فراشة ملونة نطردها بعيدا، بقلم: عادل حمودة

في ذلك اليوم (البعيد) كانت مساحة الجرح أكبر من مساحة الوطن. وكمية الدموع التي في عيوننا أكبر من كمية المياه في نهر النيل.. وقسوة الألم التي هزت كل خلايانا أكبر من صدمة الهزيمة التي وقعت في لمح البصر. في ذلك اليوم (البعيد) من (يونيو) 1967 استيقظنا ونحن مأخوذون برومانسية سياسية مفرطة لم نعرف ساعتها أن العصر تجاوزها.. ولم نعرف أنها ستتهشم وتتناثر في ثوان معدودة. وبحثنا عن الوطن فوجدناه قد أخذ إجازة وسافر.. وبحثنا عن الصبر فوجدناه قدم استقالته وجلس على مقهى يثرثر ويلعب الورق.. وبحثنا عن الحل فوجدنا كلمة (الديمقراطية) مكتوبة على جناح فراشة ملونة كانت تحوم طول الوقت ونحن نهشها ونطردها بعيدا. لقد تذكرت ما جرى في هذا اليوم (البعيد) ليس من باب (النكد) السياسي.. وليس من باب (القهر) النفسي.. ولكن وقعت أحداث مهمة استحضرت روح (شيطان) الهزيمة.. وفرضت علينا تجديد التعامل معها. هدد رئيس الأركان الإسرائيلي ورئيس حزب (إسرائيل بيتنا) باعادة احتلال سيناء من جديد بدعوى أن مصر تجاوزت معاهدة الصلح بينها وبين إسرائيل.. هدد بإشعال حرب جديدة في المنطقة وراح يسخر من المسلمين والإسلام ويحرض على أن يكون الصراع القائم صراعا دينيا.. ولم يكن يسعى من وراء ذلك سوى الوصول الى رئاسة الحكومة الإسرائيلية.. وفي هدوء رد الرئيس حسني مبارك أمام رموز من المثقفين والمبدعين في لقاء معرض الكتاب قائلا: (إن أعصابنا قوية..وحرب يونيو 1967 لن تتكرر أبدا)..وهكذا.. فرض اليوم (البعيد) نفسه علينا هذه الأيام.. بعد 34 سنة على رحيله. في الوقت نفسه صدرت عن مركز الدراسات الاستراتيجية في مؤسسة (الأهرام) أول مجلة متخصصة عن (الديمقراطية).. الكلمة التي كانت مكتوبة على جناح فراشة ملونة تحوم حولنا في أيام الهزيمة وقبلها وبعدها وكنا نهشها ونطردها بعيدا.. الكلمة التي قرر جيلنا الدفاع عنها بعد أن أدى واجبه في حرب أكتوبر التي محت عار الهزيمة. لقد كان جيلنا هو الجيل الذي ضربوا له موعدا مع القدر فإذا به يجد نفسه على موعد مع الانتحار على الطريقة البوذية.. حيث يحرق الناس أنفسهم في عرض الشوارع احتجاجا على جرائم لم يرتكبوها.. وتطهرا من خطايا وقع فيها غيرهم.. وغضبا من كارثة سياسية لم يتسببوا فيها.. كنا في حاجة لإشعال النار في أنفسنا أو جلدها أو حرقها بالنيران لنعلن غضبنا من كل مالم نتسبب فيه.. لنخرج الرمح الإسرائيلي الذي اخترق لحمنا وأرضنا وكرامتنا.. لنطالب بعودة الفرسان الى أمة بأكملها وضعت الحرية تحت التحفظ.. وأدمنت المنشتات والشعارات. كان جيلنا على عتبة الجامعة.. في المسافة القصيرة الفاصلة بين الطفولة والرجولة.. لم نكن نعرف أننا نعيش على (مورفين) الخطب الرسمية والأغاني الوطنية وفقدان الذاكرة التاريخية.. لم نكن نعرف أننا ضحايا سماسرة الكلام الذين باعوا واشتروا مصائرنا في السوق السوداء.. وكان علينا أن نتحرر من حالة الشلل النصفي التي ولدنا بها.. ونتمرد على حالة التحذير التي كنا فيها. ونتجاوز المحنة القاسية التي فرضت علينا. كانت المهمة قاسية.. وانتحارية.. لكن لم يكن لنا خيار آخر.. كان على جيلنا أن يعبر عن غضبه وألمه.. فكانت مظاهرات فبراير ونوفمبر عام 1968 التي كانت أول مظاهرات تخرج ضد النظام الثوري في مصر.. وكان على جيلنا أن يدفع عن وطنه عار الهزيمة ويسترد الوطن من البئر العميقة التي ألقوه فيها. فكانت أيام الصبر الطويلة على جبهات القتال.. وكانت الإقامة المزمنة في الخنادق والدشم التي كانت توصف أحيانا بأقفاص القردة.. وكان على جيلنا أن يبحث عن نظام سياسي بديل لا يكرر الخطأ.. ولا يلدغ من الجحر نفسه مرتين.. فكانت الجماعات والتيارات السياسية الفوقية والتحتية التي عرفتها الحياة السياسية وضربتها الأجهزة الأمنية على مدى العقود السابقة. لقد كنا في غالبيتنا (ناصرين).. والناصرية هي تجربة تاريخية.. صاغت ملامحها وجذبت مريديها من تجارب الواقع وظروف العصر ومواقف التحدي الوطنية التي وجدت نفسها تخوضها.. وهي حالة سياسية وسطية.. تأخذ العدالة الاجتماعية من اليسار دون أن ترتمي في أحضان الماركسيين.. تطور جامعة الأزهر وتنفق الأموال على نشر الإسلام في دول العالم الثالث في أسيا وأفريقيا.. لكنها تطارد الاخوان المسلمين وتلقي بهم في السجون والمعتقلات.. تؤمن بأن حرية رغيف الخبز هي أفضل طريق الى صندوق الانتخابات لكنها ترفض التعددية السياسية والحزبية وتضع الجميع الذين وصفتهم بقوى الشعب العاملة في بوتقة التنظيم السياسي الواحد.. وهو الاتحاد القومي.. ثم الاتحاد الاشتراكي. وقد وجدت الناصرية في السواد الأعظم من الناس في مصر أنصارا لها.. فقد كانت تتوجه إليهم في السياسات والقرارات والتصرفات.. التعليم المجاني.. دعم السلع.. تخفيض الإيجارات.. توزيع الأراضي على الفلاحين.. دخول العمال مجالس إدارات الشركات.. زيادة نفوذ ووجود الطبقة الوسطى في مجالات الفن والإبداع.. لقد كانت غالبية البشر في هذا الوطن أصحاب مصلحة في الناصرية.. وعندما انفضت المصلحة انفضوا عنها.. وبقيت في دائرة الحلم الذي كان.. والتجربة الرومانسية التي صاغتها الظروف والتهمتها وقضت عليها الظروف. أما الضربة القاضية التي وجهت إليها فهي الهزيمة.. هزيمة يونيو 1967.. لقد فقد النظام حدوده ففقد شرعيته..وبدأ الحديث عن التغيير.. والتقييم.. والشفافية.. والمعارضة.. وارتفعت الأصوات الغاضبة بكلمة بدت مغرية ومثيرة ولاتزال.. الديمقراطية..ولم تعد كلمة الليبرالية مكروهة.. أو محتقرة. وبدت الوسطية الناصرية غير مغرية للأجيال الجديدة التي وجدت بحكم فوران السن وقسوة الهزيمة أن عليها أن تختار اختيارا سياسيا واضحا ومحددا.. الذين أنحازوا الى الناصرية لرائحتها اليسارية أصبحوا ماركسيين واضحين.. والذين انحازوا إليها لاعتدالها الديني أصبحوا جماعات وتنظيمات إسلامية متشددة.. والذين لمحوا فيها العدالة الاجتماعية أرادوا تغطية عيوبها السياسية فاتجهوا الى الليبرالية.. وبقي مع الناصرية تيارات بقيت ضاغطة بحلم المكاسب التي نالتها.. لعل المكاسب لا تضيع.. أو لعلها تعود في يوم من الأيام ولو في زمان آخر. ولم تتردد بعض القوى الجديدة خاصة القوى الماركسية والدينية في النزول تحت الأرض.. وتشكيل الخلايا والتنظيمات والتحريض على تغيير النظام السياسي بوسائل غير معترف بها.. مثل المنشورات.. والمظاهرات.. والتحالفات الخفية مع قوى أخرى قادرة على الحركة والتأثير مثل العمال..وقد وصلت حركة الجماعات والتنظيمات الماركسية الجديدة الى الذروة في مظاهرات 18 و19 يناير عام 1977 والتي عرفت بمظاهرات الجوع أو انتفاضة الطعام. وإن كان الرئيس أنور السادات قد وصفها بإنتفاضة (الحرامية).. لقد كانت هذه المظاهرات هي الصرخة الأخيرة التي أطلقتها الطبقة الوسطى قبل أن تعاني من الدوار والسقوط في براثن التدني والحاجة. وكانت هذه المظاهرات أيضا هي آخر صرخة يسارية منظمة في مواجهة النظام السياسي الذي كان قائما في ذلك الوقت. ولم تمر عدة شهور على هذه المظاهرات حتى وقع حادث آخر كان بمثابة إعلان ميلاد بالدم لتيارات الجماعات والتنظيمات الدينية الجديدة والمتشددة..حادث مقتل الشيخ الذهبي.. في يوليو 1977.. واعتقال أمير التنظيم الذي دبر الحادث وهو شكري مصطفى زعيم الجماعة التي اشتهر باسم جماعة (التكفير والهجرة)..لقد سبق هذا الحادث حادث آخر لم ينتبه النظام السياسي لدلالته هو حادث الفنية العسكرية في أبريل 1974.. بل أن النظام السياسي الذي لم يتوقف عند فحص الحادث وتحديد خطورته لم يتردد في أن يتحالف مع الجماعات الدينية المتشددة ليواجه التيارات اليسارية الماركسية والناصرية المعارضة.. وهي قصة معروفة انتهت بقتل رأس النظام أنور السادات في أكتوبر عام 1981. وبتراجع التيارات اليسارية تقدمت الجماعات المتطرفة, وراحت تقتل وتذبح وتفجر وتقطع الأرزاق وتهدد المفكرين والمبدعين.. وتطارد المتدينين المستنيرين.. ولم يكن هناك مفرا أمام جيلنا سوى قبول التحدي ومواجهة القنابل والخناجر والجنازير والأفكار الخاطئة.. إن العدو هذه المرة في الداخل.. والمعركة هذه المرة معركة أهلية.. والضحية التي وجدناها تداس تحت الأقدام هي الديمقراطية.. وهي المعركة التي لا تزال مستمرة.. والتي نقابلها ونحن نقاتل معركة اخرى في اتجاه آخر.. معركة التوازن بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية.. بين فتح الأسواق وفتح الآراء. بين الاعتماد على القطاع الخاص في التنمية والاعتماد عليه في الديمقراطية.. فهما وجهان لعملة واحدة. وربما لهذا السبب تأتي مجلة (الديمقراطية) في وقتها.. ولا نقول أنها تأخرت.. فيكفي أن تحمل هيئة تحرير المجلة عبء قضية الديمقراطية.. عبء الدفاع عنها..وتحديد مفاهيمها..ومتابعة انتصاراتها وانتكاستها في كافة أنحاء المعمورة.. وربما لأن العبء كبير فإن المجلة فصلية.. أي تصدر كل أربعة شهور.. وإن كان عدد صفحاتها الذي يزيد عن 300 صفحة ربما يعوض بعد المسافة الزمنية بين عدد وآخر. وتتولى رئاسة تحرير (الديمقراطية) الدكتورة هالة مصطفى.. وهي باحثة لها اسمها. ولها تجربة ناجحة في متابعة ما يجري في مجلس الشعب تترجمها في مطبوعة شهرية تختص بالتقارير والدراسات البرلمانية.. والمعروف أن البرلمان هو نقطة التقاء الأفكار النظرية عن الديمقراطية والممارسة العملية لها.. ومع الدكتورة هالة مصطفى في (الديمقراطية) فريق من أفضل الباحثين السياسيين ينتمي الى أجيال مختلفة واتجاهات سياسية مختلفة.. فالديمقراطية تبدأ عند الذين يؤمنون بها ويدافعون عنها وإلا كانت مثل (كلام الليل) المدهون بالزبد..ما أن يطلع عليها النهار حتى يسيح ويتلاشى.. وربما كانت المجلة الجديدة بعيدة عن القاعدة العريضة لجمهور القراء وبعض السياسيين وبعض أعضاء مجلس الشعب الذين سقط أحدهم في امتحان الاملاء ووقع في 32 خطأ وهو يكتب فقرة لا تزيد عن 15 سطرا في امتحان محو الأمية.. لكن (الديمقراطية) لا تطمح للوصول الى هؤلاء.. فهي كما قدمت نفسها في العدد الأول : مجلة متخصصة تعنى بدراسة النظم السياسية على طريقة الدراسات المقارنة.. وهي دراسات تهتم برصد أنواع وأنماط نظم الحكم وتطوراتها السياسية. وتهتم بقضايا من عينة : التحول الديمقراطي.. الثقافة السياسية.. الأنماط الحزبية.. الانتخابات.. الرأي العام.. حقوق الإنسان.. وغيرها. وربما كانت هذه الدراسات الجادة غير جذابة وغير مثيرة لمعظم الناس.. ولكنها هامة وضرورية لأولئك الناس الذين قرروا احتراف السياسة أو الكتابة عنها.. من حملة الأقلام وقادة الأحزاب.. وأعضاء البرلمان.. والشخصيات العامة التي وضعها قدرها وقدرنا للجلوس على منصات الندوات والمناقشات السياسية.. هؤلاء هم جمهور وقراء (الديمقراطية) وهؤلاء يتسم بعضهم بجهل يفخر بإعلانه.. والتعبير عنه علنا.. وخطورة الجهل أنه يخلط الأوراق ويخلط المصطلحات.. ويجعل أنصاره يتحدثون عن أشياء بديهية وكأنها اكتشافات جديدة توصلوا إليها بأنفسهم..وتجعلهم يتحدثون عن شئ ويقصدون شيئا آخر.. فربما كانوا يقصدون الديكتاتورية وهم يتحدثون عن الديمقراطية.. وربما كانوا يقصدون الكفر والإلحاد وهم يتكلمون عن العلمانية..إن هؤلاء في حاجة الى معلم.. في حاجة الى دخول مدرسة محو الأمية السياسية.. أو على الأقل عليهم قراءة مجلة مثل (الديمقراطية) بانتظام. على أن هذه المجلة لا تصدر من أجل هذه العينة الشائعة من محترفي السياسة كتابة وممارسة ولكنها تصدر من أجل شريحة أعرض في حاجة لأن تتابع كل ما يجري في العالم بصورة علمية محايدة.. لتكون هذه الشريحة قادرة بعد ذلك على استيعاب وهضم كل ما تعرف وما تقرأ لتوصيله الى البشر العاديين بصورة بسيطة وسهلة ترفع من مستوى اهتمامهم ووعيهم.. إن مجلة مثل (الديمقراطية) هي دورة تدريبية سياسية متخصصة يحملها معه كل من قرر التعامل مع الناس والتفاهم معهم. ما الذي يريده سياسي أو حزبي أو برلماني أكثر من قراءة مثل هذه المطبوعة ؟.. إنها تحدثه عن تجربة الانتخابات الأخيرة في مصر.. والظواهر الجديدة فيها وعن دور المحكمة الدستورية العليا في النظام السياسي المصري.. وعن ظاهرة التعيين في مجلس الشعب.. وظاهرة المستقلين التي كشفت ضعف المؤسسة الحزبية.. وهي تأخذه من يده في جولة ديمقراطية ليتعرف على ما جرى في الانتخابات الأمريكية والسودانية والإيرانية واللبنانية. وهي تتوقف معه في محطات رئيسية ليعرف حالة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم.. ثم أنها في النهاية تلعب دورا واضحا في الثقافة الديمقراطية التي تبدأ بتحديد المفاهيم والمصطلحات.. فبدون هذا التحديد تختلط الرؤى ويسود الجهل وتكرر الأمة أخطاءها.. وتلدغ من الجحر نفسه أكثر من مرة. لقد كان على جيلنا الذي خلف القدر موعده معه أن يهبط من قمة الزهو الوطني قبل هزيمة يونيو الى قاع اليأس فيما بعد.. وكان عليه أن يقوم من عثرته.. ليحمل الوطن معه من القاع الى القمة من جديد.. وليحافظ على الاستقلال الوطني.. وليحميه من التفتت والانفجار في تحولاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الداخلية الحادة.. من الاشتراكية الى الانفتاح..ومن نظام الحزب الواحد الى نظام التعددية السياسية.. ومن حالة العداء مع إسرائيل الى حالة الصلح معها.. ومن حالة الشمولية الى بداية الديمقراطية.. لقد توالت الأحداث والانقلابات على هذا الجيل الى درجة لا أتصور أن جيلا آخر في وطن آخر قد عاشها أو تعرض لها أو تحمل مسئولياتها أو نجا من متاعبها. لكن.. مالا يقتل الإنسان يقويه..وما لا يغرقه يجعله يطفو فوق سطح الماء.. أو فوق سطح الحياة.. لا فرق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات