التنشئة الاجتماعية في إسرائيل ومحاولة صهر عناصر ومكونات الثقافات السائدة 1 –2 ، بقلم: أمين إسكندر

لقد أخذت الحركة الصهيونية على عاتقها, منذ أن بدأت تنظيم دعوتها الموجهة لليهود وحتى قيام الدولة ــ مهمة صهر العناصر والمكونات المتعددة التي جاءت من الموروث التاريخي لليهود، والواقع المعاش في مجتمعات متعددة ذات ثقافات عديدة بالنسبة ليهود الشتات, حتى تتشكل ملامح لشخصية الشعب وشخصية الجماعة. ولما كانت شخصية الجماعة ــ حسبما جاء في كتاب الشخصية الإسرائيلية (الاشكنازيم) للدكتور قدري حفني ــ الطبعة الثانية 1978 هي مجمل تلك الخصائص المستمرة نسبياً الذي يكفل فهماً تفسيرياً وتنبؤياً للنشاطات الظاهرة لأعضاء جماعة معينة في فترة تاريخية محددة, يتسم بالاتساق داخلياً وخارجياً. فقد كان لابد من الدمج بين الدين اليهودي كخاصية مستمرة لليهود وبين الصهيونية كعقيدة معززة للشعور الديني وموجهة له قومياً. لذا كان طبيعياً أن تتصدر قرارات المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين المنعقد في عام 1968 ديباجة تنص على أن (محاولة التفريق بين الصهيونية وبين الشعب اليهودي محاولة إجرامية لتضليل الرأي العام). ويعلن بن جوريون أمام ذلك المؤتمر 27 (أن الصهيونية هي أم الثورة اليهودية, فهي التي جاءت بي وبمن سبقني وبمن سيأتي بعد ذلك إلى أرض إسرائيل. نحن يهود إذن نحن صهيونيون). وانطلاقاً من ذلك الربط بين اليهودية والصهيونية, جاء في مقدمة قرارات المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين (أهداف الصهيونية هي: وحدة الشعب اليهودي, ومركزية دولة إسرائيل في حياة الشعب, تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي أرض إسرائيل بالهجرة من جميع البلاد, تدعيم دولة إسرائيل القائمة على نبوءة الأنبياء في العدل والسلام, المحافظة على خاصية الشعب بتطوير التربية اليهودية والعبرية, وبث القيم الروحية والتربوية اليهودية, الدفاع عن حقوق اليهود في جميع الأماكن التي يقيمون فيها). وهكذا أصبحت الصهيونية هي العقيدة الحاكمة لجمع من الشتات ذات الأصول والثقافات المتعددة, ولم يكن ذلك كافياً يصهر تلك الجماعات المتعددة بل كان لابد من إعادة تنشئة اجتماعية داخل إسرائيل, دولة الحركة الصهيونية, حتى تتجانس تلك الجماعات وتلتف حول قواسم مشتركة, ويجد أفرادها انتماء إلى تاريخ بعينه, عندها فقط يصبح لتلك الجماعات تاريخ مادي تحول إلى واقع نفسي, وهكذا تتشكل خصائص الجماعة والشخصية. وعن ذلك يقول د. قدري حفني في كتابه (الشخصية الإسرائيلية) لابد لنا هنا من تفرقة بين التاريخ كواقع شخصي للأفراد, والتاريخ كواقع مادي للأمم. فالتاريخ كواقع مادي لشعب من الشعوب هو تلك الأحداث المتتالية التي وقعت لذلك الشعب تاركة آثارها على أفراده, ومن خلال وحدة تلك التأثيرات يتحول ذلك الواقع المادي إلى واقع سيكولوجي بأن تقوم الأجيال المتعاقبة لذلك الشعب بنقل تلك التأثيرات في وحدتها من جيل إلى آخر, ومن هنا ينشأ ما يمكن أن يسمى الإحساس بالتاريخ أو ما يمكن أن نطلق عليه التاريخ كواقع سيكولوجي. فالتاريخ يمارس تأثيره على الأفراد من خلال نوع من التعليم تتكفل به عملية التنشئة الاجتماعية التي تجري في المجتمع). وقد قامت الصهيونية بالدور الهام في تحول التاريخ من واقع مادي إلى واقع سيكولوجي, وكان لابد من تبني واعتماد استراتيجية شاملة لتنشئة الاجتماعية تعتمد على شبكة من الأساليب والأدوات تبدأ بالتعليم و الإعلام والإبداع والثقافة والسينما والأحزاب والجماعات النقابية والسياسية والثقافية وتستمر بشكل متجدد حتى يتم خلق الروابط والقواسم بين تلك الجماعات, مما يساعد على إبراز الصفات المشتركة والخصائص المميزة. والتنشئة الاجتماعية هي العملية التي يتم من خلالها نقل القيم والمعتقدات والعواطف السياسية إلى الأجيال اللاحقة وتبدأ هذه العملية في عمر مبكر وتستمر طوال الحياة عن طريق مؤسسات الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية وجماعات العمل والحزب السياسي. وفي دائرة المعارف الدولية للعلوم الاجتماعية تعرف التنشئة السياسية (و من المعروف أن الاجتماعية أشمل وأكثر اتساعاً) بأنها (التلقين الرسمي وغير الرسمي). ويتنبأ كل من العالمين الاجتماعيين وليم لامبرت, وولاس لامبرت (بأن العملية العامة للتنشئة الاجتماعية سوف تعد في يوم من الأيام متساوية مع معطيات الوراثة والنمو الشخصي كإحدى القوى المشكلة للبشر التي تكون كلا من الفروق والتشابهات). وهذا ما حدث تقريباً في إسرائيل حيث قامت التنشئة العامة بدور كبير في إعادة الصياغة والتأهيل والتشكيل المجتمعي وكان رأس تلك النماذج, ما اصطلح على تسميته جيل الصابرا, وهو جيل الشباب الإسرائيليون الذين ولدوا في فلسطين, والذين تحملوا مشاق الاستيطان والدفاع عن مشروعهم الصهيوني الاستيطاني, مقابل اليهود الصهـاينـة الذيـن جـاءوا من الغـرب المتفوق حضارياً لكي يجدوا لهم وطناً قائماً وسط بحر من الأعداء ــ كما يقولون ــ. وهؤلاء الصابرا هم نموذج لفعل مقصود ومبرمج من مخططي التنشئة الاجتماعية, ولعل ذلك ما جعل عالم الاجتماع الفرنسي, والرئيس الأسبق لجمعية الدولية لعلم الاجتماع أن يصدر كتابه المعنون (أهي نهاية الشعب اليهـودي) وفيه يخلـص إلى: (أعـتقد أن ثمة ثقافة فرعية هي ثقافة الصابرا قد اتخذت مكانة راسخة في إسرائيل). فهؤلاء الصابرا هم الذين تعرضوا لتلقين منظم لثقافة قوة الجماعة, وحتمية القوة, وتواصل التاريخ اليهودي منذ دعوة موسى النبي, ومركزية التلمود, واحتقار الأغيار, وكراهية العرب, وحتمية الانتصار, وقداسة اليهود, وقدسية وطنهم الذي عاد إليهم بعد السلب, وبطولة يشوع بن نون القدوة والنموذج. وقد كشف د. رشاد عبد الله الشامي في كتابه (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية) من سلسلة عالم المعرفة رقم ,102 عن أهمية حياة الجماعة بالنسبة للصبار عندما ذكر أن (هناك قصة مشهورة عن صبار نموذجي عاش حياته وسط مجموعة من الأصدقاء, ثم انتهت حياته بشكل مأساوي, انعكست في قصة للأديب الإسرائيلي عاموس كين تحت عنوان (داني ــ إحياء لذكراه): ذات مرة حدثت كارثة, لقد سافرت الجماعة كلها خارج المدينة من أجل خطوبة أحد أعضاء الجماعة, وبقي داني بمفرده. وقد أخذ يتجول بمفرده في الشوارع ولم يلتق بأحد وقد سبب له هذا الأمر اكتئاباً نفسياً. وقد انتحر لهذا السبب, ولا يعرف أحد حتى اليوم كيف فعل هذا بمفرده). هذا ما نقصده بالتنشئة الاجتماعية داخل إسرائيل, والتي تستهدف صباغة جماعية هي أقرب لحالات غسيل المخ عبر مؤسسات عديدة, تقوم كل مؤسسة بدورها المخطط لها طبقاً لوزنها النسبي في استراتيجية شاملة طويلة الأمد. والنصوص التوراتية تدرس في المدارس الإسرائيلية من الحضانة حتى المرحلة الثانوية وبتكثيف مبرمج, حتى تغذي الوجدان الصهيوني في إسرائيل ويأتي على رأس تلك النصوص سفر (يشوع بن نون) فهو المؤسس لتقاليد العسكرية الإسرائيلية ــ حسب نظرتهم له ــ وهو المقدس الذي نفذ وصية موسى النبي, بحمل (تابوت العهد) أمام الجنود (وقال يشوع للكهنة احملوا تابوت العهد واعبروا أمام الشعب. فحملوا تابوت العهد وساروا أمام الشعب (سفر يشوع (5 ــ 2) وما زال جيش الدفاع الإسرائيلي يحافظ على هذه التقاليد حتى الآن, فكل وحدة من وحداته تحمل تابوتاً توضع فيه التوراة, وقد نقشت عليه آية (انهض بالله ودع أعداءك يتشتتوا واجعل الذين يكرهونك يهربوا أمامك) وقد قام العالم السيكولوجي جورج تامارين بإجراء بحث في جامعة تل أبيب عام 1966 حول ردود فعل الطلاب على سفر يشوع وفظائع أريحا ومقيدة وغيرها من الأماكن المذكورة في التوراة (قتلوا كل ما في المدينة من رجل وامرأة, من طفل وشيخ حتى البقر والغنم بحد السيف) و(كان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية حيث لحقوهم سقطوا جميعاً بحد السيف) وأخذ يشوع مقيدة في ذلك اليوم, وضربها بحد السيف وضرب ملكها وكل نفس بها ولم يبق شارداً. وجورج تامارين أجرى بحثه على عينة من 1066 طالبا من الصف الرابع حتى الثامن وكان قد حدد ثلاثة أسئلة ننقلها من صفحة 171 من كتاب (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية). السؤال الأول: هل تعتقدون أن يشوع والإسرائيليين قد فعلوا الصواب؟ وكانت النتيجة أن 60% من العينة أجابوا بأنه قد فعل الصواب. السؤال الثاني: لنفرض أن الجيش الإسرائيلي يحتل قرية عربية بالقتال, فهل يتحتم عليه أن يفعل كما فعل يشوع مع أهالي أريحا ومقيدة؟ والإجابة كانت موافقة 30% من العينة على عمل المثل ضد أهالي القرية العربية المحتلة. أما السؤال الثالث فقد درس تأثير التمركز العنصري على الحكم الأخلاقي, عندما طلب رد فعل العينة على عمل فظيع ارتكبه جنرال لين في الصين, وحصل هذا السؤال على رد إيجابي من جانب 70% فقط. من هنا كان طبيعياً أن يصف بن جوريون يشوع بن نون قائلاً: (إني اعتبر يشوع هو بطل التوراة, إنه لم يكن مجرد قائد عسكري, بل كان المرشد لأنه توصل إلى توحيد قبائل إسرائيل). قول واضح بل سافر في وضوحه, يشوع بطل لابد من تقديمه كنموذج من أجل توحيد القبائل أو الجماعات التي جاءت من الشتات من كافة أنحاء المسكونة (لا يجمع بينهم رابط سوى الرابط ــ الأيديولوجية الصهيونية). ولم تكن التوراة تقدم النموذج الموحد لليهود فقط, إنما تقدم الفتوى المقدسة للحروب التي تشنها إسرائيل ضد العرب, وها هو ــ فيدر بوش أحد منظري الصهيونية العربية يقول إن الحروب التي تشنها إسرائيل على الدول العربية هي وفق (الهالاخاه) (الشريعة النظرية) حرب مقدسة للدفاع عن (اليشوف) (الاستيطان اليهودي) في فلسطين ضد الجيوش العربية التي غزت أرض فلسطين لكي تبيد الشعب المقاتل من أجل حريته, وكذلك فإن إنشاء جيش الدفاع الإسرائيلي والخدمة فيه هي في رأي الصهيونية الدينية من تشريعات التوراة الصحيحة ويذكر د. الشامي في كتابه السابق ذكره أن الحاخام العسكري موشيه جورن أعلن أن الحروب الثلاثة التي قامت بين العرب وإسرائيل ,48 ,56 1967 هي في منزلة (الحرب المقدسة) فأولها لتحرير أرض إسرائيل, وثانيها لاستمرار دولة إسرائيل, وثالثها فقد كانت لتحقيق نبوءات أنبياء إسرائيل. مما سبق يتكشف لنا أن مخططي استراتيجية التنشئة الاجتماعية لأجيال الصهاينة المولودين على أرض فلسطين, لم يتركوا وسيلة ما أو أداة إلا وتم من خلالها إعادة التنشئة تلك وكانت التوراة هي الأساس والمنطلق الذي خرجت منه تلك المفاهيم المعززة لوجدان الصهيوني ــ كما يقولون هم ــ وقد شملت شبكة القنوات التي من خلالها يتم تمرير تلك المفاهيم الموحدة والخالقة لكتلة اجتماعية متناسقة حول أهداف ما وأغراض ما, بل وماضي ما أيضاً ــ النظام التعليمي التربوي في إسرائيل والإعلام والأدب والسينما. ويهمنا هنا أن نلقي الضوء على فلسفة النظام التعليمي والتربوي, والتي تكشف لنا بوضوح كامل استراتيجية التنشئة الاجتماعية وغرضها في صهر التجمعات والجماعات الصهيونية على أرض فلسطين المحتلة. النظام التربوي في أي مجتمع لابد أن يستند على مجموعة من القواعد والمثل والقيم والأهداف التي تستمد من شخصية الشعب وهويته وتاريخه وأهدافه وغاياته, ولما كان التجمع الصهيوني على أرض فلسطين قبل إعلان الدولة مجرد جماعات استيطانية وبعد الدولة مجرد جماعات تحاول الانصهار كان لابد من تخليق تاريخ وهوية وشخصية, وهنا لعبت التوراة والصهيونية دورا مهما في منطلقات وأهداف وغايات النظام التربوي الإسرائيلي: وقد ظهر ذلك واضحاً في قانون 1953 لتنظيم التعليم في إسرائيل عندما ذكر المشرع الصهيوني في ديباجة المشروع ما نصه: (إن التعليم الابتدائي يعتمد على قيم التقاليد اليهودية وعلى احترام الإنجاز العلمي ويعتمد على حب الوطن والتضحية والإخلاص للدولة وللشعب اليهودي. كما أنه يركز على التدريب على الأعمال الزراعية والحرف اليدوية وتحقيق مبادئ الرواد الصهاينة الأوائل, حتى يتحقق في النهاية المجتمع المثالي). إذن نحن أمام (طبخة) من التقاليد اليهودية والإنجازات العلمية والإخلاص للدولة وللشعب, ومبادئ للرواد الصهاينة الأوائل والمجتمع المثالي!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات