استراحة البيان ، يكتبها اليوم: سعيد حمدان ، دار الثقافة والكتاب

غدا تنتهي الدورة التاسعة عشرة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب, وتبدأ مرحلة جديدة, انتظار الدورة العشرين. في شهر نوفمبر من كل عام, تحجز الشارقة عشرة ايام من حسابها الزمني, تخصها للكتاب. جميع مدارسها, دوائرها ومؤسساتها واناسها يحضرون هذا المعرض, ويختار ضيوفها ان يزوروها في هذا الموعد. كل برامجها, كل احتفالاتها تكون للكتاب, ليلها ونهارها تتحدث الشارقة عن الكتاب وحده. تسع عشرة سنة عمر هذا العرس الثقافي, وتقليدا في كل عام يحرص صاحب السمو حاكم الشارقة ان يعلن هو شخصيا بدء الاحتفال, يحدث ان يتعب الضيوف, يتعب الاعلام من الحركة والتوقف امام عشرات الدور المشاركة التي تكبر وتتزايد كل عام. الا ان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان يسعى ان يزور كل المشاركين ويتوقف عندهم, يستمع اليهم, يسألهم عن احوال الكتاب, وعن جديدهم. لا تكون هذه الزيارة الرسمية هي اليتيمة لراعي المحفل, انه في كل دورة يقوم دون ان يعلم الاعلام او المشاركين بالحضور الى المعرض قبل ان يفتتح مرة او مرتين, يطمئن بنفسه على كل الفعاليات والاستعدادات ويصل شغفه واهتمامه حد ان يقرأ الدليل الببلوغرافي للمعرض. من يملك الصبر والارادة ان يقرأ اكثر من ألف صفحة كل ما فيها اسماء كتب وكتاب؟! الشيخ سلطان الذي احب الكتاب, اخلص له واصبح عشقه وحلمه ومبادئه فأعطى هذا الكتاب حقه ومكانته, لم يحصره في مناسبة وفي مدى زمني قصير, فمعرض الكتاب عرس وجرعة ثقافية مركزة, انما حول نفسه واهله ومدينته فأصبحوا في خدمة الكتاب, واصبح العام, والعمر كله من اجل هذا الهدف السامي: ان ينتشر ويسود الكتاب, ان يرسخ الكتاب. اصبحت الشارقة منارة في وطننا الصغير الامارات, وفي الوطن الكبير العريض, تحولت افعالها واهدافها ومنجزاتها الى عمل حضاري في زمان عولمي ضبابي, لا يحمل وجها. عمل الشارقة هذا, يفخر به من ينتمي ويحب هذه الامة, ففيه بعض من خيال سيرة قديمة خالدة لعواصم ومدن ازدهرت عندما كانت الامة عظيمة, قوية ورائدة, تتبعها وتتعلم منها الدنيا بأكملها. هذه المدينة تعيد اليوم ذلك التاريخ المجيد, تحاول ان ترسم غدا اجمل, كل ما في الشارقة يتحدث عن رسالة الثقافة, فملامح المدينة تحمل في معمارها فنون القباب والاعمدة والزخرفة العربية الاسلامية. النصب التذكارية الموزعة في جنباتها تعبر عن هوية المدينة, هذا نصب الثقافة, وآخر عبارة عن كتاب مفتوح وثالث للاتحاد ورابع وفاء للكويت ودورها الريادي في تثقيف وتعليم سكان هذه الارض. وتحولت الشارقة في سنوات معدودة الى مدينة المتاحف بنى فيها حاكمها اربعة عشر متحفا, فوجدت المتاحف المتخصصة: متحف للآثار والتاريخ, متحف للفنون التشكيلية, متحف للطيران, ومتحف للعلوم والبيئة الطبيعية, وعالجت المدينة الاثار, فأحيت الحصون القديمة, واعادت بناء اسواق مشهورة, ورممت بيوتا سكنية لها في القلوب منازل وذكريات. اهتمت المدينة بالانسان, فأصبح للمرأة اندية وجمعية ونشاطات وكذلك للمعاق مدينة كاملة داخل المدينة وله تقدير ومشاركات وحقوق, والطفل تحول الى مشروع وبرامج ومنجزات, فأقيم له في كل حي سكني ناد خاص يحوي مكتبة ومختبرا للعلوم والرسم والهوايات وله مهرجانات ومسابقات موسمية. وجمعت المدينة معظم جمعيات النفع العام ومنحتها العديد من التسهيلات والامتيازات وبنت للعلم ثلاث جامعات, واوجدت مدينة جامعية في زمن قياسي ونشرت المساجد في كل الزوايا والمناطق. وحولت كل ايامها الى منتديات تحمل جرعات مختلفة من الفكر والابداع: ندوات ومحاضرات دينية, مؤتمرات علمية وبحثية, ومعارض فنية, ايام للشعر, وايام للمتفوقين دراسيا, ايام للموسيقى, وفترة من العام محجوزة في موعد ثابت لأيام الشارقة المسرحية فيها تتفتح المواهب وتعود القامات الفنية المنسية, يتألق المسرح, ينسى في هذه الايام احزانه وهمومه, يطل قويا لجمهوره من على خشبة مسرح المركز الثقافي الكبير او قاعة افريقيا. وكل عام يزداد كرم وعطاء حاكم الشارقة للثقافة واهلها, هذا العام تم تخطيط وبناء احدث واجمل واغلى منطقة من حيث الموقع في الامارة. وكانت بحيرة القصباء هذه تقع بين بحيرتين وهي آية في الجمال من حيث هندسة شق القناة وتصميم مداخلها ومبانيها, شيدها في شهور قصيرة وبنى على ضفتيها قصرين, الشرقي والغربي, واهداها لأهل الثقافة وفي عرس الكتاب. هذه بعض من ملامح الشارقة الثقافية, المدينة التي بناها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي, كأنها حلم في تكاملها وترابطها وسرعة انجازها. يبقى المكان الذي يجد فيه الشيخ سلطان نفسه, الاقرب الى قلبه. انه هناك في الجامعة, منشغلا بالبحث والتأليف او التدريس وإلقاء المحاضرات على الجيل الذي سيكمل المسيرة, سيبني مستقبل هذه الامة. يزرع اغلى بذرة, اصعب بناء.. صناعة فكر الانسان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات