الى اللقاء _ حكاية أم أحمد _ بقلم: تاج السر ابو سوار

أم أحمد.. شخصية نسائية عجيبة.. طاعنة في السن.. ذات ثياب رثة وصوت خنشوري رجولي تسمع صداه من بعيد.. ضحكتها تهز المكان.. تجدها متكئة على مقعدها المنسوج من الحبال وهي تدخن سيجارتها كما الرجال.. يهابها الجميع فهي صديقة العمدة وخزينة اسراره ووكيله في المحافل, بل هي عينه التي ينظر بها ان كان غائباً, ويده التي تبطش اذا استدعى الأمر ذلك, مدللة لأبعد الحدود, لا يرفض لها أي طلب احتار كثيرون في اختيار العمدة لها بالتحديد رغم انها بلغت من السن عتياً.. ولم يعد نظرها يساعدها على رؤية البعيد.. ولم يعد سمعها يسعفها الا بعد طول ترديد.. احدهم قال لاصدقائه يا جماعة الخير أم أحمد موصل جيد للحرارة.. لم يفهم البعض قصده بالتحديد.. قال لهم بالواضح اعملوا حسابكم لا تتحدثوا عن العمدة في حضرتها.. فكل ما يقال يصل.. اسرار البيوت تنقل إليه عبرها.. أخبار الحي تصله لحظة بلحظة المشاجرات الخلافات اسبابها ومن تسبب فيها يعرفها العمدة.. ولا احد يدله او يخبره عنها سوى ام احمد. هي لا تنكر, تقول: نعم فعلت هذا وذاك اريد ان اعيش, هو يطعمني ويسقيني ويهون علي مشقات الحياة.. ابنائي رحلوا عني.. زوجي غادر الدنيا منذ زمن وتركني وحدي للأمراض والمحن, تركت اهلي في القرية وجئت الى مدينتكم, العمدة ربنا يعطيه الصحة لم يبخل علي بأي شيء اعطاني الدار ومنحني المال.. عوضني عن بؤس الأيام, فلماذا لا اكون مخلصة له؟ أرعاه في حضوره وأحفظه في غيابه.. لماذا الحقد عليّ أنا لا أنقل الا ما تقولون.. فلماذا انتم تتحدثون.. احفظوا ألسنتكم من التطاول على العمدة, انه كبيركم الذي يعمل لخيركم. والحقيقة ان فلسفة ام احمد في الحياة واضحة هي تريد ان تعيش لأنها متمسكة بالحياة غايتها ان تستمر حليفة للعمدة.. ليس مهماً الوسيلة التي تستخدمها.. فإذا كانت العلاقات بين الدول الكبرى تبنى على المصالح المشتركة بعيداً عن السياسة واذا كانت السياسة نفسها لا توجد فيها صداقات دائمة وعداوات دائمة.. بل مصالح دائمة وقائمة فهي جزء من هذا العالم.. ام احمد في احيان كثيرة عندما تذهب لمناسبة نسائية او للمشاركة في الافراح والاتراح.. النسوة يتجنبن الحديث اثناء تواجدها بل يشرن همساً: وكالة الاخبار وصلت عيون العمدة جاءت, لكنها رغم ذلك تتمسك بمواقفها, لا تنقطع عن مناسبة ولا تغيب عن مشاركة ففي كل حركة بركة والعمدة ينتظر والاخبار لابد ان تصل.. والحكاية مستمرة والعلاقة يجب ان تستمر. حكاية أم أحمد هي حكاية كل موقع وكل مكان وكل بلد, فالمستفيدون من العلاقات الوطيدة كثيرون, والمقربون من اصحاب القرار عديدون والرافلون في نعيم نقل الاخبار متوفرون, والمتبرعون بالتطوع لدق الاسافين بين البشر جاهزون, وللأسف فلا الناقل يتعظ ولا السامع يرفض. والحياة مستمرة.. وطالما توفر الخبر.. فلماذا يتجاهله البشر. آخر نقطة ثلاثة أشياء تتوفر بالمجان لكل إنسان هي: اليأس والمرض والموت!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات