استراحة البيان ، فى ذمة الرحمن.. ياكتشنر، يكتبها اليوم: محمد الخولى

لأن دور النشر البريطانية تعرف عنا ولا فخر شدة الشغف المدنف بالكتب والاصدارات الجديدة. فقد تلقينا من احداها رسالة منذ أيام تعرض علينا أحدث نواتج مطابعها, كتاب مؤلف يا الطاف الله من 620 صفحة، ويحمل عنوانا من كلمة واحدة هى: كتشنر. ولا ندرى أكان فى الأمر استعباط أم جهل أم هو مجرد تصرف بيروقراطى أملته قوائم الحاسوب الالكترونى الذى لم يقرأ التاريخ ولا يحمل بين أسلاكه المتشابكة عواطف جياشة أو غير جياشة أكان الأمر على أى وجه من تلك الوجوه فى أن تعرض علينا مكتبة بريطانية أن نهتم بعد كل هذا العمر بكتاب جديد عن اللورد الجنرال هوراشيو هربوت كتشنر وكان واحدا من رموز الاحتلال الاستعمارى البريطاني المقيت الذى رزحت تحت نيره مصر على امتداد سبعين عاما من عمر الزمان ؟ هنالك اكتفينا بالاطلاع على عرض نقدى للكتاب الجديد بعد أن اعتذرنا عن شرائه. وقد نشر العرض فى أحدث ملحق أدبى بجريدة الصنداى تايمز العتيدة وقد استهله كاتبه توماس باكنمان بتذكير قارئيه بالاعلان الشهير القديم الذى كان يحمل صورة الأخ كتشنر خلال أيام الحرب العالمية على شكل ضابط تجنيد صارم الملامح أقرب إلى عفريت من الجن عيونه الشاحبة الزرقاء تنفذ محدقة فى الفراغ وقد شرع سبابته المغطاة بقفاز الجندية الأبيض مسددا أياها مثل سيف يشهره فى الهواء فيما تتحرك فى الصورة شفتاه اللتان أخفاهما شارب غليظ مسترسل كثيف أشبه كما يقول الصحفى البريطانى بنخلة باسقة وهو ينطق بعبارة كانت أقرب إلى حكم القضاء والقدر تقول لكل شاب فى أمة الإنجليز : (أنت يا هذا.. بلدك فى حاجة إليك) (حيث كان الاعلان البوستر المعلق فوق كل جدار يكتب كلمة إليك بحروف بارزة وكأنما يقول فيها.. أنت بالذات فلا مهرب لك يومئذ ولا منجاة). الكتاب الإنجليزى صادر باسم الله ما شاء الله فى مجلدين الأول يحمل اسم (الطريق إلى أم درمان) وهو كتابة عن نجاح اللورد كتشنر فى استرداد السودان من حكم خلفاء محمد أحمد المهدى الثائر السودانى الكبير الذى عاصر ثورة أحمد عرابى فى مصر منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر. أما المجلد الثانى فيحمل عنوان (منقذ الأمة أو مخلصها) وفيه يستعرض المؤلف منجزات بطله الجنرال ما بين انتصار الإنجليز المستعمرين فى حرب البوير بجنوب افريقيا إلى صولات وجولات كتشنر طوال المراحل الأولى من الحرب العالمية الأولى أيضا حين تولى كتشنر منصب وزير الحربية فى بلاده حيث كانت خيبته الكبرى لأنه كان قد أمضى معظم حياته العسكرية وحصل كل خبراته المهنية فى بلاد الشرق ما بين أفريقيا ومصر وما بين الهند والعراق. وكان من الطبيعى أن تحدث فى عهد وزارة كتشنر واحدة من أفدح نكسات الهزيمة العسكرية التى منى بها الجيش البريطانى فى موقعة جاليبولى الشهيرة عام 1915 ويومها تغنى الشعراء العرب بانتصار الترك على الحلفاء الغربيين ومن ذلك ما أنشده شوقى يقول فى مطلع قصيدته: الله أكبر كم فى الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب كانت النتيجة اعفاء اللورد كتشنر من منصبه ولكنه ظل معبود الجماهير البريطانية وزاد من علو قدره نهايته الفاجنرية الفاجعة المدوية كما لو كانت من أعمال الموسيقار الأشهر ريتشارد فاجنر.. لقد كلفوه خلال اشتعال الحرب العظمى الأولى بالسفر إلى روسيا للمساعدة على تنظيم جيوشها المقاتلة.. كان ذلك فى صيف عام 1916 يومها ارتدى اللورد المارشال كتشنر أفخر ثيابه العسكرية.. وحرص ولاشك على تزيين صدره بنجوم النياشين وكواكب الأوسمة والانعامات يخطف بريقها أبصار الناظرين, وركب الطراد الحربى همشير فى طريقة إلى روسيا, وعند سواحل اسكوتلندا اجتاحته الاعاصير العاتية وانعدمت الرؤية. فكان أن اصطدم الطراد الانجليزى بلغم ألمانى وسرعان ما هوى بركابه إلى قاع المحيط غرقى وكان على رأسهم كتشنر ومعه 300 من أركان الحرب وسائر الضباط. وكان من الطبيعى أن تهتز لهذه الانباء المفجعة قلوب الانجليز أبناء التايمز كما كانوا يسمونهم فى تلك الأيام لكن ما الذى يدفع شعراء من أبناء وادى النيل إلى إرسال زفرات حرى ونظم أبيات متفجعة تنعى بالدمع الهتون مصير كتشنر الذى طالما سام قومهم من عرب مصر والسودان سوء العذاب. ومن عجيب المصادفات أن يقع فى أيدينا ونحن نهم بكتابة هذه السطور كتاب طريف عن عصر السلطان حسين الذى كانت فترة حكمه هى الأقصر اجلا فى مصر المحروسة حيث امتدت نحو ثلاث سنوات لا تزيد بين عامى 1914 و 1917 (قارن على مستوى الحقب الزمنية حكم جده الوالى محمد على باشا وقد دام 37 سنة أو حكم ابن أخية الخديوى عباس حلمى وقد دام 22 سنة وحكم أخيه فؤاد وقد دام 18 سنة منها خمس سنوات حكم فيها فؤاد بلقب السلطان والباقى حكم بلقب الملك). حسين كامل باشا عاش ومات سلطانا وحكم فى ظل سنوات الحماية التى فرضتها انجلترا على مصر. والكتاب الذى تناول عصره الموجز الحافل بالأحداث وضعه المرحوم سيد كيلانى وحرص على أن يستقصى فيه وقائع الحياة الاجتماعية والإبداعات الأدبية إلى جانب الحوليات السياسية لتلك الفترة المائجة الاضطراب. وكان من حظنا كقارئين وباحثين أن يعرض لنا الاستاذ سيد كيلانى بعض ما أنشده شعراء مصريون فى باب التفجع الشديد الذى يكاد يصل إلى لطم الخدود وشق الجيوب حزنا على الفقيد العزيز هوراشيو هربوت كتشنر. ولقد يحار المرء كيف استطاع شاعر أن يروض نفسه ويطوع قلمه ليكتب هذا اللون من النفاق الفنى الصارخ الصريح ولقد نفهم أن يغرق مارشال الإنجليز المستعمرين على سواحل بلاده وأن يدفع النفاق أو التخوف أديبا أو سياسيا فى مصر إلى إرسال برقية عزاء إلى دار الحماية من باب دفع الذرائع أو اتقاء الشرور أو سد الخانات (برقية تفوت ولا حد يموت). لكن أن يصل الأمر إلى شعر منشور وتفجع يذيعونه بين الناس على مستعمر جبار فهذا هو النفاق المستفز الذى أورده سيد كيلانى نقلا عن جريدة مصر القاهرية بتاريخ 15/6/1916 فى قصيدة للشاعر ناشد تادرس خاطب فيها غير المأسوف عليه كتشنر قائلا : يا قائد الآلاف ما انكى المصاب وما أمر فالشعب لولا أن فيه بعض تقوى , لانتحر كنت المرجى للحروب وأنت فى يدك الظفر فتركتنا الا مآثر لاتزول عن الفكر كل الرجال تعاض إلا من أضاعت همشير ولك أن تتصور طبعا أن الشاعر النحرير قد اختار كافية الراء لكى يذكر فيها اسم الطراد همشير ناهيك عن أن يختم عصماءه ببيتين يقول فيهما: سيخلد التاريخ ما أحرزت من مجد البشر فى ذمة الرحمن أنت منعم يا.. كتشنر ويبدو أن جريدة (مصر) القاهرية الغراء كانت كمن هدتها فاجعة كتشنر, ولذلك فلم يهدأ لها بال ولا سكنت لها خواطر إلا بعد أن عادت يوم 26 من نفس الشهر يونيو 1916 لكى تنشر قصيدة رثاء أخرى للشاعر محمود شكرى يقول فيها : أعزى أمة السكسون فيمن تجرع مبحرا كأس المنون وزير الحرب كتشنر المرجى لنيل النصر فى الحرب الزبون حديد العزم لم يعرف كلالا شديد الحزم فى كل الشئون مصاب فادح أدمى قلوبا ورزء مؤلم مبكى العيون ومصر كما ارتأى بلد وفى فلا هو بالكنود ولا الخئون تنادى بالثناء عليه جهرا وتنظم عقد شكران ثمين تؤبن فيه أكبر مصلحيها وترثى خير معوان معين هكذا فإذا كان الأخ تادرس قد لايمها قليلا وتحفظ فى مديح الوزير الاستعمارى الغريق.. فإن الأخ شكرى قد فتحها على البحرى كما يقولون وأغرق موغلا ورخيصا أيضا فى تعداد مآثر كتشنر توصل إلى حد أن مصر بحكم وفائها تبكى مآثر كتشنر وتذكر بالثناء اصلاحاته, ولعلك تلاحظ سخافة الشعر وتكلف النظم الذى جعل الشاعر, وهو متوسط الموهبة يطلق على الحرب وصف الزبون وهى كلمة (قاموسية معناها الشديدة المتدافعة) والله أعلم. على كل هكذا يعلق الأستاذ سيد كيلانى فيقول: (إذا كانت انجلترا قد خسرت أحد رجالها العظام , وإذا كان من واجبها أن تبكى عليه , فما الذى يدعونا نحن المصريين إلى البكاء على كتشنر وهو رجل أمضى حياته فى مصر ولا هم له الا القضاء على الحركة الوطنية. اننا لا نستطيع أن نلوم صغار الشعراء ما دام كبارهم قد فتحوا باب القول أمامهم). الاستاذ كيلانى يشير فى ختام كلامه إلى أمير الشعراء أحمد شوقى الذى لم يتورع عن أن يدلى بدلوه فى بحر النفاق الرخيص لقد حاول أن يمالئ الإنجليز دون أن يشفع هذا له بل أخرجوه من مصر إلى منفى وأى منفى. وتلك قصة أخرى نحكيها فى حديث قادم بإذن الله.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات