حمدان بن راشد الشخصية الانسانية ، بقلم: حمدان حامد محمد *

في حفل مشهود وبهيج يوم الاحد الماضي, تم تكريم سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي, وزير المالية والصناعة بمناسبة اختياره الشخصية الانسانية لعام 2000 تقديرا لجهوده ومساهماته المشهودة الواسعة في مجالات شتى, ومناطق ودول كثيرة شملت جميع قارات العالم. وبهذه المناسبة فمن الاهمية ان نلقي بعض الضوء على جهود سمو الشيخ حمدان في افريقيا تحديدا, وبرنامجه الانساني والاجتماعي فيها, ومشكلات افريقيا وتعقيداتها وآمالها وآلامها. ولنبدأ بمشكلة هذه القارة. أوضاع مأساوية يبلغ عدد سكان افريقيا ما يقارب السبعمئة مليون نسمة ليشكلون حوالي 14% من سكان العالم موزعون في 53 دولة, وتشكل مساحة القارة 23% من مساحة اليابسة العالمية. وبرغم ما تكتنزه هذه القارة من خبرات حيث البترول في شمالها ووسطها والذهب في جنوبها, والماس في ادغالها وسواحلها وما تتميز به من غابات وثراء نباتي متنوع, وغزارة امطار وأنهار وبحيرات ومسطحات مائية عذبة.. برغم كل ذلك فإن واقع افريقيا الحالي يدعو للمأساة, ويثير العواطف والاشجان. فمن بين 32 دولة تعتبر هي الدول الاشد فقرا في العالم تساهم افريقيا بـ 23 دولة (حوالي 72%) في هذا المنتدى العالمي.. منتدى الفقر والكآبة والجوع, وربما كان هذا الوضع المذري نتيجة طبيعية للغليان والاضطراب الامني والسياسي الذي تشهده القارة, فالصراعات السياسية, والنزاعات القبلية, ومشكلات الحدود والتوترات السياسية تعصف بمعظم دول القارة.. وليس ادل على ذلك من هذا الواقع الذي نشهده اليوم كما في الصومال, وجنوب السودان او القرن الافريقي بين اثيوبيا واريتريا, ومنطقة البحيرات العظمى التي تتطاحن دولها: أوغندا, وبوروندي ورواندا والكنغو حيث انجرفت دول اخرى للصراع مثل انجولا وزامبيا.. كما يلاحظ ذلك في منطقة غرب افريقيا التي لم تخرج من ألوان الحروب والتطاحنات القبلية والحدودية حتى الآن, ويتضح ذلك في النزاع الداخلي في كل من سيراليون, وليبريا, وتشاد والنيجر, وغير ذلك كما في مشكلات الطوارق في مالي والبوليساريو في الصحراء الغربية والمغرب, وثوار كزامانس في جنوب السنغال. هذا الفوران هو الذي خلف هذا الفقر والفاقة لدى دول القارة وهو الذي ادى الى تعاظم ظاهرة النزوح واللجوء, فاحصائية المفوضية السامية لشئون اللاجئين تقول ان هناك ستة ملايين افريقي يعيشون خارج بلدانهم كلاجئين, وهناك اثنى عشر مليونا يعيشون كنازحين ومشردين من مدنهم وقراهم بسبب هذه الصراعات. ومن مآسي افريقيا ايضا هذه الالغام الكثيفة العدد التي تعيق حركة التجارة والتواصل والتنمية, اذ تقول الاحصائيات ان هناك عشرين مليون لغما في هذه القارة وفي انجولا وحدها يوجد 9 ملايين لغم تحتاج ازالتها الى خمسين سنة! ولأن المصائب لا تأتي فرادى فقد ابتليت افريقيا بداء القرن.. مرض نقص المناعة المكتسبة المعروف اختصارا بالايدز حيث يوجد ثلث مصابيه في العالم في افريقيا, ويهدد هذا المرض اقاليم واسعة في بعض دول افريقيا كما في اوغندا وملاوي. هذا الواقع المضجع انعكس على اهل افريقيا جميعا, انعكس على رجالها ونسائها وأطفالها.. فإذا كان الرجال هم وقود هذه الحروب التي لا تخمد, فإن النساء كذلك هن فريسة الموت نتيجة التدهور في الخدمات الصحية ونقص ورعاية الامومة والطفولة, فمن بين كل عشرين افريقية حبلى يهدد الموت واحدة, اما التعليم فحدث ولا حرج فحاله: اما اطفال بلا مدارس, او مدارس بلا اساتذة وبلا كتاب وبلا مقاعد. قبول التحدي اذا كان هذا هو حال افريقيا عامة فإن حال المسلمين هو الاكثر قتامة.. فمعظم المناطق الملتهبة هي مناطقهم, وحوالي 70% من اللاجئين والنازحين في القارة منهم, وأكثر المناطق تهميشا هي مناطقهم, وليس ادل على ذلك من ان المسلمين وبرغم حجمهم العددي الكبير, واغلبياتهم الساحقة كما في دول الساحل في المحيط الهندي, ودول غرب وشرق افريقيا الا انهم يعانون من تهميش لا يصدق, والحقائق في ذلك فاجعة, ولكن ليس هذا مكان تفصيلها. والمسلمون محاربون في رزقهم والحرب والطامة الكبرى عليهم في ثقافتهم وكينونتهم, ولذلك فبرغم كثرتهم العددية في كثير من الدول الا انهم يصدق عليهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم كغثاء السيل. في هذا الواقع المثير للاحباط والأسى برز سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم ببرنامجه الكبير في افريقيا, ادراكا منه لهذا الواقع, وقبولا بالتحدي للعمل على تغييره الى وضع افضل وأكثر اشراقا, فالتمرد على هذا الواقع وتحديه بالعمل هو ادل خطوات النجاح في تجاوزه. لقد بدأ سموه برنامجا واسعا مع منظمة الدعوة الاسلامية في افريقيا.. وبدأ هذا البرنامج في النصف الثاني من الثمانينيات لمجابهة الطامة الكبرى التي عصفت بأفريقيا ممثلة في المجاعة الطاحنة التي خلفها الجفاف والتصحر وكانت شديدة الاثر في السودان حيث تبرع سموه بتشييد عشرة مجمعات تعليمية ودعوية واجتماعية تستوعب اكثر من عشرة آلاف تلميذ خصصت للمتضررين من هذه الكارثة بعد ان تم تجاوزها. وفي نهاية التسعينيات بدأ سموه برنامجا اكثر شمولا حيث غطى حتى الآن افريقيا غربا وشرقا ووسطا وجنوبا.. ولما كان التعميم هو اساس الامر في افريقيا فقد ركز هذا البرنامج عليه بصورة اكثر, فتم في خلال ثلاث سنوات فقط انشاء ثلاث وعشرين مدرسة ثانوية في 15 دولة افريقية, كما يتم الآن الاعداد لافتتاح كلية جامعية في منطقة شرق افريقيا, وتجاوز سمو الشيخ حمدان مشكلة المباني الى حل اشكالات الكادر التعليمي حيث كفل بصورة منتظمة مئات المعلمين, ومؤل تدريب مئات آخرين, واهتم بالبنية المدرسية المتكاملة من خلال انشاء المعامل والمسارح والانشطة المدرسية, واسس تعليميا نموذجيا رائدا في بلاد تتساقط فيها جدران المدارس وتتطاير اسقفها ويجلس تلاميذها على الارض, ويعاني معلموها من تأخر مرتباتهم ونقص تدريبهم. وقد كان الناتج باهرا خلال ثلاث سنوات فقد اصبحت مدارس سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم التي تشرف عليها منظمة الدعوة الاسلامية في بعثاتها المختلفة هي المدارس الرائدة في كل دولة, وقد اكد هذه الحقائق وزراء التربية كما في تشاد, وبوركينا فاسو وموزمبيق ونيجيريا والكاميرون وأوغندا وغيرها.. بل ان كثيرا من هذه المدارس كانت الاولى على مستوى الدولة في امتحانات الدخول للمراحل. الدعوة والدعاة اضافة الى ما تقدم اهتم سموه بالجانب الدعوي لتعزيز وضع المسلمين ونشر الدعوة في اوساطهم, وذلك من خلال بناء المساجد وكفالة الدعاة وتدريبهم وخدمة المجتمعات المسلمة بتوفير مياه الشرب النقية, وبناء المراكز الاجتماعية ومراكز تنمية الدخل الاسري, كما اهتم بكفالة الاطباء وتدريبهم وبناء المستوصفات واهتم باغاثة المنكوبين في النوازل والكوارث في موزمبيق وجنوب السودان وغيرها الكثير. ومن اهم الآثار الايجابية لبرنامج الشيخ حمدان في افريقيا: 1ــ المساعدة في حل اشكال التعليم وفتح المجال امام آلاف الطلاب الذين كانت تضيق امامهم فرص التعليم, كما ان البرنامج أوجد مدارس ذات مستويات متقدمة. 2ــ الاثر الدعوي حيث آب الآلاف الى دين الله افواجا تتلوها افواج. 3ــ عزز هذا البرنامج من اوضاع المسلمين في افريقيا, فقد مثل دعم الشيخ حمدان بن راشد سندا لظهر المسلمين المقهورين في بلدانهم. 4ــ ولعل هذا هو اهم الآثار وهو: ان هذه المشروعات وثقت العرى بين الدول العربية وقيادات وحكومات الدول الافريقية التي رأت المال العربي والاسلامي يتدفق بسخاء لتنمية مجتمعاتها بدون شروط او وصاية. ومن الملاحظات على برنامج الشيخ حمدان في افريقيا انه: 1ــ برنامج يهتم بالمواقع ذات الاثر الاستراتيجي للمسلمين والامة العربية فهو يركز على دول الاكثريات المسلمة المهمشة مثل شرق افريقيا والحزام المسلم المجاور للصحراء الكبرى جنوبا علاوة الى البؤر والجيوب المزعجة مثل جنوب السودان وجنوب تشاد وجنوب السنغال. 2ــ الاهتمام بحل جذري للمشكلات.. فالمدارس تقام بصورة متكاملة بناء وتأثيثا وتسييرا. 3ــ الاهتمام بالجانب الرأسي من خلال الاهتمام بتدريب الكوادر المنفذة للعمل. ولئن اشرنا في صدر هذا المقال الى الواقع المزري والمأساوي لافريقيا الا ان الجوانب المشرقة في افريقيا لا يمكن اغفالها.. فافريقيا عملاق في انتظار التحلل من اغلاله, ولابد من ملاحظة الآتي: 1ــ بالنسبة للبعد الاسلامي يكفي افريقيا فخرا انها حاضنة الاسلام الاولى, وأنها التي كانت تشرق فيها شمس الاسلام عندما كانت تغيب في الاندلس, حيث قامت الامبراطوريات المسلمة في كانو ودولة المرابطين وسنار وغيرها. 2ــ كانت الاشد ضراوة في مقاومة الزحف الاستعماري في القرن التاسع عشر عبر ممالكها ودولها واماراتها الاسلامية كما في ممالك غرب افريقيا وشرقها ومنطقة السودان. 3ــ تحتوي على اعلى نسبة للسكان المسلمين والعرب بين جميع قارات العالم. 4ــ قارة المستقبل في الصراع الحضاري فهي قارة تتصارع عليها الثقافات. لكل ذلك فإن البرنامج الذي يقوم به سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في افريقيا ستكون له آثار يصعب حسابها والاحاطة بها.. انه كالماء العذب في الارض البكر الجدباء لا يلبث ان ينتج رياحين وازهار.. وأكلا مختلف الألوان والانواع. * ممثل منظمة الدعوة الاسلامية بالامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات