ابجديات، بقلم: عائشة ابراهيم سلطان

المأساة التي تتالت فصولها على طريق دبي ـ أبوظبي والتي ذهب ضحيتها خمسة أشقاء لعائلة واحدة، هي كارثة وليست حادثة طريق، لدينا كوارث طرق بالمعنى الحقيقي، ولدينا نزيف بشري على اسفلت الشوارع، الداخلية والخارجية وبشكل يومي.. والسؤال لماذا وكيف والى متى؟ وبعيداً عن حالة نكء الجراح، فنحن بكل الألم وحساسية الفقد نتقدم لوالدة الضحايا ولوالدهم ولكل فرد في عائلتهم بخالص العزاء والمواساة، مع ان كل الكلمات وقواميس اللغة تقف خرساء أمام دمعة أم ثكلى، وقهر والد مكلوم، وحزن أخ أو اخت تشرق بدمعها على فراق أحبة هم وخفقات القلب صنوان، وهم ودماء الشرايين لون واحد. وبعد ان تنتهي مراسم العزاء، سيمضي المحزونون الى غرف ألمهم المظلمة السحيقة، وسيظل بائعو الموت على الطرقات يحرثونها بعبثهم وغطرسة اللامبالاة الراكضة في ذواتهم بنزق قاتل، ولكن ذلك لا يجب ان يبقى قدرنا الى الأبد، فالعبث بقيمة الحياة ليس قدراً على الاطلاق. أهل المرور يحللون حوادث الطرقات وفق مثلث معروف: الطريق ـ السائق ـ المركبة، فإذا أردنا ان نضع أيدينا على مكمن الكارثة، فلنقرأ عناصر هذه المعادلة على الواقع الاماراتي، ثم سنعرف على وجه اليقين من أين نبدأ وكيف يجب ان ننطلق لنسيج هذه الكوارث بسياج من حديد، يغلق كل المنافذ والبوابات أمام العابثين واللامبالين. العميد عبدالرحمن رفيع مدير عام مرور دبي، لا يضع لوماً على عنصر الطريق، فهو باعتباره من أهل العلم (الرفيع) بقضايا المرور والحوادث يؤكد بأن طرقاتنا صممت وجهزت على أحدث وأرقى المواصفات العالمية، من حيث السعة، والمسارات، والخطوط والاشارات والاضاءة، بحيث ان السائق لن يجد طريقاً أفضل يمكنه ان يعبره آمناً بمركبته افضل من هذه الطرقات! وتأكيداً على ما يقوله مدير المرور فإن شوارع مدينة عظمى كواشنطن مثلاً تطفئ أنوارها منذ الثامنة مساء، وتمتلئ بالحفر وأعمال الطرق المستمرة، لا تضاهي شوارع دبي، ومع ذلك، لم أشهد حادث طريق عليها لمدة ثمانية أشهر قضيتها هناك! أما المركبات، فإن نوعيتها وحداثتها واجراءات فحصها المستمر لا تعطي مبرراً لكل هذه الحوادث وان كانت فإن نسبتها ستكون ضئيلة الى درجة لا تذكر، واذن بقي لدينا عنصر السائق وهنا يكمن الخلل الذي علينا ضبطه، والانتباه اليه، ووضع كل علامات الحظر عليه، خاصة حينما يتسبب في أغلب الحوادث الكارثية التي نعاني منها! فإذا كانت هناك ثقافة رديئة قد انفرزت على أرض الواقع المرفه الذي يعيشه إنسان الإمارات، فهي ثقافة الاستهلاك التي تلتهم أرقى قناعات وممارسات هذا الإنسان مخلفة ممارسات ومسلكيات غاية في السوء، لعل أهمها عقلية العبث واللامبالاة بقيمة الحياة على كل قداستها وحرمتها وإلهيتها أيضاً.. هذه العقلية المتسببة في كوارث الطرق اليومية هي ما يطلق عليها مدير مرور دبي بعقلية البطر الاجتماعي! استخدام الطريق والمركبة كأدوات ووسائل للانتحار ونحر الآخرين هو (إرهاب طرق) يجب ان تشن عليه حرب لا هوادة فيها، فسائق مُلك أو امتلك مركبة بمئات الآلاف يسير بها وكأنه لم يخلق على وجه البسيطة من هو أهم شأناً منه، وبسرعة تفوق الـ 150 كيلومتراً، لا يعتبر سائق مركبة طبيعياً يستخدم طريقاً كبقية خلق الله، انه مشروع انفجار سيارة مؤجل، وهو بطاقة موت محجوزة سلفاً لواحدة من السيارات التي تسير بأمان بمن فيها على طرقاتنا العديدة، ولذلك وجب الحجر عليه، ومطاردته إذا ما وجد متلبساً بجرم السرعة الإرهابية القاتلة. النقاط الميتة على طرقاتنا الخارجية، والخالية من الرادارات، يتوجب فرض وضع رادارات ضابطة عليها وتحديد سرعة ما تتناسب مع طبيعة الطرق الخارجية، وتغريم المخالف بشكل مضاعف، إمعاناً في ضبط الطريق وحماية النفوس، أما دوريات الأمان على الطرقات الخارجية فلابد من زيادتها وتفويضها مهمة مطاردة السيارات المتجاوزة للسرعة دون أن نفكر كثيراً في ردات الفعل، فحماية الحياة حق مقدس، وترويع الآمنين جريمة يجب محاصرتها بكل الوسائل. aishasultan@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات