طمع الغربي بالسيطرة على الآخرين ونهب ثرواتهم ، بقلم: د. تيسير الناشف

في (عصر الاستكشاف الاوروبي) الذي بدأ في القرن الخامس عشر والذي قد يكون من الاصح ان يدعى (عصر الاستعمار) اقترفت فظائع وأعمال ابادة للاجناس ليس لها نظير في التاريخ البشري المدون. لقد اقترفت اعمال مجردة من المبادىء الخلقية الرفيعة, وكان الطمع بالثروات مفشيا وكانت الرغبة في اكتساب القوة والنفوذ قوية. واستند المستعمرون الاوروبيون الى عدد من المذاهب لتبرير انتهاج سياسات استعمارية معينة. استند مستندون الى مفهوم (البقاء للاصلح) لتبرير التوسع الاستعماري ولتبرير استغلال ما اسماه الغربيون (الاجناس الدنيا). لقد وفر ذلك المفهوم الاساس لقيام جماعات اوروبية بالسلب والنهب والاستغلال والافتراس والفتك والبطش وابادة الاجناس. وعندما كان تشارلز داروين يضع مذهبه, مذهب (البقاء للاصلح) كان رجال من دول اوروبية مختلفة يتشدقون بتحمل (عبء الرجل الابيض) في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية, وبحمل رسالة التحضير (للاجناس الدنيا) وكانوا يقومون بتنفيذ برنامج كبير, هو برنامج السيطرة السياسية. ولا تزال مفاهيم داروين وروحه تسود سياسات قسم من الدول الغربية. وطوال بضعة قرون, ما بين القرن الخامس عشر ونهاية القرن العشرين, سلب الغرب ثروات مناطق شاسعة من العالم. ومما يبعث على السخرية ان عصر الديمقراطية الليبرالية في اوروبا كان ايضا عصر الاستعمار الاوروبي. وعندما كانت شعارات المساواة والاخوة والحرية تتردد في باريس كانت القوات الفرنسية تسحق دولا مستقلة في جنوب شرقي آسيا وافريقيا, وكانت تضع تلك الدول نيرها الاستعماري وكانت تفتك بحركات التحرر الوطني في تينك المنطقتين. وعندما كانت امريكا وبريطانيا تتمتعان بقسط من الديمقراطية كانت الصين والهند تمران بعملية الاخضاع والاستعباد. وقد اصاب التدمير ثقافات هذه البلدان وعرقل نموها وتنميتها السلسان والطبيعيان. وكان خنق الصناعات الهندية أحد العوامل المهمة في بقاء صناعة لانكشير للنسيج. ومن اجل ثراء بريطانيا اتبعت هذه سياسات اضعفت الاقتصاد الصيني او افقرت الصين. ولا رواء الظمأ الاستعماري الاوروبي الى السيطرة والتحكم احرقت مكتبة شانغهاي العظيمة. وغزت جيوش اوروبية روسيا في سنة 1610 وسنة 1709 وسنة 1812 وسنة 1915 وسنة 1941. ومنذ القرن الخامس عشر تعرضت شعوب افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية لموجات متعاقبة من العدوان الاستعماري الاوروبي بالغزو العسكري او على شكل نشاطات شركات تجارية او على اشكال اخرى. وخلال هذه الفترة هاجر اوروبيون الى القارتين الامريكية والاسترالية ونيوزيلندا وجنوب افريقيا, وفتكوا بسكانها الاصليين او اخضعوهم وسيطروا على تلك الاراضي واصبحوا سادتها. واستطاع السكان الاصليون في جنوب افريقيا بفضل كفاحهم الوطني ودعم المجتمع الدولي لهم ان يحققوا الاستقلال السياسي. ومنذ القرن الخامس عشر تم استعباد ملايين الافارقة, وخصوصا من غرب افريقيا, ونقلوهم في الاغلال عبر المحيط الاطلسي لخدمة الاوروبيين في امريكا باعتبار الافارقة ادوات حية قد تلبي جشع الاوروبيين الى الثروة. وقد أنشأ الافارقة في امريكا البنية الاساسية للاقتصاد في تلك الاراضي. وفي افريقيا وآسيا قامت جهات غربية ولا تزال تقوم بمحاولات للقضاء على الثقافات المحلية. وقد نجحت تلك المحاولات في اراض كثيرة. وفي عقول افراد الجيل الجديد في تلك الاراضي بذرت الجهات الغربية بذور الثورة ضد ثقافاتهم وحضاراتهم, على الرغم من ان تلك الثقافات والحضارات تضمنت جوانب سليمة ومشرقة كثيرة من النواحي الاجتماعية والقومية والانسانية, ان تلك الجهات لا تطيق ثقافات وحضارات الشعوب النامية. وبواسطة مضامين التعليم التي فرضتها السلطات الاجنبية ووسائط الاتصال الجماهيري تم اغتيال عقول افراد الاجيال المتعاقبة وتكييف فكرهم بما يتفق مع رؤى الجهات الغربية. وتبين كتب التاريخ ان الغرب جلب شتى أصناف المعاناة والاستغلال على شعوب امريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا. ومنذ القرن الخامس عشر بدأ رجال التجارة الاوروبيون يجوبون البحار وهم يتوقون توقا شديدا الى سلب ثروات بلدان القارات الثلاث والى اكتساب القوة والنفوذ وتحقيق السيطرة. وأنشأت دول اوروبية امبراطوريات في تلك القارات. وبغية تسهيل تحقيق هذه الاغراض اشاعت جهات اوروبية حكومية وتجارية اشاعات كاذبة عن الشعوب غير الغربية. ووصفت ثقافات وحضارات شعوب آسيا وافريقيا بأنها وثنية. ورغبة من تلك الجهات في تحقيق الاخضاع والسيطرة اطلقت العنان لالة حربها على هذه الشعوب الضحية الضعيفة. وفقا لمصادر مختلفة قتل او استعبد اكثر من 115 مليون شخص من السود ــ اي قرابة عدد سكان الولايات المتحدة في سنة 1930 ــ خلال تجارة الرقيق. وبعد ان اتخمت سوق العبيد اقتطعت دول اوروبا الطامعة الجشعة لنفسها اغنى المناطق في القارة الافريقية وجعلتها مستعمرات لها. وبعد ذلك وطوال عقود كثيرة لعبت الحكومات الاوروبية لعبة شطرنج الاستغلال لبلدان افريقيا الواقعة من مصر الى جنوب افريقيا. كتب مالكوم اكس, الرجل الاسود الامريكي الذي اعتنق الاسلام, في سيرته الذاتية: (لان الرجل الابيض قد محا تماما ماضي العبيد فإن الزنجي في امريكا لا يمكنه ابدا ان يعرف اسم عائلته الحقيقي او حتى القبيلة التي يتحدر منها ــ الماندينجو والفولا والفانتي والاشنتي وغيرها... وبعض العبيد السود الذين نقلوا الى امريكا من افريقيا تكلموا العربية وكانوا يدينون بالاسلام). * استاذ الدراسات الشرق أوسطية ــ بالولايات المتحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات