الجنرال (فرانكو).. بعد ربع قرن من رحيله ، بقلم: د. طلعت شاهين

تعيش إسبانيا هذه الأيام حوارا ساخنا أبطاله المثقفون وعقول الأمة, وسياسيون يحتلون مناصب حساسة في إدارة شئون البلاد, السبب الإجابة عن سؤال يبدو بسيطا, لكنه ليس كذلك, لأنه يعيد إلى الأذهان حقبة صعبة مر على انتهائها ربع قرن بالتمام والكمال: هل كان فرانكو فاشستيا أم مجرد دكتاتور؟. مناسبة هذا السؤال المطروح مرور ربع قرن على رحيل هذا الجنرال القصير القامة الذي كانوا يضعون له كرسيا خلف حاجز شرفة قصر الشرق بالعاصمة مدريد عندما يقرر إلقاء خطاباته العامة ليبدو أمام الشعب أطول (قليلا) من قامته القصيرة جدا, التي لا يعرف أحد كيف سمحت له بدخول الأكاديمية العسكرية, والحصول على رتبة جنرال, ليتسبب بعد ذلك في حرب أهلية طاحنة ومدمرة, راح ضحيتها ما يقرب من المليونين من أبناء الوطن, ولينقسم الباقي إلى لاجئين ما بين أوروبا وأمريكا اللاتينية, ومن تبقى في الوطن كان عليه أن يختار ما بين الحياة في ظل دولة بوليسية, أو فرق الإعدام والتعذيب, اكثر من 50 ألف مواطن من الجمهوريين تم إعدامهم بعد (عفو كاذب) عقب انتهاء الحرب الأهلية التي دامت ما يزيد قليلا على ثلاث سنوات, أو السجن في أسوأ السجون المخصصة لأعداء (الجنرال والله والوطن). ربع قرن بعد رحيل الجنرال الذي جثم على صدر إسبانيا ما يقرب من أربعة عقود كاملة, والحوار لا يزال يدور حول (الصفة) التي تنطبق على هذا النظام من الحكم, والمثقفون والخبراء الإسبان, بمساعدة أجنبية أيضا, لم يصلوا حتى الآن إلى صفة محددة (!), والحوار لا يتوقف عند قبول وجود أكثر من رأي في النظام الذي حكم أسبانيا خلال تلك العقود الاربعة, بل يبدو أن النتيجة في هذا الخلاف تؤكد أن الجنرال رغم مرور ربع قرن على موته لا يزال له تأثيره على الفكر السياسي الإسباني, على الرغم من التحول الكبير الذي طرأ على وضع إسبانيا داخليا وخارجيا, فقد ترك الجنرال كثيرا من الإرث الذي يخلق هذا الجدل وان تجاهلته الأجيال الجديدة في ظل الحياة الاستهلاكية المتسارعة التي يعيشها المجتمع الإسباني بعد أن عثر على (هويته) الأوروبية التي كان الجنرال حائلا دونها. خلاصة الأفكار المطروحة مجتمعة تقول انه كان مجرد (دكتاتور فرد), لأننا لو نظرنا إليه بنظرة محايدة تكمن في انه لم يعتمد على نظام حقيقي يمكن أن تنطبق عليه أوصاف أي من الأنظمة التي كانت معروفة في ذلك الوقت في أوروبا, ومنها (الفاشستية) التي كانت منتشرة في أوروبا, وإحدى نتائجها الفاشية الإيطالية والفاشية الألمانية التي صنعت نظما سياسية كان يمكن أن تستمر لولا تهور قادتها, هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا, بحثا عن تحقيق الأحلام بسرعة لا يسمح بها التاريخ. يقول (انطونيو اليورثا) أستاذ الفكر السياسي بجامعة مدريد, ان الفاشية فكرة سياسية عامة يمكن أن يجتمع حولها بشر ويقيمون نظاما لا يرتبط بشخص, بل يستمر حتى لو ذهب هذا الشخص بموته بأي طريقة من طرق الموت المعروفة في الحياة السياسية, والجنرال فرانكو لم يقم هذا النظام على أساس هذا الفكر, ولكنه أقام نظاما فرديا بدا معتمدا على (فكر) فاشي, لأنه كان دائما محور هذا النظام طوال العقود الأربعة التي عاشها على رأس هذا النظام, لكن انهياره بموت الجنرال نفسه يؤكد أنه (نظام دكتاتوري فردي). لكن الجنرال فرانكو كان يتمتع ببعض الذكاء مما جعله يحاول ايهام الآخرين بأنه يقيم نظاما سياسيا مكتملا, قام بتنظيم تابعيه فيما يشبه التنظيم السياسي الذي يخضع لنزعة عسكرية, لذلك كان المدنيون في نظامه خاضعون لجنرالاته الأربعة: ثلاثة منهم وزراء والرابع رئيس الأركان, لذلك لم يكن لأي من قادة التنظيم المدني القدرة على التفكير بحرية في إطار فكرة التنظيم ذاته ما لم يكن فكره مقبولا من (جنرال الجنرالات), وهو اللقب الذي كان يحمله الجنرال فرانكو طوال فترة وجوده على رأس الدولة الإسبانية, التي لم تكن لا جمهورية: لأن انقلابه كان بالتحديد ضد الجمهورية التي كان يرى أنها ليست إلا الشيوعية مقنعة, ولا ملكية: لأنه لم يعلن الملكية بعد (انتصاره في حربه ضد الجمهورية), بل أرسل بالعائلة الملكية كلها إلى المنافي. يرى معظم المحللين أن إقامة تنظيم (الفلانخي) أي (الكتائب) كحزب وحيد يدعم (جنرال الجنرالات) كان مجرد تمويه حتى لا يتهمه أحد بالدكتاتورية, وليأمن جانب من تسول لهم أنفسهم الانقلاب عليه حيث قام بتقسيم كل الوحدات التنظيمية المدنية والعسكرية بطريقة تكشف أي مغامر تسول له نفسه العمل في إطار (تنظيمي) حقيقي. كحاكم فرد كان يقلقه الزملاء من جنرالات الجيش قلقا كبيرا, فكانت أول مهامه التخلص من النافذين منهم, أو الذين لعبوا دورا بارزا في الحرب الأهلية, ومعروفة حوادث الموت الغريبة التي تعرض لها بعضهم وذهبوا ضحيتها, وعلى رأسهم الجنرال (مولا) الذي كان من ابرز منافسيه, بل أكثر منه شعبية بين مؤيدي الانقلاب ضد الجمهورية, تم اغتياله (عرضا) ليبقى اسمه فقط في خطابات جنرال الجنرالات, وفي لوحة مكتوبة على أحد شوارع العاصمة الرئيسية, سرعان ما جاءت الديمقراطية لتلقي بها إلى النسيان الكامل. من تبقى منهم وزعهم على قيادات بعيدا عن العاصمة, وزرع بينهم أحقادا تجعل من الصعب عليهم الاجتماع للتآمر ضده, ومن كانوا من المخلصين له, أو من المقتنعين بأنه رسول العناية الإلهية لتخليص الوطن من (الشيوعيين والماسونيين) قربهم منه, أحدهم (كاريرو بلانكو) الذي تولى رئاسة الوزارة تحت إمرة جنرال الجنرالات قال له مرة متأسفا: انه لمن الخسارة لإسبانيا ألا تكون خالدا في حياتنا لتحفظ الوطن من الأعداء المتربصين به (؟!). ربما لهذا السبب اختاره الجنرال فرانكو في أواخر حياته ليتولى الوزارة حتى يمكنه ضمان ألا يحاول الأمير (خوان كارلوس) تفكيك النظام الذي سيتركه فرانكو له بعد وفاته, لأنه اختاره ليكون خليفته, ولكنه كان يخشى أن يميل الملك الشاب إلى إقامة (ملكية دستورية) لأنها في رأي الجنرال فرانكو ليست سوى المدخل إلى الشيوعية. ربما كان القدر مشاركا في إفساح الطريق أمام الملك خوان كارلوس ليبدأ عهدا ديمقراطيا, فقد تم اغتيال (كاريرو بلانكو) في أكبر عملية تقوم بها منظمة ايتا في العاصمة الإسبانية طوال تاريخها, وكأنها كانت تريد أن تساعد في عملية التحول الديمقراطي, وان كانت هناك شكوك حول المهندس الحقيقي لعملية الاغتيال, وبعض التحليلات تشير إلى أصابع المخابرات الأمريكية, لأن مهندس السياسة الخارجية الأمريكية الشهير هنري كيسنجر كان يقبع وقت الحادث في السفارة الأمريكية بمدريد, على بعد أمتار قليلة من النفق الذي حفرته منظمة ايتا ووضعت فيه أطنانا من المتفجرات, التي انفجرت تحت الأرض لحظة مرور سيارة الجنرال, ورفعتها ما يقرب من المائة متر في الهواء, ولتلقي بها بعد ذلك في فناء مبنى للراهبات. من ناحية أخرى اعتمد الجنرال فرانكو بشكل أساسي على رهبة اللباس العسكري الذي لم يكن يتخلى عنه في أي مناسبة, وأيضا كانت الدماء هواية محببة إلى نفسه, حتى أنه كتب في مذكراته الخاصة أنه أمر بإعدام أحد أقربائه في الدم من أسرته حتى لا يقال أنه ضعيف القلب ويتراجع عن قرار صعب. لذلك كان ضحاياه في الحرب بمئات الآلاف, وبعد انتهاء الحرب أمر بإعدام كل من يسلم نفسه ويثبت أنه شهر سلاحا في وجه الانقلابيين, وظل يرفع راية مطاردة (الشيوعيين والماسونيين) طوال حياته, لتكون سلاحه في التخلص من المشكوك في إخلاصهم له, وليكون سيفا مشهرا ضد كل من تسول له نفسه التفكير في التمرد ضد النظام ولو لأسباب غير سياسية, وآخر من تم إعدامهم كان قبل رحيله بشهر واحد, أي أنه وقع قرار تنفيذ حكم الإعدام وهو على فراش الموت. لم يقم تنظيمه على أساس أيديولوجي, وإنما بناه على أساس الفكرة الشائعة في ذلك الوقت, فكرة (العرقية) المدعومة بالعقيدة (الكاثوليكية), وبالمناسبة وضع الجنرال فرانكو شخصيا سيناريو فيلم أنتجته الدولة في عهده تحت اسم (العرق), لذلك لم يكن يسمح بأي حركة يمكن أن تشجع المعارضين على إقامة فكر ديمقراطي, ولا حتى في إطار (تنظيم الكتائب) الذي كان جنرال الجنرالات رأسه, ومعروف ما حدث مع وزير دعايته في الستينيات (مانويل فراجا), الذي حاول إحداث ثغرة نوعية في حرفية إعلام النظام من خلال المساعدة على عملية إحلال بين وجوه إعلام النظام المعروفة, هذه المحاولة انتهت بإبعاد الوزير عن منصبه فورا, لأنها لم تكن مقبولة من جانب جنرال الجنرالات. في ظل حكم الجنرال فرانكو كان العمل السياسي معدوما, وغير مقبولة أية فكرة لتنمية الحياة اجتماعية في إسبانيا لو اقترنت بها شبهة سياسية, أو حتى يمكن أن يهمس أحد بان تلك التنمية قد ينتج عنها ما يدفع إلى التمرد والمطالبة بأي من الحقوق التي كانت تتمتع بها الشعوب الأوروبية الأخرى وقتها, لأنها كانت جميعا في نظر فرانكو- تسير باتجاه الشيوعية وتتحكم فيها الماسونية. ربما كان فضل نظام الجنرال فرانكو الوحيد طوال العقود الأربعة التي حكم خلالها البلاد هو النقلة التي انتقلتها الصناعة الإسبانية خلال الستينيات والسبعينيات باتجاه التصنيع, وحتى هذا الفضل يعزوه المتناحرون حول تفصيل صفة تنطبق على نظام فرانكو إلى تأثيرات خارجية, إضافة بالطبع إلى المطالب العسكرية التي كانت في حاجة إلى عتاد خاص يساعده على الإبقاء على العسكر مسلحين لحين الحاجة إليهم, ولكن حركة التصنيع هذه مهدت رغم أنف الجنرال- إلى تضخم المدن, والهجرة من القرى التي شكلت المجتمع الجديد القابل لعملية التغيير الديمقراطية التي قادها الملك خوان كارلوس. اكبر شاهد على أن الجنرال فرانكو كان دكتاتورا ولم يكن زعيما لنظام حتى لو كان فاشيا, أنه برحيله تداعى النظام, ونجح الملك خوان كارلوس في أشهر قليلة في التخلص من رموزه التي رفضت عملية الانتقال, ووضع بعض رموزه التي كانت تعد نفسها إلى جوار الملك الشاب لتقود عملية التغيير بالاتفاق مع رموز المعارضة في الخارج والداخل, فلا يجب أن ننسى أن أول رئيس وزراء ديمقراطي كان (أدولفو سواريث) كان يشغل منصب مدير الإذاعة والتليفزيون, وكان عضوا في تنظيم (الكتائب) الذي كان يدعي فرانكو أنه مبني على أساس ايديولوجي يدعمه. بعد ثلاث سنوات فقط من رحيل الجنرال فرانكو كان الشعب الإسباني يدلي عام 1978 برأيه في (الدستور الديمقراطي) ويختار حزبا للحكم, وبعد سبع سنوات فقط جلس أول رئيس وزراء اشتراكي في كرسي السلطة بفوز فيليبي جونثالث عام 1982 بالأغلبية المطلقة. يبدو طبيعيا أن هناك من يتساءل الآن إن كان الجنرال فرانكو دكتاتورا أم فاشيا بعد ربع قرن من رحيله, لأن هناك من لا يقبل إدانة هذا النظام الذي أقامه الجنرال بالحديد والنار. حزب الحكومة الحالية, الحزب الشعبي اليميني الذي أنشأه في العهد الديمقراطي أحد رموز النظام القديم, ويحكم البلاد منذ عام 1996 رفض قبل أشهر قليلة التصويت في البرلمان على بيان بإدانة الجنرال فرانكو باعتباره انقلابيا ضد الجمهورية التي قامت من خلال انتخابات حرة (!). كاتب مصري مقيم في أسبانيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات