خط مباشر _ بين الترابي وقرنق (1) _ بقلم: أحمد عمرابي

يجتهد د. حسن الترابي, بغير قليل من حيل البيان والبلاغة و(الأكروبات) اللفظية, أن يخلق انطباعاً بين جمهرة المسلمين في السودان وغيره بأن الاتفاق المثير الذي توصل إليه قبل بضعة أيام مع حركة قرنق ليس مجرد (تكتيك) مرحلي من وجهة نظر (المؤتمر الشعبي).. وهو التنظيم المعارض الذي يقوده الترابي. لكن الاتفاق يبقى في كل الاحوال تحالفاً, حتى لو كان مرحلياً, بين مسلمين وغير مسلمين ضد مسلمين آخرين. وهذا بدوره يطرح اسئلة خطيرة حول شخص الترابي وهوية (مؤتمره الشعبي). وأخطر سؤال هو: هل بتحالفه مع حركة قرنق التي ترفع شعار (علمانية الحكم) وتمثل في الوقت نفسه رأس حربة لحملة مستديمة لأجندة الحركة الكنسية الغربية العالمية تجاه أفريقيا, قرر الترابي القبول ضمنياً بمبدأ (فصل الدين عن الدولة)؟ لكن هذا السؤال يسبقه سؤال آخر أكثر مباشرة: من هو د. حسن الترابي؟ هل هو حقاً مفكر فقهي وداعية إسلامي يتسامى بفكره الإسلامي فوق ترهات الحزبية السياسية أم هو في الحقيقة سياسي حزبي يتعامل بأساليب وحيل المبادرة السياسية انطلاقاً من ذهنية براجماتية انتهازية محكومة بجنون السلطة والتسلط لا بهاجس الجهاد المقدس؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال استعراض بنود الاتفاق الذي أبرمه تنظيم الترابي مع حركة قرنق.. وأطلق عليه (مذكرة تفاهم). هذه البنود يمكن تلخيصها كما يلي: * القيام بمقاومة سلمية مشتركة ضد النظام الحاكم في السودان. * التوصل الى تسوية تاريخية وحل سلمي شامل لمشاكل السودان. * إنهاء الحرب الأهلية في السودان أولاً على طريق التوصل الى الحل السلمي. إن أول ما يتبادر الى الذهن عند مطالعة بنود الاتفاق هو ان (مذكرة التفاهم) تتحاشى من أولها لآخرها ذكر النشاط العسكري القتالي لحركة قرنق. وهذا غريب.. إذ كيف تكون مقاومة النظام (سلمية) بينما حركة قرنق تنظيم عسكري مئة في المئة لا يعتمد ــ كأسلوب رئيسي للتعامل مع الطرف الآخر ــ سوى استخدام السلاح؟ نعم.. إن حركة قرنق تتعاطى مسلسلاً تفاوضياً مع الحكومة السودانية. لكن الأسلوب التفاوضي بالمقارنة مع الأسلوب القتالي ليس سوى أداة ثانوية لحركة جنوبية تضم نحو 50 ألف مقاتل.. مجهزين بإمدادات سلاحية حديثة من مصادر غربية. قبل نحو عام اندلعت (معركة رسائل) بين الصادق المهدي زعيم (حزب الأمة) وجون قرنق. وأنقل فيما يلي مقتطفاً من إحدى رسائل الصادق إلى قرنق: (نحن ــ أي حزب الأمة ــ في الحقيقة تنظيم سياسي اضطر للعمل العسكري. وأنتم في الحقيقة تنظيم عسكري تقيسون الوزن السياسي بعدد المجندين..). وأظن أن د. الترابي لم يكن موفقاً في إجابته عن سؤال في هذا السياق طرح عليه في مقابلة تلفزيونية عقب إبرام (مذكرة التفاهم). فقد قال الترابي: إن حزبه تفاوض وأبرم الاتفاق مع (الحركة الشعبية لتحرير السودان) لا مع (الجيش الشعبي لتحرير السوداني).. وكأنما جون قرنق قائد (الحركة) و(الجيش) في آن معاً شخصيتان.. وكأن (الحركة الشعبية) ليست سوى (منبر علاقات عامة للجيش الشعبي), كما قال الصادق المهدي مخاطباً قرنق. للأسف انحدر د. الترابي, بروفيسور القانون الدستوري في جامعة الخرطوم وعميد كلية الحقوق في مرحلة ما من حياته العملية الطويلة إلى مستوى الاستخفاف السخيف بأي حد أدنى من ذكاء من يعرفونه كزعيم. لقد كان الأجدر بهذا الزعيم الإسلامي أن يسعى إلى إقناع قرنق بإلقاء السلاح وتحويل (الحركة الشعبية) أو (الجيش الشعبي) إلى حزب سياسي يمارس نشاطه داخل السودان معتمداً الوسائل السلمية على غرار ما يفعل حزب (المؤتمر الشعبي).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات