التنشئة الاجتماعية في إسرائيل ومحاولة صهر عناصر ومكونات الثقافات السائدة 2-2 ، بقلم: أمين إسكندر

من المعروف أن النظام التعليمي الصهيوني قبل ,1948 كان تعليماً تقليدياً يعتمد على تعليم التلمود والتوراة وكان التدريس يتم باليديشية عند يهود أوروبا الشرقية وبالعبرية المبسطة أو اللادينو عند اليهود الشرقيين, وقد تمت محاولات لتأسيس مدارس من قبل يهود ألمانيا وفرنسا يتم فيها التدريس باللغة الألمانية والفرنسية إلا أن الرواد من اليهود المستوطنين تمسكوا بالعبرية كلغة تعليم وتدريس وقد ساعد ذلك على سرعة انتشار العبرية بين اليهود, وفي عام 1903 جاء مناحيم يوسيشكين على رأس بعثة من المدرسين الصهاينة الإداريين لزيارة فلسطين واجتمع مع العديد من المدرسين اليهود في مؤتمر نتج عنه تأسيس جمعية المعلمين العبرية وكان ذلك بمثابة الخطة الأولى في تشكيل النظام التعليمي الإسرائيلي حيث استحوذت تلك الجمعية على كل مهمات التعليم بين اليهود في فلسطين وعن طريقها تم نشر الكتب الدراسية بالعبرية وتنظيم الدورات التأهيلية للمعلمين اليهود, وكانت تلك الجمعية على علاقة وطيدة (بمنظمة الصهيوني التنفيذية) اليد الفاعلة للوكالة اليهودية في الاهتمام بأمور التعليم وبناء المدارس. وقد برز من خلال الممارسة التعليمية من كافة الاتجاهات الصهيونية ــ حسب قول د. سمير هوانه في بحثه عن نظام التعليم العام في الكيان الإسرائيلي المنشور في كتاب (الأبعاد التربوية للصراع العربي الإسرائيلي) والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 1986 ــ ثلاثة نظم للتعليم: النظام العام الذي يجمع بين القيم الصهيونية والقيم التقدمية العالمية في التربية. النظام الديني (المزراحي) الذي ركز بشدة على تعليم وتعاليم الديانة اليهودية. نظام الكيبوتزات والذي اعتمد منهج التعليم العام وأضاف إليه مبادئ حزب العمل الإسرائيلي واعتبر التعليم الديني الصرف الذي كان تحت إشراف جماعة أجودات يسرائيل خارج نظام التعليم العام في فلسطين وذلك لأن هذه المدارس لا تدرس سوى العلوم التلمودية فقط, لكن بعد إعلان الدولة في 1948 تم التعامل مع النظام التربوي التعليمي على أنه ركن محوري من أمن إسرائيل, وعن ذلك يقول جاكوب كلاتزمان ــ تربوي صهيوني في إسرائيل (التربية هي أيضاً من مستلزمات الدفاع الوطني). وكان أول عمل تقوم به الدولة الجديدة هو فرض قانون التعليم الإجباري عام ,1949 وقد نظر لهذا القانون على أنه قانون استراتيجي لحماية المجتمع من الانقسام, وذلك عن طريق تقديم فرصة متساوية لكافة اليهود على أرض فلسطين المحتلة من تعليم اللغة العبرية والتقاليد اليهودية التلمودية في محاولة لتضييق الهوة بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين (السفارديم ــ الأشكينازيم), وهكذا تشكلت أول وزارة للتربية عام 1949 وترأسها أول وزير لها زلمان شازار الذي أصبح رئيسا للدولة الصهيونية فيما بعد. وقد جعل قانون 1949 التعليم إجبارياً ومجانياً من سن 5 سنوات على أن يقضوا عاما في روضة الأطفال لتعليم العبرية في سن مبكرة, وفي عام 1953 قامت وزارة التربية بتصفية الأنظمة التعليمية الموازية للنظام العام التعليمي في إسرائيل وأعطت الأباء الخيار بين إرسال أبنائهم إلى التعلىم العام الحكومي أو التعليم الديني الحكومي وظلت مدارس أجودات يسرائيل غير رسمية وفي عام 1965 صدر تقرير (برواد) للتربية, والذي على أساسه تم إحداث تغيير في سياسة التعليم العام في إسرائيل, وأصبح النظام الجديد: * حضانة من سن 3 ــ 4 سنوات. * المرحلة الابتدائية من 6 إلى 12 سنة. * المرحلة الإعدادية. * المرحلة الثانوية. وقد تم التركيز على تعليم الطقوس العربية واليهودية المتعلقة بالأعياد, التركيز على بعض الحقائق الأساسية الجغرافية لفلسطين (إسرائيل) في خلال السنة الإجبارية للحضانة والتي تشرف عليها المنظمات الخاصة والأحزاب. أما المرحلة الابتدائية, فقد قامت الوزارة عام 1954 بوضع منهاج تعليمي خاص بتلك المرحلة وتم تعميمه على أكثر من 1100 مدرسة ليشمل اللغة والأدب العبري ــ التوراة ــ التاريخ ــ الجغرافيا ــ علوم طبيعية, رياضيات ــ إنجليزي فرنسي أو عربي ــ أشغال ــ زراعة ــ موسيقى ــ فنون ــ تربية رياضية. والمهم في ذلك المنهج أن العبرية والتوراة يتم تدريسها في عشر حصص كل أسبوع (خمسة لكل مادة منهما). المرحلة الإعدادية هي مرحلة إجبارية مجانية تشرف عليها الوزارة إشرافا كاملا وفيها يتم تدريس التوراة لمدة أربع حصص في الأسبوع للصف السابع وخمس حصص في الأسبوع للصف الثامن بالإضافة إلى ذلك يتم تدريس مادة قانون بني إسرائيل العرقي حصة واحدة في الأسبوع في الصف السابع, وسبع حصص في الاسبوع في الصف الثامن. واللغة والأدب العبري ثلاث حصص في الأسبوع في الصف السابع وثلاث في الأسبوع في الصف الثامن, والتاريخ 3 في الصف السابع وحصتان للجغرافيا في نفس الصف, أما الصف الثامن فله أربع حصص تاريخ وجغرافيا, وأخيراً حصة واحدة في الأسبوع للصف السابع تربية وطنية والصف الثامن ست حصص تربية وطنية. ويتبين من خلال ذلك المنهج التعليمي المقرر على المرحلة الإعدادية أنه مكدس بالمادة الصانعة لحالة التكيف الاجتماعي, أي حالة التلقين المفروضة من أجل خلق كتلة على قدر من القواسم والمشتركات الجامعة. ولم تكن قناة التعليم هي القناة الوحيدة الفارضة للتكيف الاجتماعي على الجماعات اليهودية الصهيونية المتعددة, بل كانت هناك برامج التنمية المجتمعية التي بدأت بإنشاء النوادي في المدارس الابتدائية في عام 68/1969 حيث كانت هناك نواد تضم 48 ألف طفل, ومراكز شباب يصل أعداد المنضمين إليها 60 ألف شاب وشابة, كما كانت هناك النوادي العلمية التي ضمت في نفس عام 68/1969 ما يقرب من 2300 طالب, وتقوم الوزارة بالتمويل والإشراف على هذه النوادي العلمية ويساعدها في ذلك وزارة الدفاع حيث يتم إعمال برنامج (جادنا) الذي يشمل رحلات وتدريب بدني وتشجيع على الاستيطان في كل أرض فلسطين, ويعطي الشاب حق الاختيار بين أن ينهي الخدمة العسكرية العامة في جيش الدفاع, أو ينخرط في حركة ناحال الاستيطانية ويخدم الفترة نفسها مع هذه المنظمة على الحدود. كما أن هناك برنامج الوعي اليهودي, ويهدف لتثقيف الصغار, وتعويدهم على الطقوس اليهودية والعادات الخاصة بالديانة اليهودية, وعادة ما يقدم هذا البرنامج إلى معلمي المرحلتين الابتدائية والإعدادية بالإضافة إلى الطلاب, ويشمل هذا البرنامج قراءة وتفسير التلمود والإجادة والترتيل والصلاة والفكر اليهودي ومشكلات اليهود المعاصرة. وفي دراسة (ثقافة السلام لدى الأطفال الإسرائيليين) دراسة تحليلية لديوان (سلامي وأمني) للدكتورة سناء عبد اللطيف صبري صادر عام ,1999 تؤكد لنا الدراسة على طفو القناعات الثابتة والأبجديات والقوالب الجامدة التي تتشكل منها صورة العربي عند الطفل الإسرائيلي, فها هي (ليئاه ميلر) في قصيدة (حلم مكنون) تعبر عن شعورها, وتكشف الكراهية المخبوءة داخل مكنون عقلها حيث تقول عن الجندي المصري: رأيت في الحلم جندياً مصرياً.. كان يجيئ نحوي .. وفجأة استيقظت من حلمي في حالة خوف وفزع). وفي قصيدة (إلياف براند) بعنوان (بعيداً إلى الجيش) يمجد البطولة اليهودية الخارقة مقابل جبن المقاتل العربي, حيث يقول: بعيداً, إلى الجيش ذهب والدي أرسل لكي يحرس الحدود من النقب إلى أعلى الجولان كان العدو يهرب بمجرد رؤيته. أما الطفلة (اييليت إبستين) فتكشف عن قناعاتها الثابتة عن العرب في قصيدة (سوف تعرف) حيث تقول: ــ عندما لا نخاف الإرهابيين الذين يشنون الغارات بعد حينئذ سوف نعرف أن السلام قد حل. هكذا تتردد قصائد الأطفال اليهود الصهاينة تلك التصورات عن السلام!! ولعل ذلك ما يؤكد ما طرحناه عن التكيف الاجتماعي وغرضه. كما كان للإعلام الصهيوني دور رئيسي في استراتيجية التكيف الاجتماعي, قبل قيام إسرائيل وبعدها. يتبين ذلك من برنامج العمل ذي البنود الأربعة الذي تم إقراره في المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بال بسويسرا عام ,1897 حيث أكد البند الثالث على ضرورة نشر الروح القومية والوعي القومي بين يهود العالم وتنميتها, جنباً إلى جنب البنود الثلاثة الأخرى: * تطوير الاستيطان اليهودي في فلسطين. * تنظيم يهود العالم وربطهم في مؤسسات صهيونية. * اتخاذ الخطوات اللازمة للحصول على تأييد الحكومات المختلفة من أجل تحقيق هدف الوطن. وهكذا سار الإعلام الصهيوني موجهاً على مسارين: مسار اليهودية العالمية, مسار الرأي العام العالمي لكي يوجه لهما رسالته الخاصة بأهمية الوطن لليهود, وبعد قيام الدولة كان يتوجه للرأي العام بأهمية تلك الدولة للسلام! وفي مقدمة الكتاب السنوي لحكومة إسرائيل 60/1961 قال بن جوريون (إن الطريق الأكثر ضمانة للوصول إلى السلام والتعاون مع جيراننا لا يكون بدعوة شعب إسرائيل ووعظه بالسلام, كما يفعل بعض محبي السلام من البسطاء, ولكن عن طريق الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصدقاء .. الذين سيفهمون أهمية إسرائيل وقدرتها على المساعدة في تقدم الشعوب النامية والذين سينقلون ذلك المفهوم إلى جيراننا). وهكذا كانت استراتيجية الإعلام الصهيوني بين يهود العالم ــ قبل إسرائيل ــ توعية و تثقيف وتلقين (التنشئة الاجتماعية) يهود العالم بالصهيونية, وإعدادهم نفسياً للهجرة إلى فلسطين تحقيقاً للنبوءة اليهودية بإقامة دولة يهودية. وقد أضاف الإعلام الصهيوني الإسرائيلي إلى نفسه دوراً بعد قيام الدولة انطلاقاً من تلك الاستراتيجية وهو الدعاية والإعلام عن منجزات إسرائيل وتصويرها كملجأ وحيد وآمن من الاضطهاد الذي يعيشه اليهود في الشتات. وهكذا عمل الإعلام الإسرائيلي من أجل تحقيق استراتيجية من خلال المبدأين اللذين قال بهما بن جوريون, وسارت عليهم وسائل الإعلام الإسرائيلي ولا تزال: التأكيد على أن يهودية اليهودي لا تكتمل إلا بالهجرة إلى إسرائيل. التأكيد على أن الحليف المخلص الوحيد (لدولة) إسرائيل هو اليهودي. ويذكر الدكتور منذر عنبتاوي في دراسة عن (أضواء على الإعلام الإسرائيلي) رقم (31) صادرة عام 1968 من مركز الأبحاث عن المداخل التي اعتمدها الإعلام الإسرائيلي لتحقيق غرض إسرائيل في الوجود. تقديم إسرائيل كناتج للفكر والجهد والمهارة النابغة عن الحضارة الغربية. التأكيد على (المعجزات) التي حققتها إسرائيل في (الصحراء) التي كان اسمها فلسطين والتي أهملها الغزاة العرب. التذكير المتواصل بأن إسرائيل هي تحقيق لنبوءة دينية وردت في العهد القديم. التذكير المتواصل بفظائع النازية عبر التاريخ لليهود وأن إنشاء إسرائيل كان حلا تاريخيا للمشكلة اليهودية. تصوير معاداة العرب لإسرائيل على أساس أنه نتاج تعصب ديني وعنصري. من خلال تلك المداخل نستطيع أن نؤكد أن غرض تلك الرسالة ليس حكراً على الرأي العام اليهودي في العالم وعلى الرأي العام العالمي, بل أن جانبه الآخر هو توجيه وصناعة الرأي العام الداخلي في إسرائيل من أجل تحقيق الغايات والأغراض الصهيونية. ولم تفلت السينما الإسرائيلية من استراتيجية التنشئة الاجتماعية, حيث حققت صناعة السينما الصهيونية أهدافها على محورين أساسيين, الأول منها فرض قضية اليهود وما تعرضوا له من اضطهاد على عقلية المشاهد, والثاني التركيز على الوطن (فلسطين) كنبوءة مقدسة, وهكذا كانت الرسالة السينمائية مزدوجة جزء منها (مثله مثل الإعلام) موجه للخارج والرأي العام العالمي, وجزء منها موجه للداخل الإسرائيلي حيث يتم صناعة الوعي والتاريخ والقواسم المشتركة. تلك هي شبكة القنوات التي تعبر من خلالها استراتيجية التنشئة الاجتماعية, والتي تستهدف صهر تلك الجماعات الصهيونية وخلق تجانس ما أو قواسم مشتركة من التاريخ حتى الوطن والحلم, لذا كان طبيعياً أن نجد مفهوم الأطفال للسلام, هو عدم الخوف من الإرهابيين, وهو هروب وجبن الأعداء عندما يوجهون الجندي الإسرائيلي!! ولم تكن شبكة تلك القنوات شاملة التعليم والتربية والأدب والسينما, إنما اشتملت أيضاً على أدوات مثل الهستدروت والأحزاب والطوائف الدينية والجماعات النقابية والجمعيات التعاونية كلها اجتمعت تحت سقف واحد وأسهمت جميعها ــ كل حسب دوره ووزنه ــ في استراتيجية التنشئة الاجتماعية. كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات