خط مباشر ـ ما هو الهدف غير المعلن؟! ـ بقلم: أحمد عمرابي

الثلاثاء 2 شعبان 1423 هـ الموافق 8 أكتوبر 2002 ربما يكون صحيحا ان الهدف الاستراتيجي الاكبر غير المعلن للولايات المتحدة من اعتزام غزو العراق هو الاستيلاء على موارد النفط العراقية من اجل تنويع المصادر النفطية التي يعتمد عليها الاقتصاد الاميركي، او من اجل اتاحة المجال للشركات النفطية الاميركية للاستثمار في المخزونات النفطية العراقية الضخمة في اطار احتكاري. ولكن مع عدم اغفال أهمية هذا الهدف فإن ما تعكسه الشواهد العملية المتسلسلة هو ان الولايات المتحدة تهدف الى ابقاء العراق كسيحا ومقعدا. ولكي يبقى العراق على هذه الحالة المزرية فإن المطلوب استراتيجيا من وجهة نظر واشنطن هو ان يظل العراق مرتهنا الى نظام العقوبات المفروض عليه منذ عام 1991 الى الأبد. ان المبدأ الاساسي الذي يرتكز عليه نظام العقوبات المفروضة هو سلب الدولة العراقية سيادتها الطبيعة على موارد اقتصادها الوطني على مستوى الدخل والانفاق كما لو كان العراق مستعمرة. فالحكومات العراقية باتت بعد تطبيق العقوبات لا تملك سلطة القرار الاقتصادي على اي من القطاعات المفتاحية للاقتصاد الوطني. فاللجنة الدولية لتطبيق العقوبات هي التي تقرر للعراق معدل انتاجه النفطي وهي التي تشرف على الصادرات النفطية وهي التي تتسلم العائدات المالية للتصدير.. وكذلك هي وحدها التي تقرر بعد ذلك اوجه الصرف من هذه العائدات وكيفية الصرف حتى على مستوى ادنى التفاصيل. واجمالا فإن اكثر من نصف العائدات المالية لصادرات النفط العراقي لا تتلقى منها الدولة العراقية شيئا.. فهي تخصص كأموال تعويضات للدول والشركات والمنظمات الاجنبية والافراد المتضررين من الغزو العراقي للكويت. اما النصف الآخر من العائدات المالية فإن الدولة العراقية لا تستفيد منه الا نظريا، فهو من المفترض ان يكون مخصصا لاستيراد السلع والخدمات المتنوعة التي يحتاجها العراق. لكن حتى الانفاق من هذا البند تتحكم فيه بالكامل اللجنة الدولية للعقوبات.. فهي التي تنفرد بسلطة الموافقة او الرفض للطلبات الاستيرادية التي تتقدم بها الحكومة العراقية. وعلى صعيد التطبيق العملي ظلت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ترفضان معظم الطلبات العراقية بحجة ان هذه السلعة او تلك يمكن ان تكون قابلة لاستخدام مزدوج: مدني او عسكري. وما كان لهذا الوضع ان يستمر دون ان يثير ضجة عالمية فعند دخول نظام العقوبات عامه الثالث اخذت الاصوات ترتفع في شتى العواصم العالمية بما في ذلك العواصم الغربية تندد بالتأثيرات التدميرية المتعاظمة على الشعب العراقي من انتشار الجوع والامراض والأوبئة الفتاكة وتصاعد معدلات موت الاطفال بسبب سوء التغذية او امراض كالسرطان. ومع تفاقم الضجة العالمية اضطرت الولايات المتحدة للتراجع تكتيكيا. وتحت ضغط دول اعضاء اخرى دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي ـ فرنسا وروسيا والصين ـ على خلفية هذه الضجة العالمية ابتدعت الولايات المتحدة نظام «النفط مقابل الغذاء» وبعد ان دخل هذا النظام مرحلة التطبيق بموافقة مجلس الامن اخذ يفرز نتائج لم تكن منظورة مسبقا لدى واشنطن ـ ولم تكن مصدر سرور لها. ان نظام «النفط مقابل الغذاء» ينطوي على مرونة نسبية في تطبيق العقوبات المفروضة على العراق، فوفقا لهذا البرنامج تخصص نسبة معينة من عائدات صادرات النفط العراقي لتكون تحت تصرف الحكومة العراقية لاستيراد الاغذية والادوية الضرورية لشعبها ورغم ان الطلبات العراقية في هذا الصدد تخضع في النهاية لموافقة اللجنة الدولية للعقوبات التي تتكون من دول مجلس الامن الكبرى الخمس وتتمتع كل دولة عضو فيها بحق «الفيتو» إلا ان الولايات المتحدة اضطرت الى تخفيف معارضتها داخل اللجنة نسبياً. لكن ما لم يكن منظوراً بصورة مسبقة هو ان برنامج «النفط مقابل الغذاء» احدث انتعاشا نسبياً في الاقتصاد العراقي مع تصاعد اسعار النفط العالمية، مما ادى بدوره الى تحول ملحوظ في علاقات العراق التجارية، فقد كسرت دول حاجز العقوبات بالدخول في استثمارات في السوق العراقية.. هنا توقفت الولايات المتحدة لابتداع آلية اخرى لرد «اعتبار» نظام العقوبات فبرنامج النفط مقابل الغذاء لم يؤد فقط الى كسر حاجز العقوبات بل دفع بالحكومة العراقية الى التبرع ماليا بسخاء للانتفاضة الفلسطينية. وبموجب هذا التبرع خصص مبلغ 25 الف دولار لكل اسرة فلسطينية تفقد احد افرادها كشهيد. «العقوبات الذكية» كانت الآلية الجديدة التي ابتدعتها الولايات المتحدة لانقاذ نظام العقوبات العتيق.. وهي في جوهرها تعديل لبرنامج «النفط مقابل الغذاء» بغرض اعادة تضييق الخناق الاقتصادي على العراق. لكن هذه البدعة جاءت كما اكتشفت واشنطن بعد فوات الاوان فعلى خلفية تصاعد موجة الاحتجاج العالمية ضد العقوبات المفروضة على العراق والمطالبة بالغائها نهائيا، اخذت القوى الدولية الثلاث في مجلس الامن الدولي ـ فرنسا وروسيا والصين، تجهر بمعارضتها وتحديها للولايات المتحدة، مطالبة هي ايضا بأن الأوان قد آن لتحرير العراق من العقوبات. ازاء هذا التطور الخطير كان لابد لواشنطن من ان تخرج على العالم ببدعة جديدة وقد كان والبدعة الجديدة اسمها «اسلحة الدمار الشامل».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات