أبجديات ، بقلم : عائشة إبراهيم سلطان

الحياة التي نعيشها جميعا ليست كلها أوقات جميلة أو عصيبة, الحياة مزيج غريب يندفع كنهر هادر, مياهه صافية, عنيفة, ومختلطة بالأتربة والأحجار وبما يعترض مجرى النهر, حياتنا في أوضح صورها مجموعة من الوجوه الإنسانية المتناقضة, والظروف الطارئة, والمواقف الروتينية المملة, وهي لن تكون حياة لو لم تحفل بالأزمات والمشاكل المعقدة والمنعطفات المالية والأسرية والعاطفية القاسية. وفي كل هذه الأحوال يبدو الإنسان على حقيقته وهو يتعامل ضمن هذه الدوائر المختلفة, تبدو تربيته وثقافته وفلسفته ومدى توازنه النفسي والاجتماعي ولاننا بشر مختلفون في كل شيء, فإن التعامل مع ظروف الحياة التي تعبر أمام أسوارنا أو تتوقف على بوابات أعمارنا سيكون متباينا بطبيعة الحال, وان أول ما يشكل طريقة تعاملنا مع الظروف الحياتية هو: نوعية التربية التي تلقيناها في أسرنا, والأفكار التي نؤمن بها وتملأ نفوسنا, ومستوى التعليم الذي حصلنا عليه, والتجارب والمعارف والقراءات التي توفرت لنا. ومن كل ما نتفق عليه, وبين كل ما نختلف حوله, تبقى هناك قوة دافعة جبارة في داخلنا, اسمها: الإيمان, ان هي استغلت بشكل صحيح تجاه الهدف, فإن أزمات كثيرة, وكوارث أيضا يمكن التغلب عليها كما ان احباطات وتجارب فشل يمكن تحويلها إلى دروس وفرص عظيمة لتحقيق عالم من الثراء قد لا يخطر على البال, والثراء لا يعني المال فقط. أغلبنا يريد أن ينجح وأن يبرز في مجال عمله, وبعضنا يحلم بالشهرة وآخرون بالثروة أو بعلاقات عائلية وعاطفية منسجمة لكن الذين يحققون غاياتهم عدد قليل جدا من الناس. فلماذا لا يصل كل الناس لغاياتهم؟ المسألة ليست في ان تريد, المسألة الأكثر أهمية أن تملك فكرة واضحة عما تريد, ورغبة مشتعلة في داخلك لتحقيق ما تريد, وإيمانا ثابتا في تحقيق ما تريد, بدون ذلك سترتكب أحد أكبر أسباب الفشل الذي يقع فيه الكثيرون وهو عادة التخلي عن أحلامك بسهولة عند حصول أول انهزام أو صدمة, وللأسف فكلنا تقريبا ارتكب هذه الحماقة في حق نفسه وأحلامه أو سيرتكبها ذات يوم. لنتأمل هذه الحكاية التي قرأتها في أحد الكتب: يروي أحد العظماء في مجال السياسة والمال في أمريكا انه وقبل أن يتعرف إلى أسرار الثروة كان مجرد صبي يساعد عمه في مزرعته, وفي طحن حبوب القمح, وذات يوم اندفعت طفلة صغيرة تجاه عمه, وكانت ابنة أحد المزارعين في المزرعة, نظر إليها العم غاضبا وسألها عن حاجتها أجابت: أمي تريد بعض النقود, فرفض أن يعطيها, وأمرها بالعودة للمنزل, قالت له: أمرك يا سيدي, ولم تتحرك من مكانها! انهمك الرجل في عمله, وحينما رفع رأسه, رأها مازالت في مكانها فصرخ فيها كما فعل في المرة الأولى, لكنها أجابته بالاجابة نفسها مع انه هددها بالضرب, عندها ترك ما في يده وتوجه إليها, وكان الاحتمال الوحيد انه سيوسعها ضربا فقد كان الرجل شرسا حاد الطباع, لكن الذي حدث لم يكن متوقعا! لقد تقدمت منه الطفلة ونظرت إلى عينيه وصرخت بأعلى صوتها (أمي تريد بعض النقود) فجمد الرجل ونظر إليها, ثم وضع يده في جيبه وأعطاها شيئا من المال, أخذته وعادت ادراجها بهدوء دون أن تسقط عينيها عن الرجل! ماذا فعلت تلك الطفلة بذلك الرجل الشرس؟ باختصار لقد ملأت نفسها بهدف واضح, ورغبة قوية وإيمان ثابت, وبهذه الأسلحة (اقتحمت) الرجل و(صفعته) دون أن تحرك ساكنا, لكنها في النهاية حققت ما أرادت, بينما جلس هو فوق أحد البراميل ينظر إلى النافذة باتجاه الفضاء لأكثر من عشر دقائق متأثرا باعياء (الصفعة) التي تلقاها!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات