استراحة البيان ـ ثقافة الفلين ـ يكتبها اليوم: جمال الغيطاني

الثلاثاء 2 شعبان 1423 هـ الموافق 8 أكتوبر 2002 طوال العمر أمسك بالزجاجات محكمة الاغلاق بالفلين، أو كما نسميها بالعامية المصرية «الفلة» تلك السدادة المستديرة المبرومة التي يتراوح قطرها وطولها طبقا لنوعية الزجاجة وطول عنقها واتساع فتحتها، لم أفكر قط في تلك السدادة المتماسكة اللينة والتي يحتاج خلعها واخراجها إلى مهارة خاصة حتى يتم انتزاعها سليمة بواسطة فتاحة معدنية خاصة أو معالجتها بمهارة، وأحيانا تفشل المحاولة، ينكسر جزء منها فيتم دفعها إلى داخل الزجاجة حيث تعوم السدادة في السائل، سواء كان زيتا أو شربات أو ماء الورد أو أي سائل آخر بما في ذلك الأدوية، غير أن دفعها إلى الداخل يؤدي إلى بقاء الزجاجة بدون سدادة مما يعرض محتوياتها للتلوث، الفلين يحكم السد والاغلاق والمهارة في انتزاعه سليما بحيث يمكن أبقاء الزجاجة مغلقة به مع إمكانية فتحها في أي وقت بعد إبقاء جزء صغير من السدادة ظاهرة. الحقيقة أنني لم أتوقف ولم أفكر قط في الفلين، لم أسأل نفسي، من أي مادة هو؟ وكيف يصنع، ومن يحقق له تلك الاحجام المناسبة جدا للزجاجات بحيث تبقى محكمه الاغلاق، فكثير من المشروبات أو الأدوية أو السوائل يجب أن تظل بمعزل عن الهواء حتى لا تفسد المواد المحفوظة. أخيرا أدركت واكتشفت أن وراء هذه السدادات جهداً كبيراً وخطوات شتى قبل اكتمالها وقفت على ذلك أثناء زيارتي للبرتغال، الدولة الأولى لإنتاج الفلين في العالم وبعدها أسبانيا أي الأندلس العربي القديم، اكتشفت ذلك في أثناء إقامتي بمدينة سلفش جنوب البرتغال والتي كان اسمها في الزمن العربي سشلبس، هناك عاش الملك الشاعر المعتمد بن عباد، والوزير ابن عمار الذي كان شاعرا أيضا وقتل في صراع دامي مع صديقه المعتمد، في مدينة سلفش جمعية للأدب العربي تهتم بتراث البرتغال الأندلسي بعد أن كان مهملا لقرون طويلة وإلى وقت قريب، زرت البرتغال أول مرة عام أثنين وتسعين من القرن الماضي، أي منذ عشر سنوات، لم يكن الوجود العربي الذي استمر أكثر من خمسة قرون يحظى إلا بعدة سطور في الكتب التي يبلغ تعداد صفحات بعضها الألف، غير أنني رصدت ما تبقى من الزمن العربي في مشاهد وتفاصيل عديدة، في العمارة، في الطعام، في اللغة حيث توجد أكثر من ألف كلمة عربية لاتزال مستخدمة في اللغة البرتغالية. نزلت مدينة شلب مرتين خلال السنوات الأخيرة للمشاركة في مؤتمرات ثقافية محورها الأدب العربي، في سلفش مؤسسة نشيطة للثقافة العربية- البرتغالية تديرها مثقفة كبيرة، تتقن العربية ومعجبة بثقافتها هي السيدة أنا ماريا ميرا وقد دعتني مرتين للمشاركة، المؤسسة جزء من ظاهرة عامة في البرتغال نمت خلال السنوات العشر الأخيرة للاهتمام بتاريخ البرتغال العربي، تماما كما حدث في أسبانيا، حيث تم ترميم الآثار والمساجد والقصور، وأصبحت من أهم موارد السياحة في أسبانيا، في مدينة شلب أو سلفش الآن قلعة متكاملة، تقوم فوق هضبة مرتفعة تشرف على الوادي الذي يخترقه نهر جميل رقيق، في هذه القلعة التي لاتزال تحتفظ بتفاصيلها العربية الطراز عاش المعتمد بن عباد الشاعر الشهير وأحد ملوك الطوائف والذي أسره يوسف بن تاشفين وأرسله إلى مدينة أغمات في المغرب مكبلا بالقيود، ظل فيها حتى مات. في هذه المدينة الجميلة زرت متحفا جديدا افتتح منذ شهور، متحف خاص بالفلين، أقيم في بناء ضخم كان في الأصل مصنعا ضخما، بل أحد أضخم المصانع في العالم لتصنيع الفلين، المتحف ضمن خطة تتبناها وزارة الثقافة البرتغالية للحفاظ على الذاكرة الصناعية، بدأت هذه الخطة في أوائل الثمانينات من القرن الماضي واستهدفت إنشاء متاحف للصناعة في البرتغال، باعتبار أن التراث الصناعي قدم قيما جديدة للحضارة الإنسانية، كما أدخل مكونات جديدة في العمارة والنسيج والطعام وشتى فروع الحياة إلى غير ذلك من أنشطة لم يكن أحد يهتم بها في الماضي ولا يلتفت إلى جمالياتها الفنية والعلمية، تماما مثلي فلم أتعرف على قيمة الفلين،وأهميته إلا من خلال هذه الزيارة لذلك المتحف الفريد. قالت لي السيدة أنا ماريا ميرا قبل أن نجتاز بوابة المتحف إلى الفناء الداخلي الفسيح إن العديد من الممتلكات الخاصة والمتصلة بالصناعة بدأت تندثر وتختفي نتيجة التطور التكنولوجي، عندئذ بدأ القلق على التراث الصناعي وظهر ما يسمى هنا بعلم الآثار الصناعية القديم وكأنه يحتاج إلى ترميم فقط، لكنه بدا أيضا وكأنه أثر، يذكرني هذا بالمصابغ البلدية في القاهرة القديمة، ومصانع النسيج اليدوية التي لاتزال تعمل في صعيد مصر، ومصانع الزجاج اليدوي، استقر الرأي على إنشاء متحف لصناعة الفلين بدلا من القاء الآلات والأدوات القديمة، وهذا ما تم بالفعل من خلال اربع قاعات كانت في الأصل ورشا للتصنيع. في بداية الزيارة نتوقف في قاعة تعد المدخل، حيث تعرض أفلام قديمة عن الفلين، من خلالها عرفت ما هو الفلين الذي لم أهتم من قبل بمعرفة من أين جاء؟ الفلين مادة طبيعية مصدرها نوع معين من الشجر، في الأصل هو عبارة عن لحاء، أي قشرة خارجية لشجر البلوط الفليني، تتميز هذه المادة بأنها لا تمتص الماء بسهولة ويمكن ضغطها، غير أنها تعود إلى حالتها الطبيعية بعد زوال الضغط، يرجع استخدام الفلين إلى القرن الرابع قبل الميلاد، صنع الرومان منه صنادل، واستخدموه لتعويم مراسي السفن وشباك الصيد، أما سدادات الزجاجات فبدأت صناعتها منذ القرن السابع عشر الميلادي وبالتحديد في البرتغال لأن أشجار البلوط الفليني تنتشر بغزارة في البرتغال، وقد رأيت اللحاء المنتزع من الشجر، أنه قطع عريضة شبه أسطوانية تتبع استدارة الأشجار، يتراوح سمكها من سنتيمترين إلى ثلاثة، الشجرة تعيش ثلاثة أو أربعة قرون أي أنها شجرة معمرة، وينبغي أن يكون عمر الشجرة عشرين سنة حتى يصبح لحاؤها صالحا للاستخدام، ويسمى اللحاء الذي يؤخذ لأول مرة اللحاء البكر، ويتم تقشيره في شهور يونيو ويوليو وأغسطس، والشجرة تقشر مرة كل ثماني سنوات، وبعد نزع اللحاء مرتين تعطي الشجرة أنواعا جيدة من الفلين. تقشير الشجرة يتم باستخدام بلطة بمقبض طويل، أشكالها المختلفة معروضة في المتحف، يتم نزع اللحاء بالطول، من أعلى إلى أسفل، استخدام البلطة يجب أن يتم بحذر، إذا يجب ألا تجرح الغلاف الداخلي للشجرة، فلو جرح لن ينمو لحاء الفلين مرة أخرى. تؤخذ قطع اللحاء بنية اللون إلى المصنع ويتم غليها في الماء، وبواسطة سكاكين حادة، يتم كحت الطبقة الخارجية الرملية الخشنة، الغليان يؤدي إلى إذابة حمض التاينك ويفصله عن الفلين،وهذا يؤدي إلى نعومة اللحاء وبالتالي تصبح الشرائح لينة قابلة للطي في اربطة، ويصنف الفلين طبقا لنوعه وكثافته. عبر ورشتين رئيسيتين نرى مراحل تصنيع الفلين، وبالتحديد السدادات الخاصة بأنواع الزجاج، الورشة الأولى فيها أنواع الماكينات المستخدمة والتي هدفها تشكيل السدادات وتحديد أحجامها، هذه الماكينات مرت بمراحل مختلفة، في البداية كانت يدوية، ثم تطورت مع عصر النهضة الصناعية، وتوجد ماكينة ضخمة مهمتها توليد طاقة كهربائية تدير الماكينات الصغيرة، حجم الماكينة الأم المولدة للطاقة في حجم قاطرة من النوع القديم التي كانت تستخدم الفحم والماء لتوليد البخار، الورشة الثانية تظهر مراحل التصنيع، وفيه رأينا لحاء الشجر يدخل بعد غليه وتطريته ليقطع إلى شرائح مستطيلة تدخل في ماكينات تخرج منها سدادات مستطيلة تدخل في ماكينات تخرج منها سدادات مستديرة طبقا للمقاسات المطلوبة، ثمة سدادات مستطيلة وأخرى قصيرة أو متوسطة، قطر كل منها يتراوح طبقا للطلب ويمكن التحكم في تلك السدادات بالنسبة للحجم من خلال الماكينات المستخدمة. طبعا هناك مقاييس متعارف عليها بالنسبة للزجاجات، خاصة زجاجات النبيذ والمشروبات الكحولية، لكن توجد طلبات بمقاييس محددة. المثير بالنسبة لي تعقيد الماكينات المخصصة لإنتاج هذه السدادات التي كنت أتعامل معها ببساطة غير مدرك أو ملم بالخطوات العديدة التي تتم بدءا من انتزاع اللحاء من الشجر وغليانه بالماء، إلى تصنيفه ثم تقطيعه، غير أن السدادات ليست الاستخدام الوحيد للفلين، إنما يستخدم كمادة عازلة، لهذا يجمع ويضغط في شكل الواح وأغطية أنابيب، هكذا يستخدم في عزل أنابيب الفلين يطفو في الماء فإنه يستخدم في صناعة عوامات شباك الصيد، وتصنع شمعات الأرضيات بمزج مسحوق الفلين مع زيت بذرة الكتان، وينتشر هذا المعجون فوق قماش القنب أو الخيش، ويمكن جعل الأرضيات والجدران والسقوف عازله للصوت باستعمال ألواح الفلين. أعود إلى السدادات، هناك سدادات كاملة من الفلين تغطى بأوراق معدنية، وهناك سدادات معدنية لها سطح داخلي من الفلين الرقيق يحقق العزل للرطوبة وعوامل التأثير، وأذكر زجاجات المياه الغازية في الخمسينيات التي كان يلتصق بأغطيتها هذه الطبقات العازلة والتي كنت أتسلى بكشطها. الغريب أنني لم أكن أفهم تعبيراً عامياً متداولاً في مصر عندما يزعق أحدهم في مواجهة شخص معتد بنفسه قائلا: «انت عامل نفسك فله»؟، المقصود بالفلة طبعا سدادة الزجاجة، وحتى الآن ليس لدي تفسير مقنع لهذه العبارة، فالفلة هنا مرادفه للاعتداد بالنفس والشعور القوي بالشخصية، هل يعرف القائل تفاصيل الجهد الذي يسبق أعداد هذه الفلة من الأشجار حتى المصنع وصولا إلى الزجاجة ؟ أم لطبيعة الفلين الذي يبدو ليناً لكن لا ينفذ منه أي شيء، حتى الحرارة والرطوبة، ربما هذا التفسير أو ذاك، لكن المؤكد أنني شعرت وفهمت قيمة الفلين في هذا المتحف الفريد ولم أعد أتعامل معه بإهمال واحتقار، بل أصبحت أمسك بسدادة الفلين وأتخيل الشجرة الأم، والأيدي التي قطعت ونسقت وشكلت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات