استراحة البيان ، يكتبها اليوم: سالم الزمر، مختارات غربة

كانت غربة المتنبي وكثير من الشعراء في غير اوطانهم فما بالك بالفتى العربي وهو يلبس ثوب الغربة في وطنه, انها الغربة المرة اذا رأى الوجوه غير الوجوه التي اعتادها طفلاً والشوارع غير دروبه وازقته التي اعتادها صغيراً, كل شيء تبدل كل شيء تحول اذا دخل حيه القديم ذاك الذي انتهت علاقته بكل ما هو عربي الا لغة اللافتات على الدكاكين واسماء الشوارع تزاحمها لغات اخرى غير عربية تكاد تسقطها من اللافتات وتتصدر مكانها كما فعل أهلها. طفل ان الطفل الصغير ارض بكر خصبة تنبت بكل ما يلقى فيها فإن كان ثمراً حلواً طيباً فإن هذا يعني ان البذرة كانت طيبة وان كان ثمراً خبيثاً فمعنى هذا ان البذرة كانت خبيثة والطفل كتاب صفحاته بيضاء ناصعة مفتوحة فلم لا نكتب عليها اجمل الحروف وأعذب الكلمات واشرفها؟ ولم لا نصور عليها اجمل الصور ونتركها بإهمال لقنوات التلفزيون تكتب عليها ما تشاء؟ مذيعة استوقفني صوت مذيعة مصبوغة بالزيف من رأسها حتى قدميها وهي تسأل متحدثاً معها عبر الهاتف في احدى الفضائيات تقول له هل كان نزار يكتب شعره عن معاناة فقلت في نفسي قبح هذا السؤال وقبح سائله أيطعن شاعر كالقباني في خاصرته بهذا السؤال ممن لا تعرف ان تقرأ شعره ولكنه زمان المذيعات الفضائيات اللواتي لم يتعلمن الا مضغ الكلام ونتف الحواجب. قال نزار يا الهي هل الكتابة جرح ليس يشفى أم مارد ملعون كم أعاني في الشعر موتاً جميلاً وتعاني من الرياح السكون سألتها عن الشعر سألتها يوماً ما عن اي الشعراء افضل شاعرية: فاروق جويدة ام نزار قباني؟ فقالت بل فاروق جويدة وتساءلت لماذا يفضلون عليه نزار قباني. ثم مرت الايام ورددت على سمعها رباعيات الخيام لأحمد رامي: أفق خفيف الظل هذا السحر نادى دع النوم وناغي الوتر فطربت لذلك فظننت انها تعرف لمن هذه الابيات فلما سألتها قالت هي لأحمد شوقي, فعلمت ان النساء أو أغلبهن يحببن الشعر فطرة وأنهن اكثر الخلق انصاتاً للشعراء غير أن أقرب المنتسبين الى الشعر عندهن ذلك الذي لا يذهب بعيداً في شعره وخيالاته وصوره بل ذلك الذي يقول لهن (اموت في تراب رجليك) وليس الذي يقول كما قال شاعرنا الكويتي العتيبي: يا عذبة الاسم يا حلما ألوذ به اذا تلقفني سهري وحرماني رموش عينيك لبلاب ألوذ به إذا تعرى ربيعي رغم نيساني الشعر لا غرابة ان يكون الشعر غناء العربي الوحيد وايقاع خفقان قلبه يوم أن كان العربي ذلك الفارس المهيب الذي لا يرى مكاناً أعز من سرج سابح اصيل ولا أنيسا في الزمان خيراً من الكتاب, ولا يليق به ان يترجل ليستبدل السيف بالطبل ولا السرج بالتخت الشرقي ولا الكتاب بجلسات الغواني والغناء فلما كان ذلك اندحرت الأمة اندحاراً مخزياً أفقدها مجدها وأندلسها وقدسها وبخارى وسمرقند وذهبت تلهث لهاث المتهالك وراء قوافل الحضارة الغربية وترنو بأطراف الحسرة الى أسراب المجد المحلقة بعيداً تاركة اياها في الحفر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات