عودة الصادق المهدي ، بقلم : أحمد عمرابي

قبيل عودته الى السودان يوم الخميس الماضي اعرب الصادق المهدي رئيس (حزب الامة) المعارض عن امله في (ان اخوتنا في التجمع الوطني الديمقراطي.. سوف يدركون ان هناك ضرورة لتجنب تدويل الشأن السوداني، وتمزيق الوطن, وأن هناك فرصة لتفاوض جاد من اجل الاجندة الوطنية) ولو جاء هذا القول عن شخصية غير الصادق المهدي لما اثار عندي استغرابا. ووجه الاستغراب هو ان المهدي بذهنيته الوقادة ورؤيته الموضوعية الثاقبة للأمور فضلا عن احتكاكه اللصيق مع قادة (التجمع) الاخرين قبل ان يفترق عنهم هو اول من يدرك ان الشخصيات الرئيسية في (التجمع), وخاصة جون قرنق هي المسئولة اصلا عن تدويل الشأن السوداني.. وبطريقة تخدم الاهداف الاستراتيجية لقوى خارجية في مقدمتها الولايات المتحدة. ومن قبيل الصدف البليغة ان عودة الصادق المهدي تزامنت تقريبا مع دخول تسللي غير مشروع لسوزان رايس مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية الى جنوب السودان عبر الحدود مع كينيا لزيارة المناطق التي تسيطر عليها حركة قرنق كتعبير مجدد للدعم الامريكي للحركة.. وتحد صريح للحكومة السودانية مما يتنافى مع قواعد القانون الدولي. ونعلم ان الحكومة السودانية ردت على هذا الخرق القانوني بالامتناع عن اعطاء تأشيرة دخول للقائم بالاعمال الامريكي لدى السودان الموجود حاليا في العاصمة الكينية نيروبي. كما منعت دخول مسئول امريكي آخر كان يعتزم المشاركة في مؤتمر قمة دول (ايجاد) المنعقد في الخرطوم كمراقب رسمي. ان الصادق المهدي هو المعارض القيادي الوحيد الذي اولا يشجب التدخل الامريكي في الشأن السوداني, وثانيا, وبطبيعة الحال, هو الزعيم المعارض الوحيد الذي يقر حتى خصومه بنظافته من اية شبهة عمالة لقوة خارجية. وربما يختلف سودانيون حول تقييم شخصية المهدي بتاريخها وحاضرها ونقاط قوتها ونقاط ضعفها لكن ليس بوسع احد على الاطلاق ان يشكك في وطنيته ونزاهته وقوامته الخلقية سواء من المنظور السياسي او المنظور الشخصي. وفي ادانته للتدخل الامريكي قال المهدي مؤخرا ان الولايات المتحدة (تورطت في سياسات فاشلة نحو السودان, وغير لائقة بالوزن الامريكي). وبهذا القول فانه يتناغم مع ما سبق ان ادلى الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر حين قال: (اعتقد ان قرنق يشعر انه ليس بحاجة للتفاوض لانه يتوقع المزيد من الانتصار من خلال دعم الولايات المتحدة المباشر له ودعمها له غير المباشر عبر دول محيطة بالسودان). ان الصادق المهدي يعود الآن الى الوطن لاستئناف معارضته للنظام الحاكم من الداخل بالوسائل السلمية التي يوفرها الآن هامش ملحوظ من المناخ الديمقراطي ابرز ملامحه حرية الصحافة. ولا شك ان من بين اولوياته المهمة العمل على توسيع هذا الهامش الديمقراطي. ولا شك ايضا ان هناك نقاطا خلافية عديدة بين رؤى (حزب الامة) ورؤى الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني). مع ذلك هناك نقطة التقاء محورية هي مواجهة العداء الامريكي المتصاعد الذي تمارسه واشنطن من خلال حركة قرنق لا استهدافا للنظام الحاكم فحسب, وانما وهذا هو الاهم والاجل خطرا, استهداف للكينونة العربية والاسلامية للسودان ككيان دولة. في هذه القضية تحديدا سوف يجد زعيم (حزب الامة) ــ اكبر الاحزاب السودانية على الاطلاق ــ نفسه في خندق واحد مع الحزب الحاكم في مواجهة الهيمنة الامريكية في العالم العربي وافريقيا التي تمثل حركة قرنق احدى ادواتها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات