خط مباشر ـ فلنعد قراءة التاريخ! ـ بقلم: أحمد عمرابي - البيان

خط مباشر ـ فلنعد قراءة التاريخ! ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاربعاء 25 رجب 1423 هـ الموافق 2 أكتوبر 2002 الخطة الموضوعة اكبر من مجرد غزو العراق والاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين. والهدف اكبر من مجرد الاستيلاء على موارد النفط العراقية. انها برنامج عملاق طويل المدى لاعادة استعمار العالم الاسلامي بهدف اعادة انتاجه ثقافيا. وأحيلكم الى مقالة بعنوان «استهداف العراق» في صحيفة «هيرالد تربيون» الاميركية بقلم وليام فاف ـ احد اشهر المحللين الصحفيين في عالم «الميديا» الأميركي. يقول فاف ان قسما من المجموعة المحيطة بالرئيس جورج بوش التي تمتع بنفوذ على ادارته تقدم للرئيس طرحا استراتيجيا مفاده ان حربا تشن ضد نظام الرئيس صدام حسين ينبغي ان ينظر لها في سياق سياسة اميركية طويلة المدى لاحداث تغيير شامل في العالم الاسلامي عامة والشرق الاوسط خاصة. ووفقا لهذا الطرح الاستراتيجي فان تغيير النظام الحاكم في العراق والحملة ضد تنظيم «القاعدة» باسم مكافحة الارهاب ينبغي ان يعتبرا خطوتين ضروريتين لبرنامج اميركي على المدى الطويل لتغيير كل انظمة الحكم الحالية في الشرق الاوسط. ومن ثم يمتد التغيير الى بقية العالم الاسلامي بما في ذلك آسيا الوسطى. وربما قال ان هذا مجرد طرح فلسفي تجريدي لكن الكاتب فاف يكشف لنا ان الطرح دخل الآن بالفعل مرحلة الصياغة البرمجية ليكون مرتكزا ثابتا للسياسة الخارجية الأميركية خلال المستقبل المرئي. بل ويحدد الكاتب اسمي الخبيرين اللذين كلفا برسم هذه الصياغة البرمجية.. وهما رونالد آسموس الدبلوماسي السابق في وزارة الخارجية الأميركية وكين بولاك المستشار السابق في ادارة كلينتون. على ثلاثة أهداف استراتيجية أولية فصلت كما يلي: ـ تحقيق تسوية عربية اسرائيلية تكون مقبولة لدى اسرائيل بالضرورة. ـ تغيير النظام في العراق. ـ العمل على اقامة «مجتمعات مدنية» خاصة في الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة حاليا. ورغم ان الصياغة اللغوية لهذه الاهداف الاستراتيجية تبدو صريحة نسبيا إلا انها ليست صريحة بما يكفي ـ ربما تحسبا لاحتمال تسريب تفاصيل المشروع الى الوسائل الاعلامية. فلنحاول اذن ان نقرأ ما بين السطور. ان تحقيق تسوية «تكون مقبولة لدى اسرائيل بالضرورة» يعني تبني رؤية اليمين الاسرائيلي المتطرف بزعامة ارييل شارون لمستقبل الارض الفلسطينية المحتلة.. وهي كما نعلم رؤية مستمدة من عقيدة «توراتية» بأن الضفة الغربية ارض «موعودة إلهيا» للامة اليهودية دون غيرها. ووفقا للرؤية الشارونية ايضا فان الاردن يجب ان يكون «الوطن البديل» للشعب الفلسطيني. وغني عن القول ان تحقيق «التسوية» على هذا الاساس لن يكون متاحا إلا بالاستمرار في استخدام القوة المسلحة الاسرائيلية بدعم اميركي كامل. وفي الحقيقة فان تطبيق البرنامج الموضوع بكل بنوده ينطلق من فلسفة التدخل المسلح.. وإلا فكيف يمكن تغيير النظام الحاكم في العراق؟ وحتى اذا بدا لنا ان اقامة «مجتمعات مدنية» في دول عربية هدف سلمي بريء فانه ليس كذلك على الاطلاق لأنه ينطوي على استخدام القوة الخارجية للقضاء على انظمة حكم قائمة. ونستطيع ان نستنتج ان المقصود هو في الحقيقة القضاء الكامل على طبقة حاكمة باسم اقامة نظام ديمقراطي تعددي في البلدان المعنية. وبالطبع لن تكون النتيجة المنشودة في هذا السياق سوى ديكور ديمقراطي يحمي نظاما عميلا للولايات المتحدة بصورة حديثة خادعة. وربما رأى واضعو البرنامج ان الحكمة تقتضي المبادرة بتغيير انظمة واحلال انظمة جديدة موثوق بها حتى لا يحدث التغيير على ايدي قوى معادية تدفع بهذا التغيير في اتجاه مناقض للرؤية الاميركية. واذا تفحصنا الامر جيدا فاننا قد نكتشف ان الولايات المتحدة تريد للتاريخ ان يعيد نفسه، وان بصورة مختلفة. وقبل ان نخوض في هذا الاحتمال علينا ان نستذكر ان الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة المتحالفة مع النفوذ اليهودي الصهيوني تتخوف من زحف المد الاسلامي في العالم ـ حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها ـ وترى فيه الخطر المستقبلي الاعظم. لهذا كان تبلور فلسفة التدخل بالقوة في العالم الاسلامي لالحاق هزيمة بهذا «الخطر» قبل استفحاله. لقد ورد شيء مثل هذا على لسان كوندوليزا رايس مستشارة بوش للامن القومي حين اعلنت قبل نحو اسبوعين ان على الولايات المتحدة استخدام القوة اذا دعا الأمر لنشر «القيم الأميركية» في العالم الاسلامي. ان هذه اللغة الحادة تستدعي ذكرى التاريخ القريب. فقد كان النصف الثاني للقرن العشرين عصر احتواء المد الشيوعي العالمي من المنظور الاميركي. ولنستذكر ان التدخل العسكري الأميركي ضد فيتنام والهند الصينية بأكملها والصين «الحمراء» لمدى عقود كان تحت شعار «انقاذ» شعوب آسيا من الشيوعية لاحلال «القيم الديمقراطية» ومن اجل حماية «العالم الحر» من المد الشيوعي. ولتعد الشعوب الاسلامية قراءة تاريخ التدخل الاميركي في آسيا لتدرك ان الخطة الموضوعة الآن ادهى وأمر من مجرد هجوم على العراق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات