بموضوع ماذا يمكن ان يحدث غداً؟ سؤال يتفجر في الوجوه، ولا اجابة الا التحسر على ما فات وما سيفوت والاشفاق على اجيالنا المقبلة التي وإن تركنا لها رصيداً في البنوك، لم نترك لها رصيداً علمياً ولا حضارياً ولا اخلاقياً يعينها على ان تكون رقماً في عالم لم يعد يعترف الا بالارقام. كل ما تركناه للأجيال القادمة البائسة تراث من ممارساتنا يعلمها ان تنظر الى الاصبع حينما يشير احد الى القمر. لا تراثنا ولا ديننا يملي علينا ان نكون مغيبين عما يجري في المستقبل الى هذا الحد. فالدين يفرض علينا ان تتطلع عيوننا الى الغد بأكثر مما ننظر الى الوراء. قبل الاسلام كان العرب مشهورين بالفراسة، وجاء الدين الحنيف ليكرس ذلك ويضرب لنا الامثلة لنتوقع ماذا يمكن ان يجري. في القرآن الكريم «الم.. غلبت الروم في ادنى الارض. وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين» وفي الحديث النبوي الشريف «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» وفي تراث الخلفاء الراشدين صاح عمر وهو يخطب الجمعة يوماً «يا سارية الجبل». الفراسة نوع من انواع المعرفة بما يمكن ان يجري.. والخيال هو الذي صاغ عبقرية الشعراء العرب القدامى، وما كان الشعر العربي القديم ليخلد الا لأن صانعيه كانت لهم القدرة على الخيال الى ابعد مدى. والخيال ليس بالضرورة عمل الشعراء. انه كذلك عمل المفكرين والسياسيين والاقتصاديين والعلماء والباحثين وحتى التجار. هو اول الفضائل التي يجب تكريسها في النفوس كما يقول روجيه جارودي في كتابه البديل، والتخيل الخلاق شيء لازم لاعادة التنظيم الجذري لمجتمعاتنا. الحالة التي نمر بها ليست داء عضالا على اي الاحوال فقد مرت بها مجتمعات كثيرة لكنها تنبهت لعواقبها وايقنت خطرها فتغلبت عليها وارتدت الى فطرة الانسان الاساسية التي تتوق لمعرفة حوادث المستقبل. في عام 1909 استهزأ موظفو الجمارك البريطانيون من احتمال ان يستطيع المسافرون والبضائع التنقل عبر الجو واعتبروها نوعاً من التخرصات وفي عام 1920 كانت هناك مقترحات روج لها تشارلز ديول مسئول مكتب براءات الاختراع الاميركي باقفال باب منح براءات اختراعات جديدة لأن كل ما يمكن اختراعه قد اخترع بالفعل. وحينما فكرت شركة أي. بي. إم الاميركية اواخر الاربعينيات في انتاج كمبيوترات وبيعها في الاسواق قال توماس واسطون مدير الشركة وقتها ان السوق لا يمكن ان يستوعب اكثر من خمسة اجهزة كمبيوتر!! وفي عام 1957 اكد عالم الجو البريطاني ان الافكار التي تتحدث عن امكانية اطلاق سفن فضاء ليست الا نوعاً من الاوهام، ومن حظه السيئ ان السوفييت استطاعوا اطلاق اول سفينة فضاء في التاريخ (سبوتنيك1) بعد اسبوعين فقط من تصريحاته. اما اليوم فأصبح سبر اغوار المستقبل علماً يدرس في الجامعات الغربية واهتمت بنفس العلم اجهزة المخابرات وعلى رأسها المخابرات الاميركية فأصبحت تتكهن بمجرى الاحداث حول العالم، ليس ذلك فحسب بل ان احزاباً سياسية وشركات متعددة الجنسية اصبحت تبني استراتيجياتها عليه وما يتضمنه علم المستقبليات هو التخطيط للفترات المقبلة، بحيث لا يفاجأ احد بما لم يكن يتوقعه ويضع لكل توقع احتماله وردود افعاله. والعلم يستخدم النماذج الرياضية ويعتمد على مجموعة احصائية هائلة؟ ويستطيع أن يصوغ توقعات تصدق بنسب كبيرة ولعشرات السنين المقبلة، والتنبؤ في هذه الحالة يكون نوعاً من التنبؤ بالمستقبل وليس نوعاً من الرجم بالغيب. لو صادفت في طريقك قبل عشر سنوات شخصاً يتحدث عبر الموبايل في سماعة لا تراها لاتهمته بالجنون وربما كنت ايجابياً اكثر من اللازم واتصلت بأحد مستشفيات الامراض العقلية، باعتباره شخصاً خطراً يكلم نفسه اما اليوم فإن كيني هيرشورن عالم المستقبليات الذي تعتمد عليه عدة شركات للالكترونيات يتخيل ان تؤدي تقنية التحكم بالصوت التي تم اكتشافها الى اختفاء التكنولوجيا المحيطة بنا. كيف؟ يقول هيرشورن: سيكون مع الواحد جهاز صغير جداً مثبت حول معصمه او فوق نظارته. هذا الجهاز عندما تقول له كلمة السر سيقوم بايقاظك في الصباح، وقراءة بريدك الالكتروني ويطلب البقالة من السوبر ماركت، ويقوم باذاعة اغنيتك المفضلة في استريو المنزل او السيارة ثم يقوم بجولة عبر الانترنت لاخبارك عن افضل الطرق التي يجب عليك ان تسلكها ذهابا الى عملك. وبإمكانك أن تجعله يتصل لك بصديق اجنبي في بلد آخر ويظل معك على الخط كي يقوم بترجمة المحادثة بينك وبينه، ويمكن لهذا الجهاز العجيب ايضا ان يطلب لك مسئول الصيانة لاجراء كشف دوري على غسالتك في الموعد المحدد. من المؤكد ان المستقبل يحمل لنا ما لا يمكن ان نتخيله، فهل نظل اسرى العيش في الماضي. هل فكر أحد فينا ماذا يمكن ان تفعل المجتمعات العربية حينما يجد الغرب بديلا عن النفط، هل فكرنا ما هي خطط التنمية التي يجب ان نتعامل بها عندما يتضاعف عدد سكان الوطن العربي، ام عندما تنفتح شهية أميركا بعد العراق لتمتد الى أماكن أخرى؟ مسألة البديل الواحد والخيار الاستراتيجي الواحد ينبغي ان تختفي تماما من حياتنا فاذا كنا نضمن انفسنا اخلاقيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا فلا نضمن الآخر.. ذلك العالم الذي لا نستطيع ان نعيش دون تواصل معه، وتلك الحضارة التي تدفعنا الى الخلف كل يوم. الانبهار بما يجري والاكتفاء بملاحقة اخر الاختراعات ووسائل الحياة الكمالية لا يكفي: اذا اردنا أن نعيش الغد علينا ان نرسم ونخطط ونحلم ونتخيل ونبدع.. والا تحولت امتنا الى أمة منقرضة.. والا جاء جيل بعدنا ليقول كانت هنا أمة عربية، كما يمكن ان يقول الانسان بضمير مستريح وهو يسير بشوارع نيويورك وواشنطن كان هنا ذات يوم هنود حمر! ترنيمة أخيرة سمعت صوتا هاتفا في السحر نادى من الغيب غفاة البشر هبوا املأوا كأس المنى قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات