أبشروا بالسلام ، بقلم: د. محمد الرميحي

لا يستطيع كاتب ان يدعي انه يقرأ الفنجان او يضرب الودع, ولكن يتسطيع مراقب ان يقول لقد قلت لكم في الماضي شيئا مشابها لهذا فلم تسمعوا, والقصة أرويها للقارىء الكريم بتفاصيلها ووثائقها, وهي ان كاتب هذه السطور دعى لندوة عامة في برنامج المجمع الثقافي في ابوظبي في ربيع سنة 1994, وكانت بعنوان (بعد اتفاقيات السلام مع اسرائيل استشراف المستقبل العربي) وبالفعل قمت باعداد المحاضرة وإلقائها على جمع ضم دبلوماسيين وصحفيين واصحاب رأي, بعضهم لم يعجبه وقتها ما قلت فاحتدمت المناقشة وكانت الاتفاقات الفلسطينية الاسرائيلية طازجة لم يجف حبر توقيعها بعد وأنا اتحدث في ذلك المساء الجميل في أبوظبي. هذه المحاضرة لحسن الحظ او ربما بسبب التوثيق قد نشرت في مجلة السياسة الدولية المعروفة, التي تصدرها مؤسسة الاهرام في القاهرة وفي عددها الصادر في مطلع يناير 1995, بجانب نشرها بالطبع في ادبيات المجمع الثقافي بعد ذلك فهي اذن موثقة يستطيع اي مهتم ان يعود اليها والى تفاصيلها. قبل ست سنوات من اليوم قلت في تلك المحاضرة ان هناك ثلاثة سيناريوهات يمكن ان تحدث اما انكفاء مسيرة السلام او سلام بارد او سلام نشط سوف يتم بين العرب واسرائيل, ولا أريد ان انقل هنا ما قيل قبل ست سنوات بالتفصيل وبحروفه المحددة, لأن تفاصيله عديدة وكلها منشورة من قبل, ما أريده هو ان ابين هنا بعض العبارات بالنص التي كتبت وقتها فقد قلت: (ان الاحتفاظ بغزة والضفة الغربية بل بفلسطينيي 48 يعرض الايديولوجية الصهيونية للخطر, وكذلك التفاوض مع العرب كمجموعة, فقد عملت اسرائيل بشكل مباشر او غير مباشر على عدم تشجيع اطراف عربية للانخراط في اتفاقية كامب ديفيد (السادات) واستغلت تردد بعض الاطراف العربية فوضعت عقبات امامها عندما كان السادات يفاوض اسرائيل), ثم ذهبت للقول في تلك الدراسة انه (من المؤكد ان اسرائيل تتفاعل مع العرب كما تراهم دولا مفرقة, لا كما يتخيلون او يتخيل بعضهم صفا مرصوصا). وبعد عرض لنصوص الاتفاقات الاسرائيلية ذهبت للقول (لقد سكتت الآن المبادىء العامة في اتفاق اوسلو واتفاق القاهرة الذي تلاه, عن قضايا مهمة وأساسية في تطوير الحكم الذاتي الفلسطيني, كما يرغب المتفائلون في اوساط منظمة التحرير الفلسطينية, وهذا السكوت سيقود في النهاية في نظرهم الى الحصول على جزء من التراب الفلسطيني, وسيبقى التطور الى الافضل معلقا على رغبة اسرائيل ومحكوما بالتطور داخلها). بيت القصيد ما ذهبت اليه وقتها تطلعا للمستقبل كانت الفقرة الدقيقة تقول: (بمراجعة تجارب الحكم الذاتي المتشابه, عندما يوجد شعبان مصالحهما متناقضة وتربط بينهما علاقة محتل وشعب تحت الاحتلال, فإن مثل هذه المراحل الانتقالية لا تعمر طويلا فقد انتهت تجارب مثل هذا النوع الى سلطة كيانية في احسن الاحوال, وفي حالات قليلة انتهت الى عودة الاحتلال, لذا فإن الاحتمال الى العودة للاحتلال قائمة). لم يكن الجمهور الذي إلتأم في قاعة المجمع الثقافي في ابوظبي مساء ذلك الربيع من عام 1994 مهيأ لمثل هذه الافكار, خاصة بعض الاخوة من العاملين مع السلطة الفلسطينية, كما لم يكن الجو العام (العروبي) قابلا لان يسمع اجتهادا مبنيا على تحليل قريب الى العلمية لان الذهن العربي كان, ما زال حتى الان مع الاسف يريد ان يسمع ما يرغب, لا ما هو واقع وحقيقي, فدار جدل طويل, معظمه سلبي على الملاحظات الاجتهادية التي قدمتها. قلت في نفسي وقتها لقد تأكد قول صديق ان مثال العرب مع اسرائيل هو مثال قطيع من الجاموس يطارده اسد, هو كمجموع اقوى من الاسد وكذلك كأفراد ولكن هذا القطيع لا يريد ان يفكر! والآن وبعد ست سنوات من تلك الامسية الصاخبة والقلقة نجد ان الوضع القائم لم يختلف فالسقف المعروض على الفلسطينيين هو سقف اسرائيلي وبشروط اسرائيلية, زاده غياب في الغموض والتذبذب قيادة لا تنظر بشكل استراتيجي لمصير شعبها, فقد انخرطت القيادة مع الاسف في تكتيكات سياسية مرحلية ولم تقدم للشعب الفلسطيني ما يريد وهو الحقيقة والشفافية والديمقراطية فكانت ثورة القدس الاخيرة وهي ثورة ليس للقيادة التقليدية اية مبادرة فيها فقد تمت بناء على مبادرات لقيادات محلية جديدة وشابة ولكن مثل كل المرات السابقة تقفز القيادة التقليدية لتقطف ثمار هذه الفورة الشعبية العارمة وتعاطف جماهير الشعب العربي معها. بمثل هذه القيادة فإن توقع النتائج الايجابية محدودة ايضا ومرة اخرى ليس رجما في الغيب ولا استباقا للاحداث فإنه من المتوقع في الاسابيع القليلة المقبلة ان تلتئم هذه القيادة مع ممثلي السلطة الاسرائيلية وتصل الى اتفاق اساسه السقف الاسرائيلي وسوف يباع هذا الاتفاق جماهيريا على انه انتصار لم يكن ليتحقق لولا تدخلها البطولي ووقفتها البارعة! لم اكن في يوم من الايام داعيا للتطرف او غامطا حق العاملين وارجو ان ابقى كذلك ولكن من المهم ان يقول لمرء ما يراه امام عينيه ويحلل الامر تبعا للحقائق لا الاهواء. لما هبت شعوب عربية عديدة تناصر الانتفاضة الاخيرة, خاصة في جمع المال والذي هو اسرع واكثر قدرة على رفع المعاناة عن اخواننا واخواتنا الفلسطينيين البسطاء الذين يقدموا الدم, كما هبت شركاتنا التلفزيونية للمناصرة وتشجيع الناس وحشدهم وراء الدعوة لمناصرة اخوانهم كل ذلك شيء واجب. ولكن ما المعنى المراد ان قارن البعض بين ما يتبرع به اليهود تاريخيا وفي العالم وبين ما نتبرع به نحن العرب وهي مقارنة ظالمة ولسبب بسيط وواضح فإن ما يتبرع به اليهود في العالم هو اولا معفي من الضرائب في بلاد الغرب, وهذه قضية جانبية, ولكن الاهم ان صرفه في اوجهه الحقيقية يتم تحت اشراف وتدقيق ولعلنا نتذكر ان المجتمع الاسرائيلي يلاحق الفساد ويتعقبه مهما علا القائم به في المجتمع او في الدائرة السياسية اما فساد اوجه الصرف لبعض القائمين على اموال الفلسطينيين فهو قصة رائجة من محاكمات ابوظبي الى قصور غزة! في مثل هذا الجو القاتم من الممارسة التي ظهرت تفاعلاتها على صفحات الصحف العالمية أيدت منظمات مافية عالمية قلقها العميق بل ان بعضها هددت بوقف المساعدات والمعونات والتي تجعلنا نرفع الصوت عاليا بضرورة محاسبة تلك المجموعة التي تتغذى على دماء اخوتنا في فلسطين وتنصب نفسها قائدة لأشرف قضية. اذا استمر هذا الجو ولا اجد شيئا حتى الآن يمنع من استمراره فلا يعجب احد ان يكون الاتفاق مع الاسرائيليين غامضا ومشوبا بالعموميات يمكن ان نصل اليه في الاسابيع القليلة المقبلة, ثم نسمي ذلك انتصارا ويخرج علينا بعضهم يهز قبضته ويا جبل ما يهزك ريح! وتبقى تضحيات الفلسطيني البسيط هي قبض الريح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات