استراحة البيان _ لو أنّ لنا ألف حياة.. _ يكتبها اليوم: علي عبيد

كم تغرس فينا الطفولة من أشجار البراءة.. وكم يتفتح على أغصان هذه الاشجار من زهور النقاء؟ ثم كم تجتث الحياة بعد ذلك من تلك الاشجار.. وكم تحرق شمسها من هاتيك الورود وتودي بها إلى الذبول؟ أسئلة تفرض نفسها علينا كلما اكتمل أمامنا مشهد من مشاهد الحياة أو انقضت مرحلة من مراحل العمر مأسوفاً عليها أو غير مأسوف. ولأن نهر الحياة جار لا يتوقف فإن نهر الاسئلة هو الآخر لا يكف عن التدفق دافعاً مزيداً من علامات الاستفهام كي تأخذ أماكنها في نهايات السطور وأواخر الجمل, تاركة المجال لأجوبة تغوص في أعماق النفس البشرية فتقترب من الواقع تارة وتحلق في عالم الخيال تارة لتحدث ذلك التصادم الذي شغل الفلاسفة والحكماء وأخذ من اعمارهم سنوات أفنوها في البحث والتفكير والتحليل, ليتركوا لنا هذا الكم الهائل من النظريات والرؤى نختلف حولها ونتفق, ويظل الفيصل فيها هو ما تطمئن إليه قلوبنا وما ترضى به دواخلنا وما تميل إليه نفوسنا التي آفتها الهوى. وكلما سلبت الحياة منا لحظة من لحظات السعادة أو حرمتنا مصدراً من مصادرها عدنا بالذاكرة إلى الوراء نستمد من الماضي القوة على معايشة الحاضر ونبحث فيه عن الثغرة التي أدت إلى هذه الكبوة ونستلهم منه النظرة المفعمة بالأمل المسكونة بالطموح المشحونة بالثقة غير العابئة بما يمكن أن يحمله لها الزمن من مفاجآت. وتزداد الاسئلة الحاحاً كلما تناهى إلى أسماعنا خبر إنسان أقدم على إنهاء حياته أو فكر في ذلك, فنتساءل مستغربين: أي درجة من اليأس تلك التي يمكن أن يصل إليها الانسان؟ وأي مقدار من الإحباط يمكن ان يشعر به كي يتخذ قراراً كهذا؟ ويحملنا البحث عن إجابة لهذا السؤال إلى عيون الاطفال وهم ينطلقون غير عابئين بما حولهم, لا همّ لهم سوى اللهو واللعب, لا ينظرون إلى أبعد من يومهم الذي هم فيه أو الساعة القادمة كيف يستثمرونها في مزيد من اللهو البرىء, وتعود علامات الاستفهام لتفرض نفسها مرة أخرى: ترى.. أي مستقبل ينتظر هذه الورود الغضة وماذا يحمل لها الغد؟ أترانا لو علمنا ما ينتظرنا على دروب الحياة ونحن في مثل سنهم هل كنا تمنينا أن نغادر هذه المرحلة من العمر أو أن نشبَّ عنها؟ وهل ترانا نملك مثل هذا القرار أو نستطيع تنفيذه؟ أم هي إلاّ خواطر من عالم الأمنيات نهرب بها من واقعنا كلما أوغلنا في الزمن وحانت منا التفاتة إلى حصاد العمر الذي غدا هشيماً تذروه الرياح فتساءلنا: هل نلنا من تلك الامنيات سوى قبض الريح؟ ورغم ذلك ها نحن نسلك تلك الدروب نفسها ونكرر الاخطاء نفسها, فهل نحن إلاّ بشر خلقنا لنخطىء ثم نتراجع عن أخطائنا؟ أولم نسلِّم بأننا لو علمنا الغيب لرضينا بالواقع ومع ذلك أسلمنا قيادنا لنفوسنا الضعيفة لتحملنا طبيعتها البشرية كل مرة على رفض واقعنا متطلعة إلى ذلك المجهول القادم لا محالة شئنا أم أبينا. ورغم جميع انكساراتنا تظل لدينا بارقة الأمل في معجزة تنقلنا من هذا الواقع وتعيد بناء جميع مواقعنا. *** في رحلة زورقنا ما بين الصرخة والسكتة تتقاذف ذاك الزورق آلاف الأمواج تتمزق آلاف الأشرعة تتحطم آلاف الألواح تحملنا الرحلة لمرافىء لم نقصد وجهتها ونتوق إلى اخرى فتعاندنا الريح وتبعدنا عن ذاك المرسى من يدرك منا الحكمة يعرف أن الأقدار لها رأي لا نملك تغييره وقليل منا من يدرك تلك الحكمة وجميعاً نشعر أن الرحلة كانت أقصر مما كنا نتوقع! تبهرنا أثناء الرحلة أضواء خادعة تسلبنا الفرحة أحداث طارئة تنسينا الحزن نسائم تملأ أشرعة الزورق فنعود نواصل تلك الرحلة ثانية ونسلِّم بالقدر المكتوب علينا تأخذنا اللهفة لأماكن كنّا نألفها نحسبها ستعيد لنا الفرح المذبوح على سور الأيام فإذا بالمسرح قد غيّر كل ملامحه وإذا بوجوه أخرى لا نعرف منها وجها نشتاق لرؤيته وإذا بالصمت يحاصرنا.. والغربة ترسم خطوتنا فخطوط الوصل قد انقطعت والماضي ما عاد لنا حصنا والآتي ما عاد لنا حضنا والحاضر قد أصبح سجنا لا نعرف كيف نحطم أسواره! يختنق الحرف إذا أوشك أن يبرح موقعه ويخون الطير جناحاه إن فكّر أن يهجر موطنه ونظل نعاني بين هجير يصلينا ويذيب حشاشة أنفسنا وصقيع ليليٍّ تتجمد فيه جميع مشاعرنا والريح تعربد في كل الأركان.. تمزق كل دفاترنا والماضي يغدو حجراً فرعونياً لا يحمل أكثر من طير وحصان وبقايا مُلْكٍ ساد وباد وعاد إلى دنيا النسيان كالظل يلاحقنا خوف ننسجه من دنيا الأوهام يسكننا أبداً كالأحلام ويظل يطارد خطوتنا نلقاه فوق وسادتنا. في النوم نراه ويقظتنا فإذا ما لاح لنا قبس.. من بين ثنايا الإظلام وكسرنا قيد كآبتنا.. وهفونا للأمل البسَّام عادت أصوات طفولتنا وتنفس صبح براءتنا.. وغفونا في حضن الأيام نتنادى نحو الشطآن الأخرى.. أمواجاً تتبعها أمواج للموج حكايات تروى.. وله في العتمة إسراج يرحل كالموغل في المسرى ويعود لتطويه الذكرى يتلاشى فوق الرمل وتأتي أمواج أخرى. لو أن نهايتنا كانت كنهاية موج البحر يتكسر فوق الرمل وفوق الصخر يتبخر تحمله الريح مع الغيم ويسقط كالقطر لو أن نهايتنا كانت كشعاع الشمس يتوارى بين السحب ويغفو خلف البحر لو أن نهايتنا كانت كظلام الليل يتبدد عند طلوع الفجر لو أن نهايتنا كانت كنهاية كل الاشياء.. لو أن بدايتنا كانت كبداية كل الاشياء.. نأتي ونغادر في صمت .. لا نحدث صوتاً أو ضوضاء لو أن لنا ألف حياة.. لملأنا الكون من الأخطاء!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات