انتخابات تتكرر والأوضاع على حالها ـ بقلم: د. محمد قيراط - البيان

انتخابات تتكرر والأوضاع على حالها ـ بقلم: د. محمد قيراط

الثلاثاء 24 رجب 1423 هـ الموافق 1 أكتوبر 2002 عاش ويعيش الشارع المغاربي في الفترة الأخيرة وهذه الأيام انتخابات تشريعية وبلدية واستفتاء على الدستور.. استحقاقات عديدة ومختلفة من موريتانيا الى تونس الى الجزائر والمغرب. العمل الانتخابي في حد ذاته سلوك حضاري وديمقراطي وثقافة تعبر عن استشارة الشعب في اتخاذ قرارات هامة فيما يخص بعض القوانين والمواد الاستراتيجية في الدستور اذا كان الامر يتعلق بالاستفتاء، اما اذا كان الامر يخص ممثلي الشعب في الاستحقاقات البلدية والتشريعية فمرجعية الشعب هنا تتعلق باختيار الممثلين الذين سينوبون عنه في المؤسسات الرسمية مثل المجالس البلدية والولائية والبرلمان. الاشكال المطروح في ثقافة الانتخابات والاستحقاقات المختلفة في الدول العربية ومعظم الدول النامية انها آليات بدون روح وبدون جوهر وأصبحت في الكثير من الأحيان لا معنى لها وهذا لعدة اعتبارات: أولاً: ان التعددية الحزبية في مثل هذه الدول لا تعني بالضرورة التعددية السياسية وحتى ثقافة الحزب لم ترق الى المفهوم الديمقراطي والممارسة السياسية المعمول بها في الدول الديمقراطية العريقة. فتجد ان احزاب المعارض في مثل هذه الدول ملكية اكثر من الملك وان مصلحة الحزب او الشخص الرمز الذي يمثل كل شيء في الحزب تسبق المصلحة العامة ومصلحة الجماهير العريضة في المجتمع. وهذا يؤدي بطريقة آلية الى انعدام القوى المضادة الضرورية لمجتمع ديمقراطي توده ثقافة التناوب على السلطة وثقافة التعددية الحزبية واحترام رأي الأغلبية واحترام الدستور والمبادئ الجمهورية في المجتمع، وحرية الرأي وحرية التعبير وحرية الصحافة واحترام الحقوق الفردية وحقوق الانسان. والنتيجة تكون في نهاية المطاف انعدام المصداقية والثقة حيث ان الانتخابات تتكرر بصفة دورية ومستمرة لأربع سنوات او خمس لكن آليات الحكم وصناعة القرار تبقى على حالها معروفة مسبقاً، واوضاع الجماهير تبقى على حالها بدون تحسن أو تطور. ثانياً: انعدام ثقافة التناوب على السلطة، ففي معظم الاحيان ببذل الحاكم قصارى جهوده وكل ما يملك من قوة للبقاء في كرسي الحكم ولو كان ذلك على حساب اغلى شيء في المجتمع المتمثل في ذاكرته وتراثه السياسي الا وهو الدستور وللاستفادة من ولايتين او اكثر أو للبقاء في الحكم مدى الحياة ينظم الحاكم استفتاء شعبي تكون نتيجته معروفة مسبقاً ـ 99% نسبة المشاركة و99% صوتوا بنعم ـ وانطلاقاً من هذه الآلية اذا تصبح الاستحقاقات الاخرى بدون فائدة ما دام ان صناعة القرار معروفة مسبقاً ومحصورة في يد واحدة في حلقة صغيرة وضيقة جداً، فالأمور الاخرى تبقى شكليات او بعبارة اخرى ـ فلكلور سياسي للبهرجة والتمظهر والاستهلاك الاعلامي ـ وهنا يفرغ الفعل السياسي من محتواه وتفقد الجماهير الشعبية المصداقية والثقة في السلطة، وهذا ما يؤدي الى شلل العمل السياسي الذي بدلاً من ان يغير ويقوم بعملية التحديث نراه يركز على المحافظة على الوضع الراهن وتبرير ما هو موجود وضرورة وجوده. ثالثاً: وانطلاقاً مما سبق يبقى مجلس الشورى ومجلس الأمة والبرلمان وغيرها من المؤسسات التشريعية يدور في فلك السلطة تنحصر مهمته في المصادقة على قوانين تم تفصيلها بدقة وبمنتهى الجودة لخدمة الحاكم بطريقة مباشرة، وهنا نلاحظ ثقافة الحزب الحاكم او حزب الاغلبية في البرلمان وعادة ما يكون هذا الحزب هو حزب الرئيس وبذلك وبمقتضى الأغلبية التي يتمتع بها في البرلمان فإنه يصبح الناطق الرسمي والمدافع الوفي عن كل ما يخدم مصلحة السلطة بطريقة او بأخرى وهنا تصبح مهمة السلطة التشريعية متداخلة تماماً مع السلطة التنفيذية وتنعدم بذلك آليات الرقابة وآليات السلطات المضادة التي تعطي للنظام الديمقراطي حيويته الدائمة والمستمرة للحفاظ على المصلحة العامة والوقوف في وجه تسلط جبروت الحاكم او «الأغلبية». رابعاً: في مثل هذه الممارسات السياسية التي تدعي الديمقراطية والتي هي في حقيقة الامر بعيدة كل البعد عن ذلك نجد خللاً اخر يكاد يكون استراتيجياً وهو النظام الاعلامي الذي من المفروض ان يلعب دوراً جوهرياً في ارساء قواعد الديمقراطية والتعددية الحزبية نجد مع الأسف الشديد نظاماً اعلامياً متآكلاً وبعيداً كل البعد عن الواقع فالخطاب شيء والواقع شيء آخر حيث انه لا يختلف اختلافاً كبيراً عن الاحزاب السياسية التي وان تعددت واختلفت تبقى حبيسة خضوعها التام للسلطة. المؤسسات الاعلامية وبنفس الثقافة والممارسة نجدها بمختلف اشكالها وانواعها وان كانت حرة ومستقلة تبقى تدور في فلك النظام السياسي وتبقى عاجزة عن لعب دور القوة المضادة في المجتمع سواء في مراقبة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية او في تنوير الرأي العام وامداده بالمعطيات والمعلومات وما يدور في الكواليس حتى يلعب دوره بطريقة فعالة ورشيدة في صناعة القرار وبهذا تفتقد الممارسة الديمقراطية لحلقة كبيرة من الحلقات المكونة للممارسة الديمقراطية وقد لا نلوم المؤسسة الاعلامية في مثل هذه الانظمة حيث لا حول ولا قوة لها بحيث ان هناك قوانين وتشريعات جائرة ونظاماً أمنياً وبوليسياً يقف في وجه كل من يحاول ان ينتقد او يكشف او يخرج عن الحلقة المفرغة، وفي غياب الحصانة والحماية القانونية يصبح القائم بالاتصال والنظام الاعلامي في حالة شلل تامة، مغلوباً على امره واذا اراد ان يفعل اللازم وما يمليه عليه ضميره فالعواقب تكون وخيمة. خامساً: الشيء الذي يقلق الجماهير العريضة في المجتمع هو ان الانتخابات وظهور احزاب جديدة والتعددية والى غير ذلك من المسميات كلها عمليات جراحية تجميلية لم ترق الى تغيير الواقع اليومي للمواطن البسيط فالبطالة على حالها لم تتغير وغلاء المعيشة كما هو، والمستثمر الاجنبي لم يجرؤ على بناء مشاريع في البلد وهكذا تأتي الانتخابات وتنتهي وتعود والمشاكل على حالها والآليات كما هي لم تتغير رغم تغير بعض الاسماء وظهور بعض الاحزاب الجديدة وما يهم الشارع في مثل هذه الاستحقاقات هو وضعه الاقتصادي والاجتماعي وهل هناك تطور او تحسن؟ ففي الحملات الانتخابية تكثر الوعود وتكثر المشاريع ويكثر الكلام لكن بعد انتهاء الانتخابات والفوز بالكرسي في البرلمان او مجلس الشعب او البلدية توضع الوعود في الادراج ويبدأ التفكير في عملية ضمان الولاية الثانية وما هي الاستراتيجية التي يجب ان تستعمل وما هي الوعود التي يجب استخدامها في الاستحقاقات القادمة؟ ومن هنا تصبح العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة خالية من الروح ومن الثقة المتبادلة والمصلحة المتبادلة وانما تصبح العلاقة في اتجاه واحد، عمودية يعمل من خلالها المنتخب (بفتح الميم) على مراعاة مصالحه الشخصية من خلال خدمة مصلحة السلطة ويبقى الخاسر الكبير في العملية هو الشارع الذي بقيت اوضاعه على حالها رغم تغير المسميات وتناوب الاحزاب على السلطة ورغم تغير المسئولين.. إلخ. نخلص الى القول ان المسميات لا تعني الكثير وان المصطلحات السياسية الرنانة اذا كانت فارغة من محتواها واذا كانت تفتقر الى ثقافة معينة وسلوك حضاري معين فإننا لا نستطيع الكلام عن ديمقراطية وعن تناوب على السلطة وعن احترام ارادة الشعب، واشراك الشارع في صناعة القرار وتحديد مصيره. ان الفعل السياسي ما زال في عالمنا العربي يعاني من انعدام الصراحة ومن الشجاعة ومن النقد الذاتي. فالسلطة تريد التعددية الحزبية لكن لا تريد الاحزاب التي تضايقها وتسائلها، السلطة تريد التعددية الاعلامية لكن لا تحب الصحافة التي تنتقد وتكشف عن الحقوق والفساد والرشوة، السلطة تريد برلماناً تعددياً لكن تعمل جاهدة على ان يكون حزبها هو الحزب الفائز بالأغلبية، وفي نهاية المطاف السلطة تفصل الدستور وتغيره حسب مقاسها وحسب ما يخدم مصلحة سيادة الرئيس. هذه هي اذا الديمقراطية على الطريقة العربية وهذه هي الانتخابات وثقافتها وهذه الممارسة السياسية في دولنا العربية. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات