الالدبلوماسية بوسائل أخرى (1ـ 2) ـ بقلم: محمد الخولي

الخميس 26 رجب 1423 هـ الموافق 3 أكتوبر 2002 في عام 1998 بادر توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الى تأسيس خلية بحثية في شئون السياسة الدولية في لندن وقد حملت اسم (مركز السياسة الخارجية) حيث كان في مقدمة مهام المركز تنشيط وتفعيل الحوار حول ابرز القضايا المطروحة حاليا على أجندة اهتمامات العالم. وخلال السنة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. كان طبيعيا ان ينشغل مركز البحوث والدراسات اللندنية المذكور بقضية العلاقة بين الغرب ـ في أميركا وغرب أوروبا بالذات، وبين العالمين الاسلامي والعربي وكان ذلك بحكم الظروف المعقدة والملابسات المتشابكة، وبعضها لم ينهض عليه أدلة دامغة أو محترمة موضوعيا وعلميا حتى الآن.. وكلها تنطق ـ كما هو معروف ـ بالدور الذي اضطلعت به في أحداث سبتمبر المذكورة، والمرفوضة ايضا، عناصر نسبوها الى وطن العروبة والى عالم الاسلام. وسواء صحت الاتهامات أو ثبت زيفها أو أنها تعرضت لعوامل اللبس وخلط الأوراق فقد نذهب من جانبنا الى التثبت من صحة هذا الدليل أو من وجاهة تلك القرينة أمر انما يخص سلطات القضاء ودوائر القانون. الصدام بين الحضارات وحسب الباحث أو المحلل السياسي ان ينطلق من حقيقة باتت للأسف واضحة بجلاء وهي: ان ثمة صدعا وقع بالفعل ـ أيا كانت أسبابه ـ بين عالم الغرب وعالم العروبة والاسلام. بل أن هذا الصدع يمكن ان تستفحل أبعاده.. من حيث الحجم والتأثير الى حيث يصل ـ كما يعبر الكاتب جوناثان فريدلاند الى حافة ـ بالأدق الى هاوية ـ الصدام بين الحضارات (أسبوعية الغارديان البريطانية، عدد 12/9/2002). في حمى هذا الاجواء، بادرت عناصر التعصب والاستعلاء وقوى القوة المغرورة والعنجهية المنتفخة الاوداج وفي أميركا بالذات الى مواصلة قرع طبول الحرب والى المطالبة بأن تنثر أميركا كنانة اسلحتها وتفتح ابواب ترساناتها المدججة بكل أدوات الموت، أحدث ما توصل اليه العصر من أدوات الموت ووسائل الافناء، وتلك أذن دعوة الهيمنة والسيطرة على مقاليد شعوب العالم.. الدعوة التي تبلورت معها النزعة الاستعمارية المستجدة ـ النيوامبريالية على نحو ما يذهب اليه مفكر أميركي من منطلق التنبيه والتحذير (البروفيسور جون اكنيري في مجلة الشئون الخارجية الأميركية ـ فورين افيرز، عدد سبتمبر ـ أكتوبر 2002). مركز السياسة في لندن لكن من جانب اخر ترتفع دعوات اخرى، بخلاف تحذيرات جون اكنبري ـ من جانب مركز السياسة الخارجية اللندني الذي اشرنا اليه في مستهل هذه السطور.. والدعوات المحذرة تركز على اهمية احلال التفاهم محل الصدام، واهمية احلال التواصل محل الصراع، واهمية نبذ اساليب الحرب والقوة وسبل القسر واستخدام السلاح لصالح أساليب العمل السياسي والجهود الدبلوماسية والتواصل الثقافي والنشاط الاعلامي بكل ما ينطوي عليه هذا النمط الأخير من الأنشطة من فنون الاقناع أو الاستمالة أو التأثير أو حتى الغواية الفكرية والاغراء. (إنها الدبلوماسية ولكن بأساليب اخرى). بهذه العبارة يلخص كاتب ومفكر انجليزي دعوة أميركا والغرب الى مد جسور التفاهم لتصل الى عالم الاسلام والعروبة بدلا من تصويب فوهات المدافع وارسال اسراب المقاتلات كي تصب حمم قنابلها على ملايين الناس من حيث لا يحتسبون. وهذه العبارة بالذات هي التي اتخذها الكاتب الذي نحيل اليه ـ وهو مارك ليونارد ـ عنوانا لدراسة شافية ومهمة نشرها في أحدث اعداد مجلة فورين بوليسي ـ الأميركية المتخصصة كما يبدو طبعا من اسمها في قضايا وهموم السياسة الخارجية (عدد سبتمبر/ أكتوبر 2002) والاستاذ مارك ليونارد ـ بالمناسبة ـ هو مدير مركز السياسة الخارجية في بريطانيا وهو ينطلق في صدر دراسته من مقولة يبسطها في وضوح مباشر على النحو التالي: (إذا ماكانت حكومات الغرب تريد حقيقة ان تقنع حلفاءها غير المتحمسين أو المترددين في العالم الاسلامي بان حربها ضد الارهاب ليست حربا ضد الاسلام، فإن عليها ان تغير الاسلوب الذي تتبعه في هذا المضمار). الاذاعة قبل المنشورات بعدها يبادر مارك ليونارد الى تلخيص أفكاره بشكل شديد التكثيف حين يخاطب اميركا واوروبا قائلا: (عليكم ان تنسوا تماما عمليات اسقاط او تعميم المنشورات التي تندد بأسامة بن لادن حتى يحل محلها البث الاذاعي من راديو صوت اميركا أو راديو البي بي سي ـ الاذاعة البريطانية من لندن). تلك اذن دعوة واضحة للنزول الى حلبة دبلوماسية الاعلام أو الدبلوماسية العامة ـ أو الشعبية أو الجماهيرية أو دبلوماسية التواصل مع أوسع قطاعات الجماهير. وبالمناسبة فموضوع (الدبلوماسية العامة) ظل مطروحا على مركز السياسة الخارجية في لندن حيث عكف المركز على اجراء دراسة بحثية عنه استغرقت عامين كاملين (بمعنى انها سابقة بداهة على احداث سبتمبر 2001) بل ان هذه الدراسة المنشورة عام 2002 الحالي جاءت بمثابة اضافة أو تذليل بحثي أو استكمال علمي لدراسة نشرها المركز المذكور في لندن منذ عامين بعنوان: الخروج الى الساحة العامة: الدبلوماسية في مجتمع المعلومات. لماذا نهتم؟ والحاصل اننا نهتم بمثل هذه البحوث والدراسات أولا من منطلق متابعتنا ـ بحكم الخبرة والتخصص للشأن الاعلامي في الخارج وربما في الداخل (نقول ربما لأن الأمر في الداخل لا يكاد يستحق اهتماما يذكر!) وثانيا لكي نوجه الانظار الى حقيقة باتت جوهرية وتستأهل اهتمام صانع القرار على المستوى الرسمي العربي وهي ان انتهى عصر الفصل البيروقراطي ـ الحكومي، دع عنك الانفصام غير المبرر فكريا أو بحثيا ولا واقعيا بين مجال الدبلوماسية ومجال الاعلام ـ الخارجي على وجه الخصوص، وثالثا لكي نؤكد ان القوم في أميركا وغرب أوروبا كانوا في حال من التنبه الى اهمية الرسالة الاعلامية التي يبعثون بها الينا في عالم الاسلام والعروبة. وان قارعة سبتمبر جاءت لتضيف الى هذا الاهتمام حوافز جديدة ولكنها لم تكن ـ كما يدعي بعضهم ـ هي الباعث الاساسي على هذا التضامن أو هذا التفاعل الذي أرادوه عضويا وجدليا بين الدبلوماسية والاعلام. في دراسته التي نحيل اليها، يوجه كاتبها مارك ليونارد سهام انتقاداته الى دول الغرب الكبرى وبالذات اميركا وبريطانيا والمانيا على اخطائها التي ارتكبتها في حق السياسة الاعلامية للغرب بعد ان وضعت الحرب الباردة اوزارها. لقد سقط جدار برلين الشهير وجاء سقوطه عام 1989 ايذانا بنصر مؤزر للمعسكر الغربي ـ الرأسمالي على خصمه السوفييتي ـ الشيوعي العنيد، او الذي كان عنيدا على امتداد أكثر من أربعة عقود. ربما اسكرت خمرة النصر دول الغرب وربما تنفس ساستها الصعداء اذ أتاح لهم زوال الخصم السوفييتي التخفف من الاعتمادات المالية الباهظة التي كانت مرصودة لاغراض الاعلام والدعاية في ميزانيتها القومية يومها، لم تكذب كل من عواصم الغرب الكبرى خبرا بل بادرت من جانبها الى اجراءات التخفيض والتقليص واحيانا تدابير الالغاء والشطب. واشنطن أدمجت راديو أوروبا الحرة (وكان موجها طيلة العقود التي مضت الى دول ماكان يسمى بالستار الحديدي) ليشكل جزءا من دائرة راديو صوت أميركا مع تخفيض اعتمادات الدائرتين.. ثم بادرت واشنطن الى ماهو اخطر حين قلصت الى حد الانكماش من امكانات بل من مجرد وجود وكالة المعلومات الاميركية على اساس أنه لم تعد ثمة حاجة الى جهودها في مجال الدعاية والنشر والاعلام. لندن عمدت الى تخفيضات فاضحة، بل جارحة على حد تعبير الكاتب مارك ليونارد، في الخدمات الاعلامية عبر البحار التي دأبت على تقديمها هيئة الاذاعة البريطانية العتيدة ـ بي بي سي. برلين خفضت الميزانيات المعتمدة لصالح انشطتها الثقافية خارج الحدود وكان ان تضرر من جراء تلك الاجراءات التقشفية شبكة مراكز (جوتة) الالمانية الثقافية التي اغلق عدد كبير منها عبر انحاء العالم. انتهاء الحرب الباردة ربمافرك وزراء الخزانة والموازنة ايديهم فرحا ازاء ماتوفر من اعتمادات وأموال وربما لم يدركوا ان الامر بعد انتهاء الحرب الباردة كان يقتضي عكس هذا السلوك على طول الخط. ـ لماذا؟ لأن العالم شهد حقبة جديدة في التسعينيات التي اعقبت انتهاء الحرب الباردة وسقوط الكرملين الشيوعي وكان قد استمع في لحظات احتضار ذلك الكرملين الى افكار جورباتشوف الشهيرة حول اعادة البناء (بيرويسترويكا) وحول ضرورات المكاشفة والمصارحة أو هي الشفافية (جلاسنوست) وبعدها ارتفع مد الدعوات الى التحولات الديموقراطية على أصعدة الداخل والى اهمية بناء الشراكات على اصعدة العلاقات الخارجية وفي اطار هذه الدعوات اشتد ساعد المنظمات غير الحكومية والجمعيات الاهلية وما في حكمها من مؤسسات المجتمع المدني.. هذا فضلا عن ارتفاع مد الخصخصة الذي قد يرفضه البعض وقد يقبله البعض وقد يتحفظ عليه اخرون.. ولكنه مع هذا كله مابرح يشكل مدا متصاعدا ومتناميا بحيث يغطي نواحي الحياة المختلفة من الاقتصاد الى الفن ومن السياسة الى مجالات الابتكار التكنولوجي والابداع الفني. ـ مادلالة هذا كله؟ أهم دلالاته هو بروز وتصاعد عناصر اللا دولة كما قد نسميها.. أو عناصر اللا حكومة.. بمعنى القوى والمؤسسات والعناصر والفعاليات التي لا تنتمي الى هيكل البنيان الرسمي أو الحكومي.. وقد أدى ذلك الى تزايد اهمية دور الفرد وايضا اهمية دور المؤسسة الأهلية. ضرورة الاهتمام بالناس والاستاذ مارك ليونارد يلخص هذه التغيرات التي شهدها ختام القرن الماضي ومطالع القرن الحالي في عبارة بسيطة تقول: ـ من مفارقات نهاية الحرب الباردة ان هذه النهاية جعلت من دبلوماسية الاعلام الجماهيري ـ وهي مهمة التواصل مع جماهير الناس في العالم الخارجي عبر البحار ـ أمرا فائق الاهمية عن أي وقت مضى. وكم انقضت احيان طالت أو قصرت من زمان القرن الماضي ـ وقد شهدت نظرة تقليدية الى هذه الجموع الغفيرة التي يصفها الكاتب البريطاني بمصطلح (جماهير الناس) كم كانوا يأخذون هذه الجماهير مأخذ التسليم.. حسب هذه الجماهير ان تسمع الراديو وحسبها ان تجلس لتشاهد التلفاز.. حسبها ان تتلقى الرسالة الاعلامية من أصوات المذيعين المنمقة والمؤثرة ومن سجن المذيعين والمذيعات وقد صنعت منهم بروباجاندا الاعلان واضواء التلفزيون والنشر نجوما لهم كلمة مسموعة في شئون الوطن وقضاياه واهتمامات أجياله وانماط سلوكهم وهي كلمة لم يتورعوا عن أن يقولوها ابتداء من أمور الغذاء واللباس (بالأدق الهندام أو الموضات) وليس انتهاء بقضايا المجتمع والفن وربما قضايا السياسة والفكر والفلسفة ومال الى ذلك بسبيل. ولأن الرسالة الاعلامية ـ كما نكرر باستمرار ليست بمثابة حقنة تحت الجلد ـ بمعنى ان هذه الرسالة انما تسري الى حيث مستقبليها ضمن وسط أو أوساط أو اجواء أو مناخات أو بيئات لا تلبث ان تضفي على الرسالة طابعها وايقاعاتها وألوانها ـ فإن جماهير العالم حين تستقبل أي رسالة اعلامية فهي انما تفسرها في ضوء منظومة القيم والثقافة وبنية القضايا والشواغل التي تهم تلك الجماهير. الحرب ضد الارهاب مثلا، لقد طرحت القيادة الاميركية شعارها الشهير (الحرب ضد الارهاب) ومن الناحية المبدئية لا أحد يقبل الارهاب ولا أحد يرفض أن تشن الحرب على الارهاب.. ولكن لجماهير شتى في هذه البقعة أو تلك من العالم ان تتلقى رسالة أميركا الاعلامية في هذا الشأن بالذات بقدر كثير أو قدر قليل من الريبة أو التشكك أو نقص المصداقية. لقد جاءت التسعينيات بدعوة الشفافية وهي المكاشفة والوضوح ومن ثم فالشفافية تقتضي مزيدا من البيانات والمعلومات والادلة والقرائن تطرح على افهام الناس قبل ان يوافقوا على شعار الحرب ضد الارهاب، فما بالك ان يضموا الى تلك الحملة وقد يتحملون في ذلك مغارم وتكاليف وتضحيات. وجاءت التسعينبات ومن ثم القرن الجديد بتكريس قيمة الفرد في اطار المجتمع المدني ومؤسساته الشعبية وجهوده الاهلية ولم يعد من سبيل من تجاهل هذه القوى كلها أو تصور انها سوف تقبل (رسالتنا) الدعائية أو الاعلامية لمجرد ان مذيعينا بارعون في الحديث أو أن برامجنا متقنة الاعداد أو أن مذيعاتنا لا يشق لهن غبار في باب الاناقة والرشاقة وحسن الاطلالة على اديم الشاشات. هكذا تحدث جوبلز ولا تحسبن ان مصطلح الدبلوماسية الاعلامية ـ الجماهيرية ـ بريء من الاغراض أو العيوب ان الاختصاصيين يعترفون باأنه كناية مخففة أو مزوقة لمعنى الدعاية ـ البروباجاندا وان كان في واقع الامر طبعة أو نسخة مطورة منها.. زمان كانت الدعاية بكلمات وزيرها الهتلري الشهير (جوبلز) تقصد الى أمرين كلاهما خبيث وشرير وهما: (1) كتمان الحق. (2) اذاعة الباطل. وبالمناسبة ايضا كان جوبلز يفضل الأمر الأول ويراه أكثر فعالية، في أمور الدعاية حيث يخدم صوت الحقيقة وحيث يتغذى الناس على الشائعات ويصبحون ويمسون على آفة خلط الأوراق ويتركون فرائس الجهل بما لا يعرفون يضربون اخماسا في اسداس في بواد من الحيرة ومن ثم الخلط والارتباك وهو ماأصبح يعرف في المصطلح المتخصص باسم (التعتيم الاعلامي) وهو جسر الندامة كما نسميه المفضي الى التضليل الاعلامي. يبدو ان هذا كله لم يعد يصلح في زماننا الراهن بعد ان تفجرت ثورة المعلومات وبعد ان تعرضت كرة الأرض بما رحبت لظاهرة التشبيك سواء من خلال الفضائيات او من خلال حواسيب الانترنت ناهيك عن ثورة اختصار المسافات وتدفق الهجرات.. الخ. هنالك انفتحت السوق الاعلامية على مصاريعها.. مساحتها هي العالم كله وحلبتها تشهد تنافسا شرسا بحكم كونها سوقا بالدرجة الأولى وعناصرها وآلياتها هي تلك التي تتحكم في أي سوق على مر التاريخ يستوي في ذلك السلع والبضائع مع الشعارات والمقولات والطروحات والأفكار وعندما وقعت فادحة سبتمبر 2001 بدأ الاعلاميون في أميركا وربما في الغرب يتساءلون: ـ كيف نكسب عقول وقلوب الشعوب وخاصة في دنيا الاسلام والعالم العربي؟.. وعلى هذا التساؤل انبنى سؤال آخر يتعلق هذه المرة بالسبل والآليات وهو: ـ كيف نروج للحقيقة كما نعرفها..؟ وبتحديد أكثر: ـ كيف نبيع الحقيقة للشعوب الاخرى؟ هذا السؤال ـ على غرابته ـ يستوجب مزيدا من البحث والاستيفاء.. الى الجزء الأخير بإذن الله. ـ كاتب سياسي من مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات