استراحة البيان ، صباح فخري... وأصالة الموسيقى العربية، يكتبها اليوم: جمال الغيطاني

متى اكتشفت صباح فخري؟ لا يمكنني التحديد, ما أكثر الوقائع والأحداث والشخصيات التي يعجز الذهن كلما تقدم العمر عن تحديد ما يتعلق بها.. الذاكرة مثقلة, لكن صوت صباح فخري يسري من قديم, بالتأكيد تعرفت على صوته قبل أن أمضي ذلك المساء من عام تسعة وستين إلى معهد الموسيقى العربية بالقاهرة لأستمع إليه. ربما كانت المرة الأولى التي يجيء فيها إلى القاهرة. ومعهد الموسيقى العربية منشأة عريقة, وركن ركين للذاكرة الموسيقية العربية, ومقره في حد ذاته تحفة معمارية, وقد أعتبر أثرا منذ عدة أعوام بعد أن مضى على تشييده أكثر من قرن, يحتوي على مسرح جميل, مخملي بستائره, وثير بمقاعده, معد بدقة لأداء الفرقة الموسيقية, وفيه أفتتح مهرجان الموسيقى العربية عام ثلاثة وثلاثين من هذا القرن. كنت أعرف صباح فخري وصوته عندما جلست تلك الليلة في أحد المقاعد منتظرا ظهوره, وعندما بدأت الفرقة المصاحبة له عزفها, عرفت تلك المتعة الرائعة, فحبي للموسيقى العربية متأصل, ولا توجد أنغام في موسيقى الدنيا يمكنها أن تحرك كوامني مثل الأنغام العربية الكلاسيكية, ولي في هذا حديث يطول, تعلقت بصوت صباح فخري, وفي تلك الليلة بهرني صوت يحمل بكل اللحظات العتيقة والآنية خلاصة حضارة ورصيد حقب أموية وعباسية وعثمانية ومشرقية بالمعنى الأفقي الفسيح, جميل, عريض, صاف, جدول من النقاء فكأنه الضوء يغني ويطرب, أريج, رقراق, سهولة ويسر في الانتقال من مقام إلى مقام, من درجة إلى درجة, حضور خاص على المسرح مازال محافظا عليه, عبر هذه السنوات التي تفصلني عن تلك الليلة رحت أجمع تسجيلاته وأتقصى أخباره, وبعد أن بدأت الفضائيات إرسالها صرت أتمتع بحفلاته, أراه وأسمعه, قرأت عن حفل أحياه في فنزويلا واستمراره يغني لمدة احدى عشرة ساعة متصلة, وهب الله له الصحة والعافية. جلست منذ فترة لأصغي إليه, حيث الكل يتمايل طربا عندما يؤدي موشحا أو دورا أو طقطوقة, أما آراؤه الفنية فلا يمكن أن تصدر إلا من فنان كبير, حديثه عن خصوصية الثقافة العربية عامة وموسيقاها خاصة حديث مثقف كبير يصلح لسائر فروع المعرفة, وليس الموسيقى فقط. قال ان الموسيقى سارية في الكون منذ أن خلقه الله, خرير المياه موسيقى, أنفاس الشجر موسيقى, الرعد.. الرياح.. النسمات.. موسيقى, الإنسان يحتوي على الموسيقى, بداخله أهم ضابط إيقاع.. القلب. بقدر ما استمتعت بصوته الجميل.. بقدر ما استمتعت بآرائه التي تعبر عن خلاصة حياة. ذلك الخوف مرة أخرى يداهمني هذا الخوف الغامض, الغريب, أكثر ما يهاجمني عند النظر الأفق الفسيح الذي أطل عليه من نافذة مكتبي وأثناء جلوسي بمفردي. هل ثمة علاقة بينه وبين ذلك الشعور الشديد بالاغتراب الذي أمر به خلال الأعوام الأخيرة, لم أكن على نفار مع الواقع طوال عمري كما أنا عليه الآن, أينما وليت وجهي أرى الضد, أرى التناقض قائما, مع أنني والحمد لله في أفضل أحوالي إذا قيس الأمر بالظروف المادية التي لم تكن ميسورة طوال عمري, لكننا وا أسفاه, أو لحسن الحظ, جيل نمونا على الاهتمام بكل ما يتجاوز حضورنا المادي, ما يتعلق بأهلنا وناسنا وأوطاننا وأمتنا. هل نعجز عن ملاحقة المتغيرات التي أطاحت بالأوطان؟ هل نستسلم لتلك الحالة من الركود المقيت؟ لا أدري.. كل ما أطرحه لا يفسر تلك اللحيظة العابرة, المباغتة, التي تدهمني في ذروة التأمل أو ما يخيل إلي أنها سكينة, لكنها سكينة ما قبل الطوفان!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات