التجارب السياسية العربية بين مثالية التنظير وضرورات الواقع _ بقلم: د. محمد الرميحي

كانت فجيعة العرب إثر هزيمتهم أمام إسرائيل فيما سمي بنكسة 1967 أكبر من أن تُخفى. وسرعان ما وجد العرب أنفسهم غارقين في موجة من الغضب, وفي الوقت نفسه مشتتين بين أفكار سياسية متناقضة, فبعضهم ضرب صفحاً عما هو قائم من أفكار سياسية, وجنح إلى أفكار يسارية مختلفة بحثاً عن مخرج لأزمة الحداثة ومواجهة الآخر. وقد تراوحت تلك الأفكار لتشكل طيفاً من الاتجاهات والمناهج, بين يسار متشدد وقومي حديث, بينما تبنى بعضهم النشاط الإسلامي كمحاولة للخروج من المأزق, وكمثل تيارات سياسية أخرى تمر بفترة كمون ثم دعوة فانتشار, وتتلون بألوان محلية غالبة لها أولوياتها, كان النشاط السياسي الإسلامي. وإذا كانت النشاطات السياسية التي تبحث عن مخرج للأزمة العربية قد خبا بريقها فإن النشاط الإسلامي قد برز بدءاً من السبعينيات, وقد زادت من لمعانه الثورة الإيرانية في نهاية العقد نفسه وتردي الأوضاع العربية منذ ذلك التاريخ, مما جعل هذا النشاط يستقطب مناصرين كثيرين على اختلاف اجتهاداته وألوانه. وإن كانت التجارب التي مرّ بها النشاط الإسلامي السياسي الحديث في المنطقة العربية متعددة ومختلفة النتائج (حيث خاضها البعض من موقع المعارضة ومارسها البعض الآخر من موقع الحكم) إلا أن المشكلات التي مرت بها الممارسة القومية ــ على اختلاف صورها أيضاً ــ تمر بها الممارسة التي يضطلع بها النشطاء السياسيون في القوى المختلفة والتي تتخذ من النشاط السياسي الإسلامي مرجعية لها. وأمامي تجربتان ــ إن صح التعبير ــ في الإطار العربي, أولاهما السودانية, والثانية الفلسطينية داخل أرض 1948. وكلتا التجربتين تستحقان في هذه الأيام مزيداً من النظر والتمحيص, لأنهما تواجهان امتحاناً لا يختلف عن امتحان نظيراتهما في أماكن أخرى, ولكنه الأبرز والأكثر إلحاحاً واحتياجاً إلى المناقشة. لقد كان البديل للفكر القومي العربي الذي هُزم في سنة 1967, والذي اعتمد على فكر تراكمي مصدره نشوء الحركات القومية في أوروبا وظهور الدولة العربية الحديثة بكل مقوماتها وصراعها مع الآخر, سواء المستعمر أو المستوطن الإسرائيلي, كان البديل الذي لم يكن غائباً في الفكر العربي الحديث ــ وإن خبا لفترة ــ هو التحرك على القناعة الدينية الإسلامية الثابتة والمستقرة في ضمير الأمة, واعتمادها بوصفها حافزاً سياسياً قد ينجح في درء الأخطار عن الأمة التي تراكمت عليها ظُلمات كثيفة وضخمة, على رأسها اقتطاع جزء من أرضها في فلسطين. ولم يكن سهلاً على هذا التيار أن يصعد على السطح السياسي, وأن يستقطب شريحة واسعة من المجتمع لتتبنى دعوته التي كانت قد تراجعت تجربتها الأولى في الأربعينيات والخمسينيات خاصة في مصر, في خضم صراع سياسي تغلّب فيه الجانب الذي كانت الموضوعية تقتضي أن يتغلب, وهو جانب القوى الأكثر تنظيماً في المجتمع, وهي قوة الجيش الذي قاد حركة التغيير. هذه التجربة تكررت من جديد لتقود جيشاً عربياً, في نهاية الثمانينيات, هو الجيش السوداني مرة أخرى لإحداث التغيير في السودان, اعتماداً على تنظيرات الناشطين الإسلاميين, وكانت هذه المرة تحت قيادة مستترة في البداية للدكتور حسن الترابي, حيث هيأت مجموعة الترابي الأرضية لتغيير يقوده قطاع من الجيش. وقد اقتيد الترابي في آخر يونيو 1989 عقب الانقلاب مباشرة, إلى سجن كوبر الشهير ليمضي حوالي ستة أشهر فيه, ولم يكن الاعتقال للمنظّر الكبير إلا تحوطاًَ من فشل الانقلاب عندما تُعرف هويته مباشرة, ذلك ما قيل وعُرف بعد ذلك عن طريق حسن الترابي أكثر من مرة, وفي ذلك عبرة لا تُخفى, مفادها أن فعل الاعتقال كان مناورة متفقاً عليها, فلو عُلم مباشرة أن النشطاء الإسلاميين في السودان ــ أو كما هو واقع فريق منهم ــ هم الذين قاموا بالانقلاب فلربما لم يجد قبولاً في الداخل, أو واجه ممانعة من الخارج. ومن ألاعيب السياسة أن نجد اليوم الدكتور حسن الترابي يُقاد للسجن نفسه مجدداً, تحت ظروف أخرى, وبعد أكثر من عشر سنوات من تقاسم السلطة بينه وبين منفذي الإنقلاب, أو ثورة الإنقاذ كما عرفت, وهي عناوين تتردد دائماً في فترة التغيير, وذلك مثال حي على أن السياسة هي التي تقود. وتحولت (الدولة الراشدة) التي نظّر لها الدكتور حسن الترابي وبشّر بها, إلى (دولة دكتاتورية) حسب تعبيره هو أيضاً. لقد مرت على السودان عشر سنوات صعبة بين فترتي اعتقال الترابي. والخلاف الأساسي بين الفرق المتنازعة في السودان ليس خلافاً عقائدياً على الأصول أو الفروع, ولكنه في البداية والمنتهى خلاف سياسي, أي اختلاف على المواقع, فلا البشير أكثر إسلاماً أو أقل من الترابي, ولا الأخير أكثر وأقل من الميرغني أو المهدي لتسمية البعض من قادة العمل السياسي في السودان, دون الإشارة للكل. في أماكن أخرى من العالم الإسلامي المضطرب, يكون الخلاف في طريقة تسيير شئون الدولة وإدارة التحالفات, وهي شئون دنيوية بحتة, قد يُخطىء فيها البعض وقد يُصيب, دون أن تتعرض عقيدته للشك أو الريبة, إنما تُقاس اجتهاداته بما هو سائد من قانون أو دستور, أو قبول أو رفض شعبي. الخطورة في كل ذلك أن إعطاء عناوين كبرى لعمل سياسي نتائجه أقل من عادية ربما يقود قطاعاً واسعاً من الناس إلى عدم إىلاء احترام كبير لذلك العمل السياسي بل الى الشك فيه, باعتبار أن ربطه ــ كما قلت ــ بعناوين كبرى لثوابت الأمة هو إساءة بشرية, وعدم تقدير, ومن هنا يظل العمل السياسي العربي مأزوماً, بسبب اعتماده على مرجعية غير المرجعية التي اعتمدها كثير من البشر بأن العمل السياسي اجتهاد قد يُصيب, وقد يُخطىء, ثم يُصحح الخطأ من خلال الممارسة والحوار في ظل ثوابت سماها البعض الدستور أو النظام الأساسي أو المرجعية العامة, دون خلطه بمعتقدات الناس عامة. فالعمل السياسي بطبيعته يقتصر على فئة خاصة من الناس, كالحزب أو الجماعة, ومن ثم لا يجوز للخاصة من الناس أن يصادروا ثوابت جميع الناس, سواء أكانت وطنية أم قومية أم عقدية. إذا التفتنا الى موقع آخر هو النشاط الإسلامي السياسي في ما بعد الخط الأخضر, أي ذلك الذي يمارسه إخوة لنا من المسلمين في فلسطين المحتلة منذ العام 48, نجد أن الأزمة ربما تختلف في المظهر, ولكنها تتماثل في الجوهر. ارتبط ظهور ذلك النشاط, كأمثاله في أماكن أخرى, بالإحباط العام الذي ساد بعد هزيمة 67, وكانت البدايات متواضعة حتى الثورة الإيرانية في نهاية السبعينيات, بعدها ظهر ذلك النشاط على السطح, وحيث إن المسلمين تحت الاحتلال الإسرائيلي, وهم أقلية, تحد من حرية نشاطهم حدود القانون الإسرائيلي, وكان عليهم أن يعملوا في حدود ذلك القانون الإسرائيلي غير المواتي, فقد نأوا بأنفسهم عن الدعوة لإقامة (دولة إسلامية), (كما نادى بها نظراؤهم في الأرض المحتلة بعد 67), ولكنهم طالبوا بالاعتراف المتبادل, اعتراف إسرائيل بحق الفلسطينيين بتقرير المصير بما فيه إقامة دولة خاصة بهم, مقابل اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل وبحقها في العيش بسلام, وذلك مخالف لما رفعه نظراؤهم في الأرض المحتلة بعد سنة 67 من مطالب. وقد كان من نتائج الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى في سنة 1987 (التي قادت إلى ظهور حركة حماس على السطح السياسي) الاتصال المباشر بين الناشطين الإسلاميين بعد الخط الأخضر وبين حماس, خاصة في إطار التعاون الإنساني والاجتماعي, ولكن الحركة في داخل الخط الأخضر لم تنقل المقاومة المسلحة الى مناطقها, وفي الوقت نفسه لم تدنها, ولكنها أبدت تعاطفاً وتأييداً لحماس. ولقد أسفرت اتفاقات أوسلو عن اختلاف سياسي في وجهات النظر بين مؤيد لها ومناهض, وهو اختلاف شقّ طريقه سريعاً إلى النشطاء الإسلاميين في ما بعد الخط الأخضر, إذ انقسمت ــ على إثره ــ الحركة الإسلامية في الداخل الإسرائيلي الى تيارين تصاعد بينهما الاختلاف السياسي, ففريق أيّد السلطة الفلسطينة وفكرة التقارب السلمي مع إسرائيل, وفريق آخر عارض ذلك متبنياً الخط السياسي لحماس ومناصريها. هذا الاختلاف بين الفريقين ظهر أيضاً حول نقطة سياسية أخرى هي الاختلاف حول خوض انتخابات الكنيست الإسرائيلي في منتصف التسعينيات, حيث أيّد فريق الدخول في المعترك الإسرائيلي السياسي, إما بترشيح أنفسهم مستقلين وإما الدخول في تحالفات مع القوة العربية السياسية داخل إسرائيل, بينما رفض الفريق الآخر فكرة المساهمة السياسية, ولكل من الفريقين حججه, ولكن بعض النشطاء دخلوا في الكنيست وأصبحوا أعضاء فيه. بيت القصيد في عرض ثنائية التجربة السودانية وتجربة النشطاء الإسلاميين في الأرض المحتلة قبل 67 هو القول إن هناك هامشاً من الممارسة السياسية قد يكبر أو يصغر في هذا النشاط, وهو هامش يخضع لطبيعة الاجتهاد الإنساني وضرورات الملاءمة مع الظروف الموضوعية والمحيطة, مما يبقيه في خانة الاجتهاد الإنساني السياسي الذي يجوز فيه الصواب مثلما يجوز الخطأ, كما أنه بعمومياته ودروسه ليس مقصوراً على تجربتين إحداهما في السودان والأخرى في فلسطين المحتلة, بل هو مشترك بين جميع الحركات السياسية, باختلاف مرجعيتها, لأنها تتعاطى مع مجتمع إنساني متغير تتدخل فيه المصالح الإنسانية الفردية والعامة. والمؤكد أن الإمعان في تحميله بعداً عقدياً يشوّش على الناس الكثير من اقتناعاتهم. إذا كان كثير من الجمهور اليوم يسألون عما إذا كان الترابي اعتقل بسبب سياسي أو عقدي, وعن حكم دخول ناشطين إسلاميين في الكنيست الإسرائيلي, وغيرهما من الأسئلة, فإن النظرة المنطقية تتمثل في كلمة واحدة هي بمنزلة الخلفية المشتركة لهذه الإجابات جميعاً... إنها (السياسة) ومنذ القدم قيل إنها فن الممكن, يصاحبها اختلاف في الاجتهاد ينبثق من خلاف المصالح. والحكم دائماً يكون لرأي عام مستنير لا يعاني القمع والخوف, فهذا وحده هو الذي يقرر الأفضل لمصالحه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات