استراحة البيان ـ جيل يحاول القراءة ـ يكتبها اليوم: محمد الخولي

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 تعلّم جيلنا مهارة القراءة، وكانت تلك نعمة مهداة الى مكانتنا في محيط الحارة في المدينة ومحيط الأقارب والأنسباء في القرية (في زيارات الأجازة الصيفية) حيث كان أهلونا من الفلاحين الفقراء والبسطاء يرمقوننا بإعجاب لا يخفى ونحن نفك طلاسم الحروف وترتفع عقائرنا الصبية بالجمل والتراكيب والعبارات، ويعلم الله أن كان أكثرها مشوبا بأخطاء لا تحصى من حيث النحو والصرف وقواعد العربية الشريفة التي كانت مهيضة ولاشك على ألسنة «الأساتذة المتعلمين المتنورين» أولاد المدارس وطلبة العلم المرشحين في نظر عامة القوم المناصب والوظائف يتبوأونها يوما ويتقاضون عن ذلك في كل شهر مبلغ 15 جنيها باعتبارهم من الدرجة السادسة الفنية ـ بعد إذنك ـ ومن فئة الكادر العالي، وما كان ذلك بالأمر الهين ولا هو بالقدر اليسير. كان طبيعيا أن نواصل الطموح الى حيث انفتحت شهيتنا على القراءة والاطلاع.. وبعد مرحلة روايات الجيب الشهيرة وكان بطلها اللص الفرنسي الظريف أرسين لوبين وهي أعمال من سقط المتاع في مجال الرواية البوليسية ولكنها كانت بالنسبة لأذواقنا المبتدئة الساذجة روائع من فن القصّ وأمهات في مضمار الابداع - بعدها تحولنا الى كتب مترجمة أخرى وربما صادف ذلك اشتعال أوار الحرب العالمية الباردة عند أعالي عقد الخمسينيات ومن ثم اشتداد ساعد الدعايات والترويجات وفنون تسويق الأفكار والنظريات التي كنا فيها - دون أن ندري - محل منافسة كم كانت شرسة ضارية بين الخصمين اللدودين وقتها®. أمركا وروسيا. قطبا المنافسة في تلك الفترة كانت المكتبة الأميركية مطبوعات مؤسسة فرانكلين في جانب أميركا، أما في جانب روسيا فكانت مكتبة الشرق في قلب القاهرة الحديثة - قاهرة شوارع سليمان باشا وفؤاد (26 يوليو) وجروبي وسينما مترو وما حولها. ولأن نهم القراءة كان يستبد بنا فلم نكن نلقى كبير بال الى حكاية منافسة المعسكرين ولا اندلاع حرب باردة ولا فاترة ولا ساخنة بينهما®. كان المهم أن نحصل على كتاب وأن ننعم بتقليب الصفحات ونكاد نشم عطر الورق ثم تصافح عيوننا حروف الكلام في حماس متوهج وشوق الى القراءة عارم ملهوف. لكن مع زيادة الوعي السياسي، وعلى وهج تطور أحداث المواجهة بين العرب ودول أوروبا وأميركا®. بدأت المسألة تتضح والأمور تزداد تبلورا®. ومع هذا الوضوح شرعنا في تكوين آراء خاصة بنا وأفكار تنتمي الى هموم وقضايا الجيل الذي نندرج فيه. هكذا زعلنا كثيرا من عباس العقاد، وكان العبد الفقير يضمر له إعجابا شخصيا رغم قسوة أسلوبه النثري وجفاف ابداعه الشعري®. وكان مصدر الزعل أن الكاتب المصري العربي الكبير أصدر حلقة جديدة في سلسلة العبقريات بعنوان «عبقرية®. فرانكلين»! وبهذا سلك السياسي المفكر الأميركي صاحب هذا الاسم (1706 ـ 1790) ضمن حبات العقد الفريد الذي نظمه العقاد ليضم عبقريات محمد والمسيح عليهما السلام الى جانب عبقريات عمر والصديق وخالد رضي الله عنهم أجمعين®. (مع سنوات النضج وتجارب العمر الصعبة وجدتني أتعاطف إنسانيا مع العقاد فقد كان قد تجاوز الستين من العمر وربما كانت الظروف صعبة وضرورات المعاش شديدة الإلحاح الى حد الضعف ـ الانساني أيضا) ولكن كم وددت لو كان الأستاذ الكبير قد تجنب صفة «عبقرية» وكتب ما شاء عن فرانكلين®. ولحساب مؤسسة فرانكلين التي كان يقوم على أمرها نفر من خيرة مثقفي مصر®. وخاصة من فطاحل المترجمين وكان في مقدمتهم المرحوم محمد بدران الذي قدم الى القارئ العربي ترجماته الدقيقة والبليغة للعمل الموسوعي الذي وضعه الكاتبان الأميركيان ويل ديورانت وزوجته بعنوانه الشهير «قصة الحضارة» وفيه أنصفا الى حد كبير حضارة العرب والمسلمين. على أننا لم نبدأ قراءاتنا الأميركية كما قد نسميها بمجلدات قصة الحضارة®. أولا أنها كانت غالية الثمن متعددة الأجزاء بشكل لم تكن تطيقه لا جيوبنا ولا قدراتنا المعرفية®. وكان حسبنا أن نطلع من واردات أميركا على كتابات قدموها لنا ونحن في فترة المراهقة تحت أضواء وفلاشات من الاعلانات الملفتة وبأسعار كانت معقولة وترجمات لم نكن نعرف مدى دقتها: هي تلك الكتابات التي تطرح نفسها على طريقة سندويتشات التيك أواي. وكان معظمها تحت عناوين من قبيل «كيف تنجح في العمل» و«كيف تنجح في الحب» ولا أكتمك أن أقبلنا في شغف مشبوب على حكاية النجاح في الحب ولمّا نحقق فيه شوطا ولا ذقنا أي طعم لنجاح! كانت هذه الكتب الأميركاني تقدم من جانب مطبعة أو مكتبة أذكر أن عنوانها كان «منشورات كامل مهدي» وكان الأستاذ مهدي هو المترجم والناشر والطابع والمعلن وطبعا كاسب الأرباح. ويشهد الله أن الكتب ـ رغم ركاكة أفكارها ـ إلا أنها كانت مصقولة الورق أنيقة التجليد مزينة بصور أو رسومات توضيحية على طريقة مجلة «الريدرز دايجست» وطبعتها العربية الشهيرة باسم «المختار». من تلك الكتب ذاع وانتشر وسجل كل الرواج كتاب بعنوان «كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء» وكان مثل سابقيه من تأليف كاتب أميركي اسمه «ديل كارنيجي». ويعلم الله أن ظللت حتى عهد جد قريب أتصور ـ واهما بالطبع ـ أن الأخ كارنيجي هذا كان المحسن الكريم البار الذي تنسب اليه مؤسسة كارنيجي ـ الوقفية الشهيرة التي رصدها صاحبها لخدمة أغراض الثقافة والسلام. والحقيقة أن أندرو كارنيجي المحسن (1835 ـ 1919) هاجر من اسكتلندا الى أميركا حيث أصبح من ملوك صناعة الصلب ثم اهتم بقضايا الثقافة وخدمة المجتمع (ليت هذا الاهتمام ينتقل الى بني قومنا من أباطرة الأموال وبارونات الثراء العريض) وكان أن وهب أموالا طائلة مرصودة لإنشاء مكتبات وتمويل منح دراسية دع عنك قاعة كارنيجي الشهيرة للموسيقى السيمفوني والمناسبات التاريخية في وسط مانهاتن بمدينة نيويورك. أما الأخ ديل كارنيجي (1880 ـ 1958) فهو صاحب أكثر الكتب مبيعا في تاريخ أميركا®. كان مدرسا لفنون الالقاء والخطابة وجاء من أقنعه بتحويل محاضراته الى تلك الكتب المبسطة التي تتفق مع أذواق الأميركان في الاختزال والسرعة والتبسيط®. وهكذا توالت الكتابات: «ست طرق لكسب الأصدقاء» (حرفيا لكي يحبك الناس) و«سبع طرائق لاضفاء مزيد من السعادة على حياتك المنزلية» و«12 طريقة تكسب بها الآخرين الى طريقة تفكيرك». ومن الطريف أن مرجعا رصينا ـ مثل موسوعة «بنيت» الأميركية لم تتردد في وصف هذه النوعية من الكتب فتقول إن حكاية كيف®. وكيف هذه كانت علامة على كتابات رائجة موجهة حول إحراز النجاح وتحسين الحياة الشخصية ولكنها كانت تحض الناس على اتباع أسلوب بالغ الضحالة في حل المشاكل التي يصادفونها. أيا كان الأمر فالظاهر أن هذه الأمركة الفكرية لم تحز من جيلنا قبولا يذكر وسرعان ما انصرفنا عن ترجمات الأستاذ كامل مهدي وكان أن شدتنا مكتبة الشرق التي ارتبطت بالثمار الفكرية والعلمية وقتها التي يصدرها الاتحاد السوفييتي. لماذا؟ أولا لأن دار الشرق كان اسمها موفقا بحيث راق لأذواقنا وثانيا أنها ارتبطت باسم الدكتور محمد مندور وهو كما قد تعلم من أعلام النقد الأكاديمي واللغة والصحافة الفكرية وكان يرأس تحرير المجلة الأدبية الصادرة عن الدار وثالثا لأن الاتحاد السوفييتي كان يقف مؤيدا لقضايا أمتنا العربية يستوي في ذلك مجال الحماية من الفيتو الأميركي في مجلس الأمن ومجال إيفاد الخبراء والمهندسين لدعم جهودنا في تشييد السد العالي في أسوان ورابعا لأن دار الشرق كانت تشمل كتبا مترجمة الى العربية في مجالات الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا وأخيرا. وهذا هو الأهم أنك كنت تزور المكتبة المذكورة في شارع قصر النيل من ناحية ميدان التحرير وتدفع نحوا من نصف جنيه أو بالكثير الكثير ثلاثة أرباعه (وهل في الطوق أكثر من ذلك؟) ثم تخرج من المكتبة العتيدة محملا بمجلدات دقيقة الترجمة.. ناصعة الديباجة لأقاصيص انطون تشيكوف أو روايات جوجول أو أشعار بوشكين. وقد تفوز ـ فوق البيعة ـ بابتسامة أو ابتسامتين من ثغر فتاة الصندوق المليحة (الكاشير) التي قيل أنها ثمرة زواج سعيد نسجت خيوطه على نول الصداقة العربية ـ السوفييتية. أنت إذن الكسبان في كل حال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات