استراحة البيان _ زوجة (النوخذة) _ يكتبها اليوم: سعيد حمدان

صعد (النوخذة) إلى المركب, وعلا الصوت أن حان الرحيل, بدأ الشراع يرتفع. أخذ صوت النهام يتصاعد, تحركت السفينة, بدأ يغوص نصفها في البحر العميق, ابتعدت, أصبحت صغيرة, لم تعد العين المجردة تعثر عليها في عباب الماء. على السِيفْ كانت الأيادي تلوح لها, جموع غفيرة من النساء والأطفال والشواب, يبكون, يدعون بالسلامة والحفظ للراحلين. كلهم يودعون, ويرفعون أصواتهم نحو البحر, إلا واحدا, لم يصبه وجع الفراق, كان في حالة من الغضب, حل في قلبه الحقد والشر, كان ذلك شخصاً اختلف مع النوخذة في أمر, فحملها في قلبه وقرر الانتقام منه. لم تكن هناك فسحة للكيد, فالنوخذة على رأس المحمل في عرض البحر, ورحلة الغوص من عادتها أن تأخذ ثلاثة أشهر من الزمن أو يزيد. جاءه الشيطان عرض عليه حيلا عده, اختار واحدة, عرف إنها ستكون موجعة على النوخذة, ستكسر انفه, وتنهي وجوده وذكره. فرح قلبه أخيرا, وبدأ يفكر في تنفيذ المخطط الشيطاني. مفتاح الدخول سيكون من خلال تلك العجوز, إنها تدخل كل البيوت, وبيدها يمكنه أن ينفذ قراره الشيطاني. استدعاها إلى بيته, جاءته, قدم لها الضيافة, وفتح معها الموضوع : ــ فلانة ــ زوجة النوخذة ــ يقولون... ــ لا ! هذه شريفة, معتّزة بنفسها, ومحافظة على زوجها وبيتها, لا أحد يجرؤ أن يتكلم عنها, ولا أحد يصدق فيها. وجد أن هذا المسلك مغلق, فحضر إليه الشيطان في لحظتها, قال للعجوز : ــ سأعطيك 5 روبيات. والروبية في ذلك الزمان لها قيمة, لا يحصل عليها الفرد بسهولة. كيف يكون الأمر لو كانت 5 روبيات مرة واحدة, إنها ثروة لا تحلم بها مثل هذه العجوز. ــ أجابته : آمر, ماذا تريد ؟ ــ أريد بعضاً من ملبس فلانة زوجة النوخذة ــ إنه طلب صعب, لا أحد يستطيع تنفيذه ــ لكنها 5 روبيات إذا استطعتِ أن تقومي بذلك ــ وعدته إنها ستحاول. رد المبلغ إلى جيبه, وانصرفت العجوز. في الدرب غطى عليها الطمع, لم تعد ترى سوى الروبيات الخمس. غيرت سيرها, ذهبت إلى بيت فلانة مباشرة. طرقت الباب, استقبلتها بحفاوة وكرم فهذه مضيافة, إنها زوجة النوخذة الكريم. حضر الشيطان, هذه المرة في رأس العجوز, وبدأت تمارس المكر : انظري يافلانة, وبدأت تزيح لها عن بعض لبسها الذي قطعته بيدها قبل أن تدخل عليها. أخذت الشهامة زوجة النوخذة, ورقت لحال العجوز. قامت وأحضرت الملبس الذي يخصها, لفته كهدية متواضعة قدمتها لها. لم تصدق العجوز ذلك, فرحت كثيرا, شكرتها وزادت في الشكر بالدعاء لها ولزوجها ولجميع أهلها, وخرجت مسرورة, كأن الريح حملتها, لم تكن تمشي, كل من شاهدها, قال إنها كانت تطير. دقت الباب بقوة, كان طرقها متواصلا, خرج صاحب البيت مذعورا, لمح بقايا أسنان من تحت البرقع وهي تكشف عن ضحكة انتصار : ــ لبشارة ــ ماذا عندك؟ ــ أخرجت له الهدية, فتحها, لم يصدق عينيه, ذهب إلى الداخل مسرعا, عاد وصر في يدها الروبيات الخمس, واغلق الباب. بدأ يحلم ويرسم ويعيد الرسم, أرسل الإشاعة: انه على علاقة غرامية بفلانة زوجة النوخذة, وعنده الدليل على ذلك. شاعت وزادتها الألسن مزيدا من تفاصيل الخيانة, طافت بيوت الفريج, وصلت جميع أنحاء البلاد. لم يشعر فلان الحقود بالراحة بعد, همه أن تصل إلى النوخذة, وهو هناك في عرض البحر, يريد أن يجرحه وهو في الماء, في الغربة, يجعله ينزف, يتعذب, لاشيء مثل هذا الخبر يجعله يتألم بشدة, يموت ببطء. تذكّر أن أحد القوارب الصغيرة التي تتحرك بين المراكب الكبيرة, تنقل لها الأخبار وبعض الزاد, قد حان رحيلها, أسرع إليها, اختار (تبانا) صغيرا اسمه (حمد), وسرد له الحكاية, لم يطلب منه أن يخبر أحدا, انه مجرد يذكره بسالفة منتشرة في الفريج. فهم الصبي الرسالة, وأوصل الخبر إلى من يهمه الأمر, إلى النوخذة : ــ يقولون في البلاد... ظلام أسود لف الكون, لم يكن هناك لون ازرق في البحر أو حتى في السماء, كل الدنيا كانت مظلمة في عيون النوخذة: كيف يمكن أن يحدث ذلك, وممن؟ من زوجته التي احبها من كل قلبه, والتي أوجد في دواخله نحوها كل الثقة, الثقة العمياء. لا, إنه لا يشك فيها أبدا, ولكن الدخان, كلام الإشاعة, كيف انتشر, لابد أن وراءه حكاية, حمد يقول أن الدليل موجود. ارتفع الموج, تهاوى المركب, أصابه صداع البحر, لا, انه صداع القلب المجروح, المفجوع, قرر أن يتصرف, قبل أن يرحل القارب, قال شعرا يسأل فيه امرأته, يخبرها انه علم بالنبأ, يهجوها, يرجوها أن تخبره الحقيقة: ياراكبٍ عنّا في لوشار سليج من ساي الدمنّا سابح علينا فرخ بحّار اسمه حمد لونه حسنّا ويقول شايف قيد وهيار ومخضب كفّه ابحنّا وامشخص الخزنه غدا اوبار يادانةٍ فيها خسرّنا لأولّ أماري بك مع أتيار واليوم في بخس الثمنّا حّرٍ نزل من فوق لاوكار ولغراب يصعد راس فنّا إن كان هذا يالغضي صار لين الممات امزعلنّا وصلت القصيدة الرسالة إلى الزوجة. شعرت بكل الأوجاع والأحزان التي تصيب الإنسان المظلوم, المغدور, بكت, صرخت, خافت, ذهب عقلها بعيدا, في الانتقام من المجرم, في قتل نفسها, بحثا عن الراحة من هذه المصيبة التي ابتليت بها. كيف تفسر الخديعة لزوجها الذي تحبه, وحفظت اسمه وبيته, ماذا تقول, هل يصدّقها؟! إن الشيطان زرع الشك. قد يتصرف الإنسان المبتلى في مثل هذا الموقف, أن يدافع عن نفسه باليمين, يحلف, يكذّب, ولأنها امرأة, ولأنها زوجة فإنها قد تستخدم مفردات تدل على التذلل والطاعة, تستغيث به, قد تطلب منه أن يأخذ بثأرها. لكنها لم تقم بذلك, تذكرت إنها زوجة النوخذة, رفعت رأسها, قررت أن ترد عليه وبالشعر توضح فيه موقفها, وشخصيتها, أرسلت تقول له: مشخصك لايشرى ولابار ولايناله من اتمنّا والباز ماينزل م لاوكار تلقاه قابض راس فنّا وميرى الأسد مايقنص الفار ولا الهوامس ييسرنّا والنجم لو يلمع في لابحار بعيد عنها في المظنّا ابرز مع التجّار لكبار ولايهمّك شانينّا يشرح الاستاذ حمد خليفة بوشهاب الذي عرفني بالقصيدة وقصتها بعض المفردات التي وردت بالأبيات, وذلك في مخطوطة أدبية عن الغوص لم ينشرها بعد. أن (الوشار) هو السفينة الجديدة الصنع, وسليج يعني سريع, أما (الساي) فهو خشب الساج المعروف, و(المشخص) قطعة من الذهب الخالص. قوة شخصية زوجة النوخذة وثقتها بنفسها تبرز في اختيارها لكلمات الرد, ذلك في قولها مثلا (تلقاه قابض) لماذا لا يكون جالساً أو واقفاً أو على, جميعها مفردات تحمل المعنى المراد, لكن قابض اشد وأقوى في الوصف وأيضا تأثيرها على السامع, كذلك في (مايقنص الفار) بحثت عن مخلوق ضعيف جبان ليكون الفارق ووجه الشبه بعيداً جدا: كيف يقترب هذا الذليل من موضع الأسد؟! كذلك في لفظ (ابرز) أمر يحمل الثقة الزائدة, يمنح الموجه له الدعم والطمأنينة والصدق, واختارت أن تقول في الشطر الثاني (ولايهمك) إن فعلة صغير النفس يجب أن لا تؤثر فيك, لا تهتم وتشغل بالك بهذا الذي يحاول أن يشيننا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات