هل يلعب العرب دوراً في صناعة منافس لأميركا ؟! ـ بقلم: د. طلعت شاهين

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 يعتقد بعض المراقبين السياسيين والمحللين الاستراتيجيين أنه على الرغم من مرور اكثر من عقد من الزمان على سقوط جدار برلين عام 1989، وما تلاه من سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي، وحتى أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن، وما تلا ذلك من اندفاع اميركي، أو «بوشي» (نسبة إلى جورج دبليو بوش) نحو وضع العالم على حافة حرب ساخنة، تؤكد أنه لم يتم بعد حسم زعامة العالم لصالح قوة معينة. لذلك يعتقدون أن المرحلة الراهنة التي تجري أحداثها الآن هي التي ستحدد تلك الزعامة التي ليس من المحتم أن تكون أحادية القطب كما يروج البعض، بل يمكنها أن تكون ثنائية القطبية من جديد، وبعض المتفائلين كثيرا يعولون على التكتلات الإقليمية للعمل على تفتيت الزعامة الأحادية أو الثائية للوصول بها إلى الزعامة المتعددة، مع اختلاف درجات قوة أطرافها. هذه النظرية ربما تجد من يؤيدها من خلال قراءة الواقع، وأيضا يمكن دحضها من خلال قراءة الواقع نفسه، لأن قراءة الواقع السياسي الدولي اليومي فيه الكثير من التقدم والتراجع عن المواقف، وأحيانا يتم التقدم خطوة إلى الأمام باتجاه موقف ما والتراجع عنه في اليوم نفسه، بل وقبل انه تغرب شمسه، من هنا يصبح صعبا التنبؤ بشكل قاطع بالنتيجة النهائية لتحركات هذا الواقع، وبالتالي من الصعب تأييد أو رفض أي من النظريات المطروحة على ساحة الاستراتيجية الدولية. ما أن سقط جدار برلين قبل ما يزيد قليلا عن عقد من الزمان تنبأ الكثيرون ببدء «العصر الاميركي»، أو «عصر الإمبراطورية» الاميركية، وارتكزوا في تحليلاتهم على اعتبار أن الغرب كله كان يعيش تحت حماية زعامتها خلال فترة الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وبروز الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى مختلفة الأيدلوجية والتوجه الاقتصادي، وبالتالي التوجه السياسي، لذلك رأوا أنه باختفاء القطب الشرقي المتمثل في الاتحاد السوفييتي، وما كان يمثله من قوة عسكرية وأيدلوجية، فإن الغرب بالضرورة سيسلم الراية للولايات المتحدة باعتبارها حامي حماه ومنقذه من هتلر أولا، ثم كان دعمه الكبير للغرب حاسما وضروريا خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت بزوغ نجم ستالين وتطلعاته للسيطرة على الغرب نفسه إن أمكن، أو على اقل تقدير منافسة هذا الغرب الرأسمالي من خلال التسلل إلى مستعمراته السابقة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. هذا التحليل له وجاهته، خاصة أنه لحظة سقوط جدار برلين شهدت تمددا اميركيا باتجاه أوروبا الشرقية، أو ما تبقى من دويلات انفصلت عن الاتحاد الروسي وأعربت منذ اللحظات الأولى لانفصالها عن رغبتها في أن تدور في فلك الدولار الاميركي، في الوقت الذي كان فيه الأوروبيون الغربيون منقسمون حول إصدار عملة موحدة تؤكد على وحدتهم الاقتصادية دون أي حديث يذكر عن الوحدة أو التوجه السياسي الواحد في مجال السياسة الدولية، وهو أمر كان مستغربا لدى كثير من الخبراء، ولا يزال، من جانب العديد من المراقبين الذين يرون أن أي تكتل اقتصادي لا يكتمل ما لم تدعمه سياسة واحدة يلتزم بها جميع أعضاء هذا الكتل الاقتصادي، بل وبعض المراقبين يرى أن هذا التكتل الاقتصادي يظل اعرجا حتى تكون له «قوة عسكرية» تدعمه، وهو ما كان متحققا في الولايات المتحدة كقوة اقتصادية ملتفة حول الدولار كعملة وسياسة خارجية يضمن استمراريتها البيت الأبيض، بغض النظر عن لون وتوجه حزب ساكنه، لأن الاختلاف يكون في طريقة الأداء لا في الأهداف نفسها التي تكاد تتطابق ما بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ثم أعقب ذلك أحداث حاسمة أكدت صحة نظرية هؤلاء القائلين بامتلاك الولايات المتحدة ناصية الأمور كقطب أوحد على الساحة الدولية، وشاهدهم على ذلك حرب الخليج الثانية التي تمت بزعامة الرئيس جورج بوش الأب الذي قاد حربا «كونية» شارك فيها العالم كله تقريبا عسكريا وطواعية، حتى العرب الذين أوقعهم صدام حسين في شرك الاختيار، دون إعلان عن أسباب الاحتلال العراقي للكويت في هذا الوقت بالذات، خاصة الإصرار الاميركي على عدم الكشف عن تلك المقابلة الشهيرة بين السفيرة الاميركية في بغداد بالرئيس العراقي قبيل الغزو بساعات، وهناك من يؤكد أن واشنطون خططت لهذا الاحتلال لتجد ذريعة للتخلص من خطورة الجيش العرقي على مخططاتها في منطقة الخليج بعد انتهاء حرب صدام حسين البلهاء مع إيران التي استنزفت الكثير من الطاقة العراقية والقوى العربية حرمت منها القضية العربية المحورية، قضية فلسطين. ثم بعد ذلك ما أعقب تفكك يوغسلافيا السابقة من حروب عرقية، كان ضحيتها مسلمو البوسنة والهرسك تحت سمع وبصر أوروبا التي وقفت عاجزة لتفرق تأييدها ما بين الصرب والكروات، ولكن أبدا لم يكن مسلمو البوسنة أو كوسوفو يحظون بأي تأييد أو دعم من أي جانب أوروبي، ونظرا لوجود من يدعم الصرب في الاتحاد الأوروبي في مواجهة من يدعمون الكروات عجزت إدارة المجلس الأوروبي عن مواجهة تلك الأزمة الدامية التي كانت تجري على حدودها المباشرة إلى أن وصل «رامبو» الاميركي ليخلص أوروبا من تلك الأزمة، وينهي مواقفها المتناقضة التي تؤكد عجز هذا العملاق الاقتصادي الجديد عن أن تكون له سياسة خارجية موحدة. لكن إقدام أوروبا على إصدار عملة موحدة، وإن ظل خارج هذه العملة عدد من أعضاء الاتحاد، لوح من جديد بإمكانية ظهور منافس قوي للولايات المتحدة على الساحة الدولية، وينطلق أصحاب نظرية إمكانية تقاسم الاتحاد الأوروبي القطبية مع الولايات المتحدة من أن المصالح الاقتصادية بلا شك متناقضة بين أصحاب الدولار ومصدري اليورو، وبالتالي سينعكس هذا التناقض على السياسة الخارجية التي يمارسها كلا منهما. هذه النظرية بدأت تتخذ شكلا مقبولا خلال الفترة التي سبقت الأشهر القليلة لظهور اليورو كعملة متداولة، فكانت هناك إمكانية اتفاق أعضاء الاتحاد الأوروبي على سلوك سياسة خارجية موحدة، أو على اقل تقدير وجود حد أدنى تتفق عليه الدول الأعضاء في الاتحاد لدعم مصالحها الاقتصادية في العالم، لكن هذه النظرية تراجعت سريعا أمام الأحداث المرعبة التي وقعت في نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001، وكأن هذه الأحداث كان المقصود منها، من بين أشياء أخرى كثيرة، إجهاض التقارب السياسي ما بين أعضاء الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات دولية موحدة تسير جنبا إلى جنب مع العملة الموحدة «اليورو»، وربما كان اختيار «خافيير سولانا» كممثل لتلك السياسة الأوروبية الموحدة تحت اسم «مستر بيسك» البداية نحو اتخاذ سياسية خارجية أوروبية موحدة. لكن ما أن حدث ما حدث في نيويورك وواشنطن حتى تفرق أعضاء الاتحاد الأوروبي ما بين سائر على طريق بوش للعداء السافر لكل ما هو مسلم وعربي، وما بين من لهم مصالح لدى كل ما هو مسلم وعربي، خاصة أن التوجه الاميركي كان مغلفا منذ اللحظة الأولى بمسحة «صليبية». ازداد هذا التفرق الأوروبي حدة بعد إصرار واشنطن على تطبيق اختراعها الغريب المسمى «محور الشر» ودعمها اللامحدود لممارسات شارون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخلال هذا التفرق في التوجه الخارجي لدول الاتحاد لم يكن هناك شيء واضح بشكل كامل، فدول الاتحاد تحولت سياساتها ردود أفعال على أفعال بوش وصقوره، وكل منها خاضع للحظة معينة للسياسي الجالس على كرسي إدارة دفة الأمور في بلاده، بغض النظر عن مواقف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، هناك بيرلسكوني المؤيد أحيانا والصامت أحيانا أخرى، وهناك خوسيه ماريا ازنار رئيس وزراء إسبانيا الباحث عن دور دولي ينهي به حياته السياسية التي حددها مسبقا بحلول عام 2005، فتخبط بين بحثه عن هذا الدور الدولي المفقود وبين مصالح بلاده في المنطقة العربية، حتى غرق إلى أذنيه في مأزق اميركي شبيه بمأزق صدام حسين عند احتلاله لكويت، حتى أصبح رئيس الوزراء الإسباني ألعوبة في يد «كولن باول» بعد تورطه في احتلال جزيرة ليلى المغربية، إلى درجة دفعت رئيس الوزراء السابق فيليبي جونثالث إلى انتقاده علنا عبر مقال صحفي يطالبه بأن يكون صديقا لأميركا لا خاضعا لها (؟!). لكن الوضع الآن يمكن قراءته على أنه مناسب لخلق المنافس العنيد للولايات المتحدة حتى يمكن كبح جماح توجهاتها العسكرية الخطرة التي أصبحت تهدد السم العالمي، وتهدد بإغراق منطقة الشرق الأوسط في مستنقع يصعب الخروج منه، وبرز هذا التحليل مؤخرا لدى عدد من الكتاب السياسيين الغربيين، منهم الدبلوماسي الإسباني «خوسيه ماريا ريداو» الذي كتب في صحيفة «الباييس» الواسعة الانتشار مقالا بعنوان: «الآن أو لا يمكن أن يحدث أبدا»، يحث فيه أوروبا على اتخاذ موقف يتسق مع مصالح الشعوب الأوروبية بغض النظر عن تعارض تلك المصالح مع المصالح الاميركية، ويؤكد على أن فرصة أوروبا الآن ويمكنها أن تضيع إلى الأبد ما لم يتم التحرك بسرعة. إلا أن التحرك الأوروبي لا يمكن أن يتم ما لم يشاركه طرف آخر فاعل في هذه المعادلة، وهم العرب، لأن الأوروبيين يتأرجحون ما بين خوفهم من انفراد أميركا بالبترول العربي في حال نجاحها في تطبيق مخططاتها العسكرية، وبين خوفهم من ردود الأفعال العربية «السلبية» التي لا تزال تجد «إيجابيات» في مواقف واشنطن المتحيزة ضدهم، وهم أمر يندهش له الرأي العام الأوروبي كثيرا، بعد كل موقف يمثل لطمة اميركية على وجه العرب نجد من بين العرب من يجد في هذا الموقف نقاطا إيجابية (؟!). يرى المراقبون الأوروبيون أن الحالة الراهنة مؤهلة لإمكانية نجاح تحرك أوروبي مضاد للخطط الاميركية، ويؤكد بعضهم أن الرأي العام كفيل بإجبار بيرلسكوني وخوسيه ماريا أزنار بالتراجع عن توجهاتهما الاميركية التي تخدم مصالحهما الشخصية وتتعارض مع مصالح شعبيهما، ويقدمون دليلا على ذلك ما حدث خلال الانتخابات الألمانية الأسبوع الماضي التي نجح فيها المستشار شرويدر بفضل معارضته لخطط واشنطن ضرب العراق، وأيضا مسيرات الاحتجاج البريطانية ضد «خضوع» رئيس وزرائهم توني بلير لرغبات جورج بوش وصقوره. إذن الطرف الأوروبي مهيأ لتبديل دوره، وينقص تحرك الطرف العربي باتجاه تشكيل محور ضغط على الولايات المتحدة من خلال البحث عن نقاط تطابق في المصالح العربية والأوروبية والتلويح بها في وجه واشنطن، وتحدث الكثير من المسئولين الأوروبيين في جلساتهم غير الرسمية مع الصحافيين الموثوق فيهم عن إمكانية الالتقاء مع العرب على هذا، إلا انهم يخشون تلك المواقف الرسمية العربية التي لا تزال تجد في مواقف واشنطن نقاطا «إيجابية» لا يراها أحد غيرهم. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات