الهولوكست الفلسطيني وامتحان السلام _ بقلم: خورشيد دلي

في الردود الدولية ــ الغربية على المطالبات العربية بمحاكمة مجرمي الحروب الاسرائيليين الذين نفذوا المجازر والجرائم وعمليات الابادة ضد فلسطين شعبا وأرضا وهوية, لم أجد افضل من مصطلح (العقد الصامت) للدكتور عبدالوهاب المسيري صاحب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للتعبير عن هذه الردود, والعقد الصامت هو المصطلح الذي اراد منه الدكتور المسيري شرح ماهية العلاقة بين الحركة الصهيونية والحضارة الغربية. الآن وبعد مرور اكثر من نصف قرن على اعلان دولة اسرائيل ينبغي القول ان فهم ماهية هذه العلاقة وكيفية ابرام العقد الصامت بينهما (باعتبار العقد هو اتفاق بين طرفين يلتزمان بمقتضاه تنفيذ بنوده) يقتضي منا تجاوز اللحظة التاريخية التي نشأت فيها الحركة الصهيونية كنتاج للحضارة الغربية الى اللحظة التاريخية التي نجحت فيها هذه الحضارة في صوغ احكام القانون الدولي لأن هذه اللحظة كانت بمثابة الغطاء الدولي (الغربي) لانشاء دولة اسرائيل على ارض فلسطين وهي المرة الاولى في التاريخ التي يتم فيها اعطاء حق تشكيل دولة اعتمدت الاساطير في تأسيسها على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه في السيادة على ارضه التاريخية والعيش بكرامة. فقد نجحت الولايات المتحدة عبر حلفائها في تجاوز المادة العاشرة من ميثاق الامم المتحدة التي حددت اختصاص الجمعية العامة وفي دفع الاخيرة الى اقرار تقسيم فلسطين عام 1947 ومن ثم اعلان دولة اسرائيل رغم عدم دخول ذلك في اختصاص الجمعية وكذلك معارضة ذلك مع ما ورد في صك الانتداب البريطاني (المادة الخامسة) التي تنص على ان الدولة المنتدبة لا يجوز لها التنازل عن اي جزء من اراضي فلسطين او تأجيره او وضعه تحت يد حكومة اجنبية. بهذا المعنى فإن الحالة الدولية التي افضت الى قيام دولة اسرائيل ومن ثم حروبها ضد العرب وارتكابها للعديد من المجازر والمذابح هي نفسها الحالة التي تقف الآن في وجه الدعوات العربية لمحاكمة مجرمي الحروب من الاسرائيليين خاصة وان اللوبيات اليهودية المنتشرة في ارجاء العالم والتي تتمتع بنفوذ قوي غير مرئي نجحت من جهة في التأثير على قرارات ومواقف الدول. ومن جهة ثانية نجحت في تعزيز صورة اسرائيل كدولة وديعة ديمقراطية قانونية وسط واحة من الدكتاتورية والظلم والصحراء والاصولية, واعتمادا على ما سبق نجحت اسرائيل في اعطاء صبغة قانونية وانسانية لجرائمها ضد العرب الى درجة ان نسيان الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل اضحى بمثابة جواز اسرائيلي لارتكاب المزيد من هذه الجرائم دون رادع ,في حين استغلت اسرائيل والمنظمات الصهيونية مزاعم قتل اليهود التي قيل ان النازيين دبروها خلال فترة الحرب العالمية الثانية اشد الاستغلال وجعلت من (المحرقة) سلاحا لنيل المكاسب السياسية وجني الاموال وابتزاز الدول والحكومات علما ان المحرقة لم تقتصر على اليهود فقط بل شملت الغجر ورجال الدين المسيحي وفي الاساس كانت ايديولوجية المحرقة موجهة ضد كل (الساميين) بمن فيهم العرب والزنوج والاسيويون. المسألة الانسانية التي تطرح نفسها بقوة هنا اذا كانت المحرقة بكل تفاصيلها البشعة والرهيبة صحيحة فإنه ينبغي القول انه على اليهود ان يكونوا اول الناس على وجه المعمورة ان يعملوا لمنع تكرار مثل هذه الاعمال التي لا تمت للانسانية بصلة, والسؤال ماذا فعلت اسرائيل والحركة الصهيونية من اجل ذلك؟ الجواب باختصار ما قامت به اسرائيل من جرائم ضد الشعب الفلسطيني لا تقل بشاعة عن مزاعم اليهود ضد النازية, فإسرائيل لم تكتف بتنظيم الجرائم واعمال الابادة والقتل ضد الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والسوريين.. فحسب بل دمرت مئات البلدات والقرى وازالتها من الوجود واقامت بدلا منها مستوطنات يهودية في اطار مفاهيم عنصرية تقوم على خرافات التفوق والنقاء العرقي والديني ومفاهيم التمييز العنصري بحثا عن دولة يهودية مئة بالمئة. وبما انه لا يمكن لأي شخص بمفرده عد الجرائم والمذابح التي ارتكبتها اسرائيل وانتهاكاتها لحقوق الشعب الفلسطيني والقوانين والاعراف الدولية فإن طرح هذه المسائل على شكل اسئلة ربما يحظى باهتمام المؤسسات العربية والدولية والانسانية بغية اعداد ملف المحرقة الفلسطينية ومحاكمة مجرمي الحروب الاسرائيليين الذين ارتكبوا جرائم حرب وأعمال ابادة تجاوزت في فظاعتها النازية, ومن هذه الاسئلة: * ما هو عدد الفلسطينيين الذين أجبرتهم اسرائيل على الخروج من منازلهم بالقوة وشردتهم الى بلدان الشتات وكذلك الداخل؟ * ما هو عدد المذابح والمجازر التي ارتكبتها اسرائيل بحق الفلسطينيين والمصريين واللبنانيين والسوريين؟ * ما هو عدد البلدات والقرى والمنازل التي دمرتها اسرائيل وازالتها من الوجود منذ النكبة الى يومنا هذا؟ * ما هو عدد الفلسطينيين من قادة ومثقفين الذين اغتالتهم اسرائيل داخل فلسطين وخارجها في عمليات منظمة ارهابية؟ * ما هو عدد المساجد والكنائس التي دمرتها اسرائيل؟ * ما هو عدد المستوطنات اليهودية في الاراضي الفلسطينية التي صادرتها اسرائيل؟ * ما هو عدد الفلسطينيين الذين ماتوا في المعتقلات الاسرائيلية تحت التعذيب والترهيب؟ * ما هو حجم الثروات الثقافية والاثار التاريخية الفلسطينية والاسلامية التي زورتها اسرائيل؟ قائمة الاسئلة طويلة الى درجة انه من الصعب ايرادها الا انه مع طول القائمة يمكن القول ان الجواب على هذه الاسئلة مجتمعة بمثابة اعداد الهولوكست الفلسطيني ومحاكمة مجرمي الحروب الاسرائيليين, والا فإن القوانين الدولية لا قيمة لها من الناحية الاخلاقية والانسانية, يعلم العالم ان اسرائيل تمنح نفسها الحق في خطف ومحاكمة اي الماني ومن اي بلد في العالم اذا اشتبهت في ارتكابه جرائم بحق اليهود خلال الحرب العالمية الاولى, وانطلاقا من المثل الانسانية والمنطق الاسرائيلي نفسه ينبغي محاكمة مجرمي الحروب الاسرائيليين الذين نفذوا أو اشرفوا او اعطوا الاوامر بتنفيذ المجازر والمذابح بحق الفلسطينيين واللبنانيين... من مجازر بحر البقر الى صبرا وشاتيلا والمذابح التي ارتكبت بحق الاسرى المصريين خلال حرب 1967 مرورا بمجزرة الاقصى وليس انتهاء بمجزرة قانا. وما قد يرتكب اليوم او بعد اسبوع او شهر ما دامت سياسة اسرائيل هي هي, والنزعة العنصرية الصهيونية هي هي, وممارساتها هي القتل والتشريد والاستيطان والعدوان والتطهير الديني. قد يقول قائل ان اسرائيل غيرت من ايديولوجيتها مع بدء عملية السلام في مدريد وان الحديث يجري عربيا واسرائيليا ودوليا عن مرحلة ما بعد الصهيونية وبناء شرق اوسط جديد يقوم على نبذ الحروب واعتماد التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي, ونحن نقول ان اسرائيل لم تجنح للسلام بعد, فجميع مواد قوانين الطوارىء التي تعتمدها اسرائيل هي مواد حربية تجيز للحاكم العسكري اعلان المناطق الفلسطينية مناطق مغلقة يمنع الدخول او الخروج منها الا بتصريح رسمي (المادة 125) وله الحق في اعتقال اي شخص (159) والرقابة على اي مواطن فلسطيني (110) وزج اي شخص في المعتقل دون محاكمة ودون توجيه اي تهمة اليه ولفترة غير محددة (111) والحق بطرد اي انسان الى خارج اسرائيل او نفيه او منعه من العودة الى الداخل او هدم او مصادرة املاك اي شخص مشبوه (112), ومن القوانين العنصرية الاخرى التي ما زال معمولا بها قانون العودة الصادر عام 1950 والذي يمنح الجنسية الاسرائيلية لاي يهودي يصل الى فلسطين المحتلة لاول مرة وعدل هذا القانون عام 1971 ليعطي الجنسية الاسرائيلية لكل من له الحق في الهجرة الى فلسطين المحتلة, اي اليهود حتى قبل قدوهم الى اسرائيل, حيث يشبه قانون العودة الاسرائيلي هذا القوانين النازية اذ انه يقوم على مبدأ عنصري وفق اسس دينية, ففي الوقت الذي يحق لليهودي العودة وتقدم له كل المساعدات يحرم الفلسطيني من هذا الحق بل تمارس السلطات الرسمية الاسرائيلية فضلا عن المستوطنين كل الاجراءات العنصرية القسرية لاجبارهم على مغادرة ديارهم, فبالرغم من الغاء الامم المتحدة القرار الدولي رقم 3379 الذي يعد الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية قبل سنوات فإن اسرائيل لم تغير من طبيعتها العنصرية وممارساتها العدوانية الشبيهة بالنازية. ختاما, اذا كان السلام خيارا عربيا واسرائيليا وامريكيا وعالميا, واذا كانت اسرائيل ترغب في العيش بسلام في منطقة مستقرة ,فإنه ينبغي على اسرائيل تصفية تركة الدم من خلال الاعتذار علنا عن الجرائم التي ارتكبتها ومن ثم محاكمة مرتكبيها محاكمة حقيقية, ولئن كان ضحايا النازية قد عوضوا تعويضا مجزيا فلم لا يعوض الفلسطينيون واللبنانيون..؟ ولئن كان اليهود يستردون المنازل والمعامل والاموال فلم لا يسترد الفلسطينيون منازلهم وأموالهم؟ انه امتحان الهولوكست الفلسطيني شرط العبور الى السلام الحقيقي او دونه. كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات