الفلسطينيون قصدوا الأمل في السلام والثقة في الولايات المتحدة ، بقلم: جيمس زغبي

تضافر انهيار عملية السلام الفلسطينية الاسرائيلية واستمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق لإبعاد موقف صعب بالنسبة للولايات المتحدة في العالم العربي وهو الامر الذي يقتضي تحركا امريكيا فوريا. ولم يفقد الفلسطينيون الامل في عملية السلام فحسب وإنما فقدوا الثقة في الولايات المتحدة من حيث قدرتها على القيام بدور الوسيط الشريف في تلك العملية. وفي الوقت نفسه فإن استمرار سقوط الشهداء الفلسطينيين من جراء استخدام اسرائيل للقوة غير المتوازنة يترك اثرا كبيرا على منطقة الشرق الاوسط. فالعالم العربي يتابع هذه التطورات عن كثب, والعرب تؤثر فيهم المقاومة الفلسطينية تماما كما يثير حنقهم استخدام اسرائيل للقوة ومزاعمها المتعلقة بالقدس. كما ان هناك غضبا عربيا متعاظما حيال ما يبدو انه انحياز من جانب الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل والسكوت الامريكي في مواجهة مصرع أكثر من 200 فلسطيني. وكانت النتيجة هي تفكيك المواقف العربية حيال احتمالات اقرار السلام الاقليمي, بل وتفكيك نسيج العلاقات الامريكية العربية ذاته. وما يتعرض للخطر هنا هي المصالح الامريكية في الشرق الاوسط والعلاقات مع حلفاء عرب عديدين على جانب كبير من الاهمية. ولم يبق امام الادارة الامريكية الحالية غير شهرين, وهي مدة محدودة للغاية يمكنها ان تتحرك فيها لتغيير هذا الاتجاه الى التردي. وقد لا تتمكن هذه الادارة في الوقت الراهن من حسم الصراع واقرار سلام شامل, ولكن بمقدورها ان تبذل جهدا صادقا لاستعادة الثقة في القيادة الامريكية ولتحديد بعض الاهداف التي تقدم لكل من الادارة التالية والاسرائيليين والعرب شعورا متجددا بالاتجاه وبالسعي وراء تحقيق هدف معين. وللقيام بهذا يتعين على الولايات المتحدة ان تعيد علانية تمحيص بعض الجوانب في سياساتها حيال الشرق واعادة طرح بعض التأكيدات الاساسية المتعلقة بهذه السياسة, وأن تتوجه بشكل مكثف الى الرأي العام فيما يتعلق بكل جوانب معادلة الشرق الاوسط. ويمكن للولايات المتحدة أولا ان تساعد في انهاء العمليات العسكرية الحالية ووضع نهاية لاحتمال تحول ذلك العنف الى حرب اقليمية اوسع نطاقا وبدلا من الاعتماد على الاسرائيليين والفلسطينيين في التحرك بهذا الاتجاه فإن الولايات المتحدة يمكنها التوجه نحو التعامل مع بعض الاسباب التي تشكل جذر الورطة الراهنة. والفلسطينيون بحاجة الى ان يستعيدوا أملهم, ويمكن للولايات المتحدة المساعدة في تحقيق ذلك بتعبير صريح عن التأييد للحق الفلسطيني المشروع في اقامة دولة ذات سيادة عاصمتها القدس تمارس السيطرة الكاملة على حدودها. كما يتعين على الولايات المتحدة كذلك ان توضح ان الاستمرار المتزايد والمتواصل في المستوطنات والطرق الفرعية المؤدية اليها من قبل اسرائيل لا تشكل احدى العقبات فحسب وانما هي (العقبة) بصورة مطلقة في التوصل الى حسم عادل للصراع. وميزانية اسرائيل المقترحة لعام 2001 تتضمن بندا يشمل 500 مليون دولار للمستوطنات والبنية التحتية المتعلقة بها وينبغي على الولايات المتحدة ان توضح ان اسرائيل يمكنها الحصول على المستوطنات او السلام ولكن ليس الامران معا. وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة ينبغي ان تعرب عن اسفها للقتلى الذين يسقطون في الجانب الفلسطيني واعتراض اسرائيل على الحماية الدولية للفلسطينيين وايقافها للعائدات المستحقة للسلطة الفلسطينية ينبغي معارضتها. وخلال السنوات السبع الماضية لم يتم القيام إلا بجهد محدود للغاية لتحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين. ولابد على الاقل من الاقرار بهذا ومن التزامات مؤكدة بتغيير هذا الوضع. ويتعين على الولايات المتحدة كذلك ان تعرب عن قلقها الشديد ازاء استخدام اسرائيل للأسلحة التي زودتها بها الادارة الامريكية في العنف المتصاعد, ذلك انه بمقدور الولايات المتحدة وفقا لبنود قانون ضوابط تصدير الاسلحة ان تحد من شحنات الاسلحة اذا ما وجد الرئيس او وزارة الخارجية ان تصديرها (سيزيد من امكانية اندلاع الصراع او تصاعده وقيام اسرائيل باستخدام طائرات الهليوكبتر الامريكية لقتل قادة فتح وللهجوم على مكاتب السلطة الفلسطينية وللهبوط في جنوب لبنان ينبغي ان يقدم مبررا كافيا لمطالبة الادارة الامريكية بتمحيص سلوك اسرائيل. يتعين ان تساعد هذه الخطوات في استعادة بعض الثقة بالقيادة الامريكية وأن تشكل كابحا لأي تصاعد او توسع في نطاق الصراع. كما انها يمكن وبصفة خاصة اذا تزامنت مع الاجراءات التي اشرنا اليها قبل قليل في تمكين القيادة الفلسطينية من استعادة بعض الامل والهدوء في صفوف الشعب الفلسطيني. ولكن يتعين على الولايات المتحدة ان تقوم بما هو اكثر من ذلك. فهي على امتداد وقت اطول مما ينبغي قد خاطبت العالم العربي عبر الضوابط الضيقة المتعلقة بعملية السلام. وفي بعض الامثلة فإن عمليات تحسين العلاقات الثنائية قد تم ربطها بموقف البلد المعني بالسلام مع اسرائيل. ومن هنا فإن من المهم الى ابعد الحدود ان تستخدم الادارة كل السبل المتاحة لاعادة تأكيد التزامها بالعلاقات الثنائية مع الدول العربية ومع التكتلات الاقليمية العربية. فهذه العلاقات مهمة في ذاتها وينبغي اتخاذ خطوات لتأكيد هذه الحقيقة. وأخيرا فإن من المهم بالنسبة للولايات المتحدة ان تقوم بإعادة تمحيص سياساتها نحو العراق وخاصة بالنسبة لكل من العقوبات الاقتصادية وفرض منطقتي حظر الطيران في ذلك البلد. وفي الوقت القصير الذي بقي أمام الادارة الامريكية هناك سبل عديدة متاحة أمامها لتحقيق بعض من هذه الاهداف. بمقدور كل من الرئيس ووزيرة الخارجية الامريكيين إلقاء خطب سياسية بارزة تجدد مواقف الولايات المتحدة في العديد من هذه القضايا المهمة وتحدد اهدافا يتم تحقيقها مستقبلا. وعلى سبيل المثال يمكن اصدار بيان واضح للأهداف الامريكية في غمار عملية السلام وبيان محدد وغير ملتبس يؤكد الالتزام الامريكي بالتطلعات الفلسطينية وهو الامر الذي من شأنه استعادة بعض الهدوء في اطار الموقف الراهن وتحديد مؤشرات تكون بمثابة علامات طريق للادارة المقبلة. ويمكن للادارة الامريكية كذلك عقد العديد من المنتديات العامة في الولايات المتحدة وفي الشرق الاوسط بهدف اعادة تقويم السياسة الامريكية لتحديد الخطوط العريضة لمبادرات جديدة فيما يتعلق ببعض الجوانب الخاصة بالعلاقات الامريكية العربية. ويتعين, على سبيل المثال ان تبحث الولايات المتحدة امكانية عقد اجتماعات مع مسئولين حكوميين وقادة رأي عام في اطار القطاع الخاص في العديد من الدول العربية لبحث قضايا تتعلق بالعلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وبالعلاقات الاقليمية. ويتعين على الولايات المتحدة كذلك دعوة القيادات الامريكية العربية الى ندوة سياسية علنية يمكن في اطارها السعي للحصول على مساهمتهم في اطار يستهدف الوصول الى توصيات انتقالية توجه للادارة المقبلة. وأخيرا يتعين على الادارة ان تعلن مراجعتها الداخلية لسياساتها حيال العراق, وذلك بالتشاور مع الحلفاء العرب الاقليميين. والهدف من هذه المراجعة ينبغي ان يكون اعادة تحديد الاهداف السياسية حيال تلك البلاد وتقويم ما اذا كانت السياسة الراهنة تساهم في تحقيق الاستقرار والسلام الاقليميين. وفي كل هذه الامثلة فإن الاهداف ينبغي ان تتمثل بتشجيع الرأي العام بقوة في العالم العربي على الثقة بالتزام الولايات المتحدة بالعدل والتوازن واستعادة الامل بمستقبل السلام وإعادة بناء صرح العلاقات العربية الامريكية المتضررة. ومن الجلي في الوقت الراهن, ان مستقبل عملية السلام والدور الامريكي في العالم العربي قد اصبحا متداخلين وقد ورثت ادارة كلينتون ميراثا معقدا من الادارة التي سبقتها. فمن ناحية هنالك قيادة امريكية لا نزاع فيها في عملية سلام معيبة بشكل عميق. وبعد الانعقاد الناجح لمؤتمر مدريد تفرعت تلك العملية الى مسارات عديدة متنافسة ومن ناحية أخرى فإن العراق الذي حاقت به الهزيمة ولكنه لم يعد النظر في مواقفه لا يزال يعيش في ظل عقوبات اقتصادية شاملة وصارمة. خلال السنوات الثماني الماضية حاولت الادارة الامريكية ادارة الموقفين كليهما من دون اعادة تمحيص انتقادية للسياسة التي تتبعها في كل من القضيتين. ولم تساعد تحركات كونجرس معاد في تحسين الاوضاع. وعلى سبيل المثال, فإن الكونجرس بتأثير من ضغط قوي مؤيد لليكود وجدول اعمال حزبي فرض ضوابط معادية على المساعدة المقدمة للفلسطينيين. وفرض قضية نقل السفارة الامريكية من اسرائيل الى القدس وأقر قانون تحرير العراق الذي شكل مجرد التفكير فيه اساءة تقدير بالغة. وقد قاومت الادارة الامريكية العديد من هذه الجهود. ومما يذكر للرئيس كلينتون انه قد اتخذ خطوات بارزة ومستقلة لتحسين العلاقات الفلسطينية الامريكية وتحدى بشكل بارع وقوي في الوقت نفسه تجاوزات حكومة الليكود. وبقدر ما سمح الكونجرس فقد دفع كلينتون باتجاه تخفيف صرامة نظام العقوبات المفروض على العراق. ولا يزال الوقت مبكرا قبل ان نضع قائمة بإيجابيات وسلبيات هذه الادارة التي استمرت ثماني سنوات. ولكن الازمات الراهنة اذا تركت دون التدقيق فيها وبصفة خاصة فيما يتعلق بعملية السلام وبالعلاقات الامريكية العربية فإن الامر لا يوحي بأن هذه الادارة ستترك وراءها ميراثا واعدا. وبينما تحررت هذه الادارة من الاعتبارات المتعلقة بالانتخابات فإن الشهرين المتبقيين لها لا يسمحان بمبادرات بارزة. صحيح ان الادارة لها صلاحيات محدودة وليس امامها وقت طويل. ولكن هناك خطوات يمكن بل ويتحتم اتخاذها لكي تتمكن هذه الادارة من ان تمرر الى الادارة التي ستليها موقفا واعدا بشكل اكبر مقارنة بما هو قائم حاليا في الشرق الاوسط. رئيس المعهد الامريكي العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات