خط مباشر ـ جنوب السودان والانفصال ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاحد 29 رجب 1423 هـ الموافق 6 أكتوبر 2002 هل أدركت الحكومة السودانية أهداف الاستراتيجية التفاوضية لحركة قرنق؟ ان المأمول ان تكون الحكومة قد أفادت في فترة انقطاع العملية التفاوضية للتفكر في الرؤية الحقيقية للحركة تجاه مستقبل العلاقة بين شمال السودان وجنوبه. قد يقال انه ليست هناك حاجة الى التفكر بعد ان تم التوقيع بين الطرفين المتفاوضين في يوليو الماضي على اتفاق الاطار او اعلان المبادئ. لكن مسلك وفد الحركة في بداية الجولة الثانية للتفاوض يجعل التزامها بالبنود التي اتفق عليها موضع شك. ان من أهم هذه البنود.. أولا الاتفاق على الحدود الجغرافية لجنوب السودان باعتماد الخطوط الحدودية الاصلية التي ولد على أساسها السودان كدولة مستقلة في الاول من يناير عام 1956. وثانيا الاتفاق على ابقاء نظام حكم الشريعة الاسلامية في الشمال مع تطبيق نظام علماني في الجنوب. فماذا جرى في الجولة التفاوضية الثانية؟ لقد حاول وفد الحركة الالتفاف على هذين البندين الى درجة التراجع عن الالتزام بأي منهما. فقد طالب الوفد بتوسيع الرقعة الجغرافية للجنوب في اتجاه الشمال لتضم ايضا منطقتي جبال النوبة «والانقسنا». ثم طالب باستثناء الخرطوم من تطبيق قوانين الشريعة باعتبارها عاصمة قومية لكل البلاد رغم وجودها في الشمال. ان تراجع الحركة عن هذين البندين يجب ان يضاف اليه اجندة اخرى شرعت حركة قرنق في عرضها في الجولة التفاوضية الثانية وتكشف عن التوجه الاستراتيجي التفاوضي للحركة. لقد بات ثابتا الآن ان الهدف الاستراتيجي الاعظم لحركة قرنق هو فصل جنوب السودان والانفراد بحكمه كدولة مستقلة. وأبادر فأقول ان هذا التوجه لا غبار عليه من حيث الحق المبدئي لشعب الجنوب في تقرير مصيره بما في ذلك خيار الانفصال الكامل. لكن ما ينبغي ان يكون مكان اعتراض هو ان الحركة تسعى الى استغلال الشمال وموارده تحت اسم خيار الوحدة من أجل ارساء قواعد الدولة الجنوبية المستقبلية. ان جون قرنق ان يضمر خيار الانفصال يعلم في الوقت ذاته علم اليقين ان الجنوب المدمر لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب لا يملك المقومات الأولية لقيام دولة مستقلة بأي حد ادنى وبأي معيار اقتصادي او اداري او سياسي، ومن هنا فان قرنق ينظر الى المرحلة الانتقالية لمدى ست سنوات المنصوص عليها في اتفاق اعلان المبادئ لا كمرحلة لترسيخ مفهوم الوحدة بين الجنوب والشمال وانما كفترة لبناء مؤسسات حكم وادارة في الجنوب واقامة بنية اقتصادية مما يسمح باكتمال بنيان دولة تكون جاهزة للاعلان عنها عند نهاية المرحلة الانتقالية. السؤال الذي ينبغي ان يطرح اذن من وجهة نظر شعب الشمال هو: لماذا ينبغي علينا أن نسخر مواردنا الاقتصادية والادارية من أجل تعمير منطقة واشادة بنياتها التحتية بينما يراد لهذه المنطقة ان تنفصل عن الشمال لتصير دولة مستقلة؟ ان ما يتأمله شعب شمال السودان في توقف حرب دام أمدها حتى الآن نحو نصف قرن بمعدل انفاق بنحو مليون دولار يوميا هو ان يتخلص من الاعباء الاستنزافية لهذه الحرب وانعكاس هذا الاستنزاف المتصل على الاقتصاد الوطني. ولكن اذا كان توقف الحرب وحلول السلام يعني استمرار هذا الاستنزاف وربما بمعدل اكبر تحت اسم اخر ـ اي اعادة تعمير الجنوب ـ ليعقبه بعد ذلك انفصال الجنوب فان السلام يكون في هذه الحالة كارثة عظمى على الشمال. ومع ذلك نقول ان الانفصال سواء من وجهة النظر الجنوبية او الشمالية ـ هو افضل حل لمشكلة مخضرمة ثبت عمليا فشل كل حل اخر لها.. لكن بشرط ان يتحقق الانفصال اليوم قبل الغد. هذا هو الخط الاستراتيجي الاساسي الذي ينبغي ان يتسلح به الوفد التفاوضي الحكومي عندما يستأنف المسار التفاوضي للجولة التالية في ماشاكوس. ان البنود التي تشتمل عليها اجندة قرنق يتصدرها قضيتان: اقتسام السلطة واقتسام الثروة. والسؤال هو: كيف اقتسم مواردي مقدما مع قوم يضمرون نية الانفصال عني؟ ان ما تضمره الحركة ايضا هو ان تنفرد هي دون القوى السياسية الجنوبية الاخرى بحكم جنوب السودان. يستشف هذا الاستنتاج من تصريح لجون قرنق نفسه اعلن فيه انه لا يعتزم تفكيك جيشه اطلاقا حتى خلال المرحلة الانتقالية. لكن اذا تبلورت فعلا قناعة شمالية حول فكرة الانفصال الفوري للجنوب فان مشكلة من يحكم جنوب السودان سوف تصير مشكلة جنوبية ـ جنوبية، لا دخل للشمال بها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات