شارون بين الدعم الأميركي والضعف العربي ـ بقلم: خورشيد دلي

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 يمكن القول ان العلاقة الاميركية الاسرائيلية في عهد بوش الابن وشارون انتقلت من مرحلة الشراكة المغلفة الى الشراكة المعلنة وبموجبها انتقلت واشنطن من دور الراعي لعملية السلام في الشرق الاوسط الى دور التواطؤ مع تل ابيب، حتى بدا وكأن اتفاقا جرى بين الجانبين على احداث تعديل حيال اطراف عملية السلام، وتحديدا الجانب الفلسطيني على نحو جعله عاجزا بغية فرض صيغة جديدة عليه، وفي ظل هذه المعادلة شهدت العلاقة بينهما ما يمكن تسميته بذهاب كل طرف الى اقصى ما يمكن في تحقيق مراميه بوساطة الطرف الاخر، مستفيدا من مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. وفي الواقع منذ هذا التاريخ بدا بوش وشارون وكأنهما امام فرصة لم تكن في الحسبان في السابق لتحقيق اهداف سياسية قديمة ـ جديدة فالاول اراد مما حصل في افغانستان قاعدة يمكن ان تطبق على العراق وايران وكوريا الشمالية.. وعليه اطلق ما اسماه بمحور الشر، والثاني وجد في كل هذا فرصة لتحقيق حلمه في التخلص من اوسلو والقيادة الفلسطينية وعرفات، وان كان هذا قد يسبب بعض الاحراج لواشنطن وسياستها الشرق أوسطية تجاه بعض اصدقائها العرب وبالدرجة الاولى مصر والسعودية وبينما انخرطت واشنطن في السير نحو اهدافها وتحقيق الخطوات المطلوبة دوليا واقليميا لانجاز مراحل حملتها المفتوحة فان شارون وجد في الخيار العسكري الدموي افضل وسيلة لخلق واقع ميداني على الارض لنسف ماتم انجازه على الصعيد الفلسطيني، وعليه جاء خياره الدموي في اقتحام المدن الفلسطينية ممارسا القتل والتدمير والحصار وبالتوازي مع هذا الخيار الدموي مارس خيارا دبلوماسيا امنيا باردا بهدف ايجاد قيادة بديلة لعرفات، وقد عرف شارون كيف يستغل التباين القائم في الادارة الاميركية بين ما يمكن تسميته بتيار معتدل (باول) وآخر متشدد (تشيني ـ رامسفيلد) ممارسا الخطاب الاميركي نفسه بخصوص الارهاب وفي الصاق هذه التهمة بالفلسطينيين. في ظل هذا الوضع فان السؤال الذي يطرحه الجميع، هو الى اين يريد شارون ان يصل بالوضع في الاراضي الفلسطينية والمنطقة عموما؟ هل يريد من حملته الدموية ايصال الوضع في الاراضي الفلسطينية الى نقطة محددة كي يتمكن عندها من فرض شروطه على الجانب الفلسطيني؟ ام انه يريد تفكيك السلطة الفلسطينية عبر القضاء على بنيتها وايجاد ادارة مدنية في المناطق الفلسطينية باشراف السلطات الاسرائيلية؟ واذا كان ما سبق يعني نهاية مرحلة اوسلو فهل هذا يعني ان شارون يريد تفكيك مجمل عملية السلام والقضاء عليها مرحلة مرحلة؟ واذا كان هذا هو هدف شارون فكيف سيكون الموقف الاميركي؟ هل ستذهب الادارة الاميركية معه الى النهاية في اطار سياسة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ام ان لها مشروعها الذي يتعارض مع مشروع شارون على الارض؟ واذا كانت الادارة الاميركية في الوارد الاول فكيف سيكون الموقف العربي؟ هل سينتظر العرب المزيد من التدمير الاسرائيلي والتواطؤ الاميركي حتى تتضح لديهم الصورة ام ان الصورة واضحة وهناك عجز عربي لايمكن تجاوزه في ظل التشتت الحاصل؟ من الواضح ان ما يجري الآن ليس انهاء لحالة (العنف الفلسطيني) كما يقول شارون ووضع تدابير معينة لاستئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، كما هو ظاهر الحال، بل شيء مختلف تماما، هو اغلاق جميع الابواب من اجل نسف ما تم انجازه، وخلق واقع جديد يمكن على اساسه ان ينفذ شارون خطته في وقف كامل للعنف (الانتفاضة) وضع نهاية لمرحلة مدريد وايجاد اسس جديدة للتفاوض مع العرب، اسس خارج مرجعية مدريد ومبدأ الارض مقابل السلام والقفز فوق القرارات الدولية: 242 ـ 338 ـ 425، الغاء اتفاق اوسلو والبحث عن اتفاق مرحلي جديد يقوم على عشر سنوات من التفاوض على ما منحته اوسلو للفلسطينيين من سلطة في الضفة والقطاع على ان يقوم شارون او من يخلفه خلال هذه الفترة بتطويق الضفة بالمستوطنات وتحويل المدن الفلسطينية الى كانتونات معزولة تحت السيطرة الامنية الاسرائيلية في اطار اعتبار هذه الارض ارضا تاريخية حيوية لاسرائيل من اجل جلب مليون يهودي من انحاء العالم اليها. على الارض، انتجت الحرب الشارونية وقائع جديدة وقائع قاسية بالنسبة للفلسطينيين، اراد شارون منها حشر السلطة الفلسطينية ورئيسها عرفات في الزاوية القصوى، بغية وضعها امام استحقاقات امنية وسياسية تسبق صيغ جديدة للتفاوض على قضايا حيوية في مجرى الصراع، وهي قضايا القدس اللاجئين ووضع الضفة الغربية، اذ يرى شارون ان حربه التدميرية الجارية تحت عنوان (مكافحة الارهاب والقنابل البشرية) هي افضل وسيلة لتحقيق الاهداف المذكورة بعدما تأكد له ان السلطة الفلسطينية في كامب ديفيد قالت كلمتها النهائية بخصوص هذه القضايا شكلا ومضمونا، وانها ليست في وارد تقديم المزيد من التنازلات بهذا الخصوص. ومادامت السلطة الفلسطينية ليست في وارد التسليم بشروط شارون (لان ذلك يعني نهايتها السياسية) فان الاخير وبدعم اميركي ولاستحقاقات داخلية سيتجاهل الابعاد السياسية للعملية السلمية، مشهرا خياره الدموي، فهو الجنرال الذي يعيش في الماضي بعقلية الصهاينة الاوائل من امثال: هرتزل وجابوتنسكي ولعل هذا ما يفسر تشبيه المحللين السياسيين لما يحدث في الاراضي المحتلة بمرحلة 1948 ومحاولة الغاء مرحلة مدريد ـ اوسلو وترتيب الامور لعودة الادارة المدنية بعد ايجاد قيادة محلية بديلة، قوامها الشرطة التي ستقوم بمهام حفظ الامن للاسرائيليين وتحويل الفلسطينيين الى مرابين لديهم، واوراق شارون في هذا المجال كثيرة، ولعل اهمها: ـ البنية السياسية والحكومية في اسرائيل، فهناك اجماع في الداخل على قيادة شارون في هذه المرحلة بعد ان نجح الاخير في الحاق حزب العمل ببرنامجه واولوياته وهمش القوى والجماعات الاخرى. ـ الدعم الاميركي اللامحدود له والذي وصل الى درجة التواطؤ معه في تنفيذ مخططه على الارض وتقويض بنية السلطة الفلسطينية تحت شعار مكافحة الارهاب، ومحاولة الدفع بالسلطة الى موقع الصدام مع الفصائل الفلسطينية الاخرى (حماس ـ الجهاد ـ الجبهة الشعبية ـ الديمقراطية.. الخ) بما يعني ذلك تفجير حرب اهلية حيث بات لسان حال البيت الابيض يقول: نريد بديلا لعرفات. ـ الموقف العربي والاسلامي الضعيف الذي لا يرتقي الى مستوى التحدي ولا يعرف كيف يستخدم اوراقه في مثل هذه المعركة الحاسمة، فالفلسطينيون يشعرون وكأنهم مجردون من ثقل البعدين العربي والاسلامي في معركتهم غير المتكافئة مع اسرائيل على الارض. وفي الواقع طالما ظلت معادلة الدعم الاميركي مستمرة مقابل الضعف العربي ـ الاسلامي، فان عملية «السور الواقي» التي اطلقها شارون ستستمر من مرحلة الى اخرى على حساب المأساة الفلسطينية التي حان الوقت لوضع نهاية لها. ـ كاتب سوري

تعليقات

تعليقات