خط مباشر ـ الفتنة الفلسطينية ـ بقلم: أحمد عمرابي

الخميس 4 شعبان 1423 هـ الموافق 10 أكتوبر 2002 لو أن قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية تتعامل مع القوات الاسرائيلية بنفس الحزم الذي تتعامل به مع فصائل المقاومة الفلسطينية خاصة «حماس» لتطور اداء المقاومة ضد الاحتلال كما وكيفا. لقد نشأ الاشتباك الدموي المؤسف الذي وقع هذا الاسبوع في غزة بين قوات الأمن الفلسطينية وكوادر مسلحة من «حماس» عن حادثة فردية كان من الممكن للقيادة الفلسطينية تطويقها في مهدها قبل ان تتحول الى فتنة. لكن الامر بدا كما لو أن القيادات الامنية التابعة للسلطة أو بعضها كانت تتحين نشوء فرصة كهذه للتحرش بحماس. كانت الحادثة التي ادت الى وقوع الاشتباك مصرع ضابط شرطة من قوات الأمن برتبة عقيد على ايدي بضعة افراد. واذا كان هؤلاء الافراد ينتمون الى تنظيم حماس إلا انهم لم يتصرفوا بهذه الصفة. فقد كان دافعهم ثأرا عائليا خاصا. وتتلخص الرواية في ان عقيد الشرطة كان مسئولا عن مقتل طالب العام الماضي اثناء تصدي الشرطة الفلسطينية لمظاهرة جرت احتجاجا على اندلاع الحرب الأميركية ضد افغانستان. والآن وبعد عام تراءى لاخوة القتيل واعضاء آخرين من اسرته ان فرصة سنحت للاخذ بثأر اخيهم عندما ظفروا بعقيد الشرطة فقتلوه. وجاء رد الشرطة الفلسطينية فوريا وانفعاليا فهرعت قوة الى الاشتباك مع مجموعة من انصار حماس وكانت النتيجة مصرع اربعة فلسطينيين. وربما يقال ان تصرف السلطة الفلسطينية عبر قواتها الامنية كان صائبا من حيث اقرار سيادة القانون.. فمما لاشك فيه ان مجموعة القتلة أخذوا القانون في ايديهم متجاهلين السلطة. ولكن اذا كان من الممكن ان يكون هذا التبرير جائزا في أي دولة اخرى ذات سيادة كاملة، فانه قطعا لا ينسحب على الحال السائدة في ارض واقعة تحت احتلال اجنبي لا يستطيع الحكم الوطني فيها ان يبسط سيادته. ان الوضع الامثل بالطبع هو ان تحشد كل القوى الوطنية الفلسطينية على الصعيدين السلطوي والشعبي في اتجاه جهود تحرير الارض من الاحتلال. ولكن مسلك قوات الامن التابعة للسلطة الفلسطينية ظل منذ قيام هذه السلطة قبل ثماني سنوات موضع ريبة. فهناك قيادات أمنية لا تكتفي بتعويق النشاط النضالي الذي تمارسه فصائل المقاومة، بل تتجاوز ذلك على سوئه الى التعاون مع القوات الاسرائيلية. لذا جاء رد فعل الشرطة الفلسطينية على حادثة قتل زميل لهم غريبا على خلفية المشهد الفلسطيني العام. فقد كان الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يواجه عملية اجتياح اسرائيلية شاملة بالدبابات والمروحيات. واذا كان من الانصاف ان نقول ان قتلة الضابط الفلسطيني اختاروا توقيتا خاطئا للأخذ بثأر اسرتهم، فانه كان من المفروض ان تكون القوات الامنية الفلسطينية مشغولة بكل قواها ومواردها بالتصدي للاجتياح الاسرائيلي. لكنها لم تكن كذلك.. ولم يكن عزوفها هذه المرة عن منازلة القوات الاسرائيلية استثناء. فالمعروف ان قوات السلطة الفلسطينية تتخلى عادة عن شعبها في مثل هذه الظروف الحرجة. وهكذا كتب على الشعب الفلسطيني ومقاومته الوطنية ان يواجها تحديا مزدوجا: الاجتياحات الاسرائيلية من ناحية، وقوات السلطة الفلسطينية من ناحية اخرى. ان قادة الأمن التابعين للسلطة الفلسطينية يعتبرون ان واجبهم الأوحد هو منع فصائل المقاومة من ممارسة نشاطها النضالي باسم «التهدئة». وقد سمعنا وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية يدعو الى وقف الكفاح بشتى اشكاله بما في ذلك حتى الامتناع عن استعمال الحجارة او حتى الخروج في مظاهرات. وازاء هذا الاستفزاز لا يملك المرء الا ان يشيد بقادة فصائل المقاومة في صبرهم على اذى قوات السلطة وامتناعهم العقلاني عن تصويب سلاحهم نحوها حتى لا تقع حرب أهلية. ولقد كان المأمول دائما ان يراجع قادة السلطة الامنيون موقفهم تجاه فصائل المقاومة بعد ان ثبت ان الهدف الاستراتيجي الاكبر لارييل شارون ليس سوى ابادة الشعب الفلسطيني. فالرسالة الاسرائيلية من وراء مسلسل الاجتياحات الدموية الوحشية هي ان باب السلام قد اغلق نهائيا. ان المطلوب مثاليا من القوات الامنية الفلسطينية هو ان تنضم الى شعبها في مقاومته الوطنية الصامدة. واذا كان قادة السلطة الامنيون لا يجدون انفسهم راغبين او غير قادرين على المشاركة في المقاومة، فان الاجدر بهم على اقل تقدير ان يمتنعوا عن تعويق العمل النضالي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات